التاريخ السري للمخابرات المصريه و مباحث أمن الدوله… الحلقه 18

نجاحات و فشل المخابرات المصريه خلال حرب ١٩٥٦ 

Hidden_History_Egyptian_Intelligence_17

في أكتوبر ١٩٥٦ وقعت حادثه كانت المفروض تكون كاشفه تماما لمصر عن قدراتها الحقيقيه قبل دخول حرب ١٩٥٦. جبهه التحرير الوطنيه الجزائريه زهقت من اللي شافته انه مماطلة مصريه في تزويدهم بالسلاح. فقرروا انهم يشتروا بآخره اسمها اثوس Athos. و ياخدوا بنفسهم السلاح من مصر و يوصلوه لغرب الجزائر في المغرب الاسبانيه زي ما شفنا في الحلقات السابقه (مصدر ١). 

آثوس طلعت من اسكندريه يوم ٤ أكتوبر ١٩٥٦ و كل العيون عليها. المخابرات البريطانيه وقتها كانت مخترقه الشفره السريه المصريه. نفس الكلام من المخابرات الاسرائليه و الفرنسيه. البحريه الفرنسيه و الاسرائليه تابعوا السفينه آثوس في رحلتها من اسكندريه. يوم ١٦ أكتوبر البحريه الفرنسيه اعترضت آثوس بالقرب من وهران و اعتقلت كل اللي فيها بكل السلاح اللي عليها و كلهم اعترفوا انهم اتدربوا في مصر. مصدر ٢. بعدها بكام يوم فرنسا توصلت لمكان وجود احمد بن بيلا في الجزاير و اعتقلته بناءا على التنصت على المكالمات و البرقيات المصريه المشفره. 

ثروت عكاشه (وزير الثقافه لاحقا) كان الملحق العسكري المصري في باريس. ثروت كان على اتصال بهنري كوريل مؤسس الشيوعيه في مصر و هو من أصل يهودي فرنسي و كان على اتصال بيساريين كتير في فرنسا معارضين لسياسه بلادهم الخارجيه. هنري كوريل أدى ثروت عكاشه معلومات عن خطط فرنسا للتدخل في ازمه السويس عسكريا. لكن في أوائل أكتوبر ١٩٥٦ دخل شخص فرنساوي ما زال مجهول الهويه لثروت عكاشه في باريس و اداله معلومات دقيقه عن وجود تعاون فرنسي-بريطاني-إسرائيلي لاحتلال منطقه القناه و سيناء. اداله بالضبط خطه الحرب. ثروت عكاشه ادرك اهميه المعلومات دي و بعتها مع مرسال خاص لجمال عبد الناصر. ناصر مقدرش يصدق المعلومات دي و تقديره كان ان فرنسا و بريطانيا مش حينحدروا انهم يتحالفوا مع اسرائيل. مصدر ٣. 

————-

تعليق جوده: اولا ما زال منصب وزير الثقافه يحظى به في دوله العسكر من يعمل بالمخابرات في باريس و لكن تحول الان لمن يبلغ عن المصريين في باريس. و معروف عمن نتحدث. ثانيا. مشكله الديكتاتوريه الأكبر هي ان الحاكم لا يريد تصديق الا نفسه. لذلك اي تقدير و معلومات مخالفه لما قدره ناصر من البدايه لم يصدقها و كانت النتيجه مآساه. 

—————

يوم ١٤ أكتوبر ١٩٥٦ مصر اخيرا بعتت بدو يستطلعوا مواقع الجيش الإسرائيلي في النقب. اتنين منهم اتقتل بالقرب من سد بوكر. و الباقي اتقبض عليه. مصر مكانش عندها اي قدره على التجسس داخل اسرائيل لمعرفه النوايا الحقيقيه للقياده الاسرائيليه. لا كان عندها جواسيس بالقرب من القياده human intelligence و لا كان عندها قدره على اختراق الشفرات الاسرائيليه sigint. و حتى لو مصر كان عندها اي قدرات فالحاصل ان مصر كانت تحت تأثير وهم ان مصر متفوقه على اسرائيل و ان اسرائيل مش حتقدر تهاجم مصر بسبب وجود السلاح السوفيتي. مصدر ٣. 

في نهايه أكتوبر ١٩٥٦ و بالرغم من العلاقات المتردية بين ناصر و المخابرات الامريكيه قام لورانس ايكلبرجر مدير محطه السي اي ايه في القاهره بتنبيه ناصر ان المخابرات البريطانيه بتخطط لاغتيال ناصر او عمل انقلاب في مصر. مصدر ٤. 

الكلام نفسه اكدته المخابرات الهنديه لمصر اللي بحكم طبيعه علاقتها مع بريطانيا عندها قدره عاليه على معرفه ما يدور داخل اجهزه صنع القرار في لندن. 

اخيرا يوم ٢٦ أكتوبر ١٩٥٦ و قبل الهجوم الاسرائيلي على سيناء ب ٣ ايّام قامت طائرات فامباير vampire المصريه للاستطلاع بطلعات تصوير فوق النقب. الغريب ان الطلعات دي مصورتش اي تجمع للجيش الاسرائيلي اللي كان في المراحل الاخيره للتعبئة و قواته على وشك اقتحام الحدود ! مصدر ٥. 

يوم ٢٩ أكتوبر اقتحمت القوات الاسرائليه سيناء و في البدايه هزمت تجمعات القوات المصريه بشكل ساحق و بعدها جه الانذار البريطاني- الفرنسي. 

المخابرات العامه في بورسعيد كانت مخططه للمقاومه الشعبيه في بورسعيد. و كانت عربيّات بمكبرات الصوت بتلف على الشوارع في بورسعيد تقول للناس المدنيين انهم يقاوموا الانزال البريطاني لان قوات الاتحاد السوفيتي جايه تدافع عنهم. كمان الجيش المصري حط مضادات الطائرات فوق أسطح المنازل في بورسعيد و عرضها لقصف شديد مِن القاذفات البريطانيه كانبيرا. 

——————

الدروس المهمه من دراسه عمل المخابرات خلال حرب ٥٦ و ما قبلها هي:

١- تخلف مصر في المجال التقني sigint بالمقارنه بأقرانها. مش بس في التجسس على شبكات المعلومات و اللاسلكي لكن ايضا في تحليل التصوير الجوي و الفشل في تحديد مواقع الجيش الاسرائيلي قبل ٣ ايّام مِن الغزو. 

٢- بالرغم من حدوث اختراقات مهمه في جمع المعلومات عن نوايا الغرب بحكم ان الغرب مجتمع مفتوح و فيه ناس متعاطفه مع قضايانا، لكن الاختراقات دي ما ادتش لنتيجه بسبب ديكتاتوريه عبد الناصر و تفرده مش بس باتخاذ القرار لكن بتقدير المواقف ايضا و رفضه اي معلومات بتخالف تقديراته دي. 

٣- بصفه عامه مصر عجزت عن تجنيد جواسيس مهمين داخل اسرائيل. و هو مجتمع عسكري لدرجه الهوس بالذات وقتها. 

———————

معروف اللي حصل في الحرب ذاتها. لكن بناءا على فشل المخابرات ده (بالرغم ان معظمه فشل ناصر ذاته) فجمال عبد الناصر قرر يعين صلاح نصر رئيس المخابرات العامه. و في نفس الوقت المجتمع المصري مع بدايه عام ١٩٥٧ و حتى قبل تعيين صلاح نصر بدأ يتحول لمجتمع يتم ادارته بواسطه المخابرات. لدرجه ان محافظ اسكندريه قال لدبلوماسيين امريكان ان الحاكم الحقيقي للإسكندرية هم المخابرات العسكريه و العامه و وزاره الداخليه. في يناير ١٩٥٧ عبد الناصر اصدر قانون بيعاقب بعقوبات رادعه اي حد يتصل مع قوى اجنبيه او يصور اي منشآت مهمه للامن القومي المصري او يطلع معلومات اقتصاديه لأجانب الخ. عقوبات رهيبه لأمور ممكن متبقاش جرائم على الإطلاق. لكن من هنا بدأت عمليه ترهيب المجتمع المصري بالضبط مع تعيين صلاح نصر مدير للمخابرات. 

و نتابع ان شاء الله. 

المصادر:

————

١- الحلقات السابقه مجمعه

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- جاكين. La Guerre Secrete صفحه ١٣٩-١٤٠. 

٣- هويدي. ناصر و ازمه ١٩٥٦. تحرير لويس و اوين. حرب ١٩٥٦. صفحه ١٦٩. 

٤- دوريل. ام اي ٦. MI6. Doril. 

٥- شيفي. Unconcern at Dawn.



Categories: التاريخ السري للمخابرات المصريه و مباحث أمن الدوله

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: