التاريخ الحقيقي للحملة الفرنسية على مصر… الحلقه الثالثه

إحتلال مالطه على الطريق لمصر

أهمية مالطه الاستراتيجيه بالنسبه لمصر و شرق البحر المتوسط

الاساطير حول فرسان المعبد و حقيقه وجودهم حتى اليوم

#التاريخ_الحقيقي_للحملة_الفرنسية_على_مصر

French_Occupation_Egypt_3_1

في الوقت اللي نابوليون كان بيجهز الحمله في ميناء طولون كان الادميرال الانجليزي نلسون قائد الاسطول البريطاني في البحر المتوسط بيجيله أخبار من القنصل البريطاني في ليفورنو Livorno الايطاليه (و كانت وقتها تحت الاحتلال الفرنسي) ان نابليون بيجهز اسطول قوي في طولون و ان الوجهه بتاعته مش معلومه. نلسون كان بيصلح بعض السفن في صقليه (و كانت لسه مش تحت الاحتلال الفرنسي) فنلسون سرع التصليحات و أخد بعض السفن و اتجه شمالا من جنوب ايطاليا ناحية فرنسا. في يوم ١٩ مايو ١٧٩٨ نابليون اتحرك بالاسطول بتاعه. الاسطول ده كان ضخم حتى بمقاييس ايامنا. الاسطول كان مكون من مئات السفن. نعم مئات. كان عليه ٣٦ الف جندي و ضابط. ١١٥٧ مهندس عسكري. ٩٠٠ طبيب و ممرض و عالم و فنان و كاتب. لو اضفنا لهم الموظفين و البحاره و التجار (نعم كان فيه تجار على الاسطول) العدد كان حوالي ٥٤ الف. ده تقريبا كان عدد مدينه كامله في الوقت ده. بالمقارنه الغزو الامريكي للعراق في ٢٠٠٣ كان حوالي ١٧٠ الف. عدد سكان العالم في ١٧٩٨ كان حوالي مليار مقارنة ب ٧ مليار دلوقتي. يعني نسبه لعدد سكان العالم حملة نابليون على مصر كان عددها حوالي ضعف الحمله الامريكيه على العراق.

اساطيل نلسون و نابليون عدوا بالقرب من بعض في ليله من ليالي شهر مايو في المسافه بين فرنسا وايطاليا لكن في الليل ما شافوش بعض. من المفارقات الطريفه ان البحر المتوسط كان مضطرب جدا طوال رحلة نابليون و هو بحر في العاده هادي جدا في أشهر الصيف لدرجه ان البحاره كانوا بيتقيؤا باستمرار و نابليون كان عاجز عن النوم فالمهندسين حطوا سرير نابليون على سوسته عشان يعرف ينام.

يوم ٩ يونيو ١٧٩٨ اسطول نابليون وصل مالطه! حاكم مالطه وقتها أسمه الرسمي: المعلم الاعظم لطريقه فرسان المعبد و القديس يوحنا المعمدان

Grand master of the order of St John of the Hospitallers.

اصول حاكم مالطه تعود لطرد فرسان المعبد من الاراضي المقدسه خلال الحملات الصليبيه و من هناك أسسوا المحافل الماسونيه الشرقيه. الاساطير حوالين فرسان المعبد و ان عندهم اسرار مقدسه holy grail موجوده مش بس في الشرق الاوسط لكن في الغرب كمان و من ضمن الاساطير دي القصه اللي اتعمل حواليها الفيلم الشهير Davinci code اللي بتدور حوالين ان السر المقدس اللي فرسان المعبد مخبيينه هو ان المسيح عيسى عليه السلام نبي و ليس إله و انه انجب طفله من القديسه مريم المجدليه.

(تعقيب من جوده: بعد انتهاء الحروب النابوليونيه انتهى الحال بفرسان المعبد للاستقرار في روما و سموا نفسهم sovereign military order of Malta و لحد دلوقتي موجودين و احتفظوا بثروات كبيره و بسبب الثروه دي اعترفت بيهم ١٠٧ دوله في العالم من بينهم مصر كدوله مستقله! العجيب انهم معترف بيهم كدوله مستقله من غير اصلا ما يكونوا بيحكموا أي أرض في العالم. مش بس كده لهم جواز سفر خاص و عمله و لوحات للسيارات كمان. و نلاحظ مثلا ان مصر معترفه بيهم و كل الدول الفرانكوفونية او اللاتينيه بينما امريكا لا تعترف بيهم و لا بريطانيا و تركيا)

حاكم مالطه وقتها كان البارون الالماني فرديناند فون هيمبش و نابليون كان رافض ان حاكم مالطه يكون من اي بلد معاديه لفرنسا. نابليون طلب من فرديناند ان الاسطول الفرنسي يدخل ميناء فاليرتا عشان ياخد مياه عذبه و أكل. فرديناند رد انه حيسمح فقط بسفينتين يكونوا داخل الميناء في أي وقت. طبعا بالنظر ان حجم الاسطول مئات السفن فالرد ده كان إهانه لنابليون. نابليون رد بطلقات من المدفعية.

الكابتن ساي captain Say و هو كتب اهم مذكرات عن الحمله (مصدر ١) قال ان سكان مالطه وقتها كان ١٥٠ الف معظمهم بحاره و كلهم مسيحين كاثوليك متدينين جدا و بيتكلموا لهجه من اللهجات العربيه (ما زالت المالطيه قريبه جدا من العربي) و بالتالي يقدروا يعملوا جيش من حوالي ١٦ الف جندي. صحيح جيش بالحجم ده مش حيقدر يهزم جيش نابليون لكن ممكن يعمل صعوبات ضخمه ليه. لكن سكان مالطه مكانوش عاوزين يحاربوا.

الكاتب البريطاني صامويل تايلور كوليردج زار مالطه بعدها بسنين و كتب ان البحاره البريطانين عندهم مقوله و هي ان: “مصر مفتاح الهند و مالطه مفتاح مصر”. مصدر ٢.

يوم ١١ يونيو نابليون دخل باسطوله الميناء في مالطه و بدأ ينزل جنوده هناك. فرسان المعبد كان عددهم حوالي ٢٠٠٠ جندي و مقدروش يصمدوا كتير قدام جيش نابليون. المعارك استمرت ٢٤ ساعه بعدها مالطه استسلمت. بونابرت تفاوض مع فرديناند على الاستسلام. فرديناند عرض انه يسلم قلعة فاليرتا العاصمه في مقابل انه يتقاعد بثروته كامله. نابليون وافق و دي كانت نهاية فرسان المعبد اللي كانت بدايتهم قتال المسلمين في فلسطين وقت الحروب الصليبيه. نابليون عرض على فرديناند انه يتقاعد في المانيا و على بقية فرسان المعبد انهم يتقاعدوا في فرنسا و ايطاليا في مقابل الاحتفاظ بثرواتهم و كمان ياخدوا معاش من حكومة فرنسا. تكاليف استسلام مالطه كانت حوالي ٣ مليون فرانك على الخزانه الفرنسيه.

فرسان المعبد كان نصفهم من اصل فرنسي و بالتالي مكانش عندهم نية القتال. و سكان مالطه الكاثوليك من اصول عربيه كانوا فلاحين و معندهمش استعداد يحاربوا جيش ضخم.

بعد احتلال مالطه، نابليون اعلن انها بقت تابعه للجمهوريه الفرنسيه و عمل فيها دستور مشابه لدستور فرنسا و قفل كل الكنايس في مالطه و اخد منهم الذهب و الفضه المكنوزه في الكنايس و عمل منهم سبايك ذهب للانفاق على جيشه. كابتن ساي كتب في مذكراته ان السيطره على مالطه هي مقدمه للسيطره على الشرق Levant و هي بالفرنسيه تعني مكان شروق الشمس. نلاحظ ان وقتها فرنسا كانت بتقول ليفانت على الشام و مصر و جنوب البحر المتوسط مش بس على الشام كما هو الحال الآن.

فرسان المعبد كانوا واخدين أسرى مسلمين سواء عرب او اتراك. نابليون اطلق سراحهم و حطهم على سفن الاسطول عشان يقدر لما يوصل مصر انه يوري المسلمين ازاي انه حاكم كويس و انقذ الاسرى المسلمين من براثن المسيحيين!

في نفس الوقت نابليون بعت للقنصل بتاعه في ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب انهم يبعتوا للحكام انهم يطلقوا سراح الاسرى المالطيين. لانهم زمان كانوا اسرى مالطيين لكن دلوقتي هم تابعين للجمهوريه الفرنسيه.

يوم ١٩ يونيو اسطول نابليون ابتدى يتحرك من مالطه و متجه شرقا.

الاخبار بدأت توصل لنلسون ان نابليون احتل مالطه. نلسون عرف وقتها على طول ان هدف نابليون الحقيقي لازم يكون مصر. و بالتالي نلسون اخد الاسطول بتاعه و اتجه على السواحل المصريه و فعلا وصل هناك قبل نابليون!

ليه نلسون وقتها أتأكد انه لازم يكون الهدف مصر؟ هنا لازم نبص على الخريطه. البحر المتوسط بين صقليه و تونس يضيق جدا ليصبح حوالي ١٠٠ ميل فيما يعرف بمضيق صقليه. في وسط ال ١٠٠ ميل دول تقع جزيرة بانتليريا Pantelleria. لو وقفت في جزيرة بانتليريا تقدر في يوم صافي تشوف انوار مدينة تونس العاصمه و انوار صقليه. مشكلة بانتيليريا ان مفيهاش ميناء عميق طبيعي و بالتالي غير صالحه لوجود سفن كبيره. لحد دلوقتي بالمناسبه كل الاماكن في بانتليريا باسماء عربيه و كانوا بيتكلموا عربي لحد القرن ١٩ لما بقت الايطاليه اللغه الرسميه هناك لكن لحد دلوقتي كلمات كتيره بيستخدموها من اصول عربيه.

ورا جزيرة بانتليريا تقع جزيرة مالطه الاكبر كثيرا و بها ميناء فاليرتا الصالح لملاحه السفن الكبيره. و بالتالي من يحتل مالطه يمكنه من هناك التحكم في مرور الملاحه بين شرق المتوسط و غربه بشكل كامل. مربع مالطه-صقليه-تونس-طرابلس من يسيطر عليه يسيطر على الملاحه بين الشرق و الغرب.

على مدار القرون مالطه كانت مقياس مين القوه الحاكمه في المتوسط. وقت صعود العرب و المسلمين كانت مالطه عربيه مسلمه. الآن مالطه كاثوليكية و تتبع الاتحاد الاوروبي لكنها احتفظت باللغه العربيه. ببساطه لأن من يسيطر على المتوسط لا يمكنه ان يكون كذلك دون السيطره على مالطه.

لذلك نابليون كان لازم يسيطر على مالطه اولا و ده بيأمن خلفية جيشه. و طالما جيشه متجه شرق المتوسط يبقى اكيد وجهته مش ليبيا مثلا لانه بالسيطره على مالطه ممكن بسهوله يحكم السيطره على طرابلس. اكيد وجهته مش تركيا لان الدوله العثمانيه وقتها كانت محتفظه ببعض قوتها و ما زالت مسيطره على اليونان. يبقى بالتاكيد وجهته هي الشام و مصر. و الشام مباشرة عمليه صعبه بحكم قربها من تركيا لكن مصر لازم تكون هي الوجهه بحكم البعد الجغرافي عن امكانية التدخل التركي و انها مفتاح الهند.

نلسون سبق على مصر و نابليون اتجه على مصر. و نتابع ان شاء الله.

المصادر:

————-

١- مذكرات كابتن ساي عن الحمله الفرنسيه في الشرق

https://books.google.com/books?id=8rzGxWUQiKkC&pg=PP5&source=kp_read_button&fbclid=IwAR3HfRj14mbeldFDsK6Pak0vESh2CMie3JdNhsIsrdQOtLEYWAITpN0_9jA#v=onepage&q&f=false

٢- زيارة صمويل تايلور كوليردج لمالطا

https://www.gutenberg.org/files/2575/2575-h/2575-h.htm

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.