دراسات استراتيجيه … موقع الهند الاستراتيجي و لماذا لم تغزو خارج ارضها؟

Strategic_location_of_India_2

نتابع في هذه الحلقه دراسه الكتل السكانيه الكبيره في العالم و تأثير موقعها الجغرافي على خياراتها السياسيه و العسكريه. في الحلقات السابقه (مصدر ١) فسرنا لماذا الولايات المتحده قوه طاغيه في العالم و شرحنا الحصار الجغرافي الذي هو مشكله الصين الأساسيه و فهمنا لماذا أوروبا صاغت تاريخ العالم في فتره ال ٥٠٠ سنه الماضيه و لماذا تحللت القوه الاوروبيه. و اخيرا شرحنا مشكله روسيا الازليه و كيف ان مخرجها الوحيد هو من خلال السهل الاوروبي الشمالي أو عمل اختراق كبير في سلسله جبال كاربيثيا و هذا يفسر اهميه جنوب أوكرانيا و شبه جزيره القرم و منها لبلغاريا و اليونان.

النهارده حنفهم جغرافيه الهند. ليه الهند تخلفت مثلا؟ مقارنه بأوروبا. ليه الهند كان صعب جدا احتلالها و محصلش فيها الاختراق الثقافي اللي حصل في البلاد العربيه و الاسلاميه مثلا؟ ازاي الهند برغم اللغات و الأديان المختلفه حافظت بشكل كبير على وحدتها ككتله سياسيه كبيره بعكس الدول الاسلاميه و العربيه اللي انقسمت بشكل كبير؟ ايه تأثير انقسام الهند و باكستان؟ ايه اهميه الهند في الصراع الدولي القادم في القرن ٢١؟ و ليه امريكا حريصه على علاقات قويه مع الهند؟

فيه ٣ مميزات مهمه لخريطه الهند و وضعها الجغرافي:

Strategic_location_of_India_3

١- الصحراء و الجبل 

————————-

الهند عباره عن مثلث كبير قاعدته في جبال الهيمالايا في الشمال الشرقي و صحراء لوت الفاصله بين أفغانستان و ايران في الشمال الشرقي. القاعده دي عباره عن سداده فلين ضخمه صعب اختراقها. من المستحيل على البشر او اي جيش اختراق سلسله جبال الهيمالايا. و ده عمل عزل بين ثقافتي الهند و الصين و منع اي تبادل سكاني او تجاري بينهم. و صحراء لوت و كل أفغانستان الحقيقه هي بمثابه عازل بين الشرق الاوسط و الهند. اول ما تجتاز صحراء لوت و أفغانستان كأنك دخلت ثقافه تانيه مختلفه تماما. بالضبط زي اول ما تجتاز الهيمالايا الثقافه و اللغه و الجنس و مل شيئ بيتغير.

الجغرافيه دي حبست الهند أرضا. بمعنى انه ما حصلش في التاريخ ان الهنود اجتازوا الصحراء و الجبل.

بحكم الطبيعه الأسطوريه للصحراء و الجبل فكل أديان الهند الاصليه غير الوافده (الاسلام دين وافد) تقدس الصحراء و الجبل. العالم ينتهي عند الصحراء و الجبل بالنسبه للهنود. انهار الهند الكبرى تنبع من الجبل. دين الهند الوافد و هو الاسلام أتى عن طريق الصحراء.

عندما أتى الغزو للهند عن طريق الصحراء فانه مر اولا في مناطق الصحراء مخلخله السكان في الهند. و المرور في الصحراء استغرق وقتا طويلا و عقود. و بمرور الوقت استقر الغزاه في الصحراء و حدودها و تحولوا من غاز دخيل الى جزء من تركيبه الهند و هو بالضبط ما حدث لراجات الهند المسلمين الذين أصبحوا حكاما للهند و جزء من نسيجها الوطني.

العكس سنراه مع الغزاه القادمين عبر السواحل.

٢- الأنهار 

Strategic_location_of_India_1

انظر لخريطه انهار الهند تجد انها مماثلة تماما لخريطه انهار أوروبا (مصدر ١) بمعنى انها شبكه كثيفه من الأنهار المترابطه عكس انهار الشرق الاوسط التي هي مخلخله sparse. معنى ذلك ان التواصل التجاري بين أنحاء الهند سهل و مكفول بواسطه تلك الأنهار. و لكن عكس أوروبا فانهار الهند تفيض بشكل اكثر بكثير من انهار أوروبا. كذلك فالهند معرضه لمواسم المونسون (الاعاصير) التي تجعل قطاعات كبيره من دلتا الأنهار في الهند غير صالحه للزراعه او التجاره. أدى ذلك لعزل مناطق كبيره من الهند عن بعضها و قلل من امكانيه التواصل التجاري بين ارجاء الهند. و هذا مختلف تماما عن انهار أوروبا الصالحه للملاحه معظم أشهر العام. و التجاره هي محرك التقدم الرئيسي. و بالتالي فانهار الهند ربطت الهند و لكن بشكل كاف للحفاظ على وحدتها دون ان يجعلها قادره على التقدم.

تنبع كل انهار الهند الرئيسيه اما من السفوح الجنوبيه للهيمالايا او من كشمير. و لذلك فسيطره الهند على كشمير و على السفوح الجنوبيه للهيمالايا هو أمر لن تفرط فيه الهند مطلقا لانه مصدر الأمن القومي الغدائي و مصدر الحياه للهند.

٣- الساحل

—————

بالرغم من طول سواحل الهند الا انها في معظمها لا تحتوي على ما يصلح للموانئ العميقه deepwater port. و هذا جعل الهند منكفئه على نفسها عكس تطور أوروبا التي امتلكت سواحل ذات موانئ طبيعيه كثيره و بالتالي تطورت تجارتها مع العالم بشكل كبير.

و ان لم تكن الموانئ الاوروبيه موجوده و لو كانت أوروبا انكفأت على نفسها لكان سكان أوروبا الان هو مجموع سكانها الحاليين بالاضافه لسكان الأميركيتين. و معنى ذلك ان سكان أوروبا كانوا سيصبحون ١,٧ مليار نسمه. عوضا عن ٧٥٠ مليون فقط الان. و هو ما كان سيمثل ضغطا هائلا على الموارد الطبيعية الاوروبيه و لانفجرت أوروبا سكانيا مثلما الحال الان في الهند.

نقطه ضعف الهند الرئيسيه هي سواحلها الطويله و هي في ذات الوقت نقطه قوه في القرن ٢١. عندما أتى البرتغاليون او الإنجليز لاحقا لغزو الهند فبالطبع أتوا عبر السواحل الطويله للهند. و عندما فعلوا ذلك فقد دخلوا مباشره في عمق الكثافه السكانيه للهند. أدى ذلك انهم عجزوا عن الاستقرار و الاستيطان بسبب الكثافه السكانيه الموجوده بالفعل (عكس ما حدث مع المسلمين القادمين من الشمال). لكنهم ايضا استخدموا السلاح لتطويع السكان و حلب ثرواتهم.

و هنا تكمن عبقريه الهند. فهي استطاعت ان تمتص هؤلاء الغزاه و تستخدم الكثافه السكانيه الرهيبه للقضاء على هؤلاء الغزاه. ببساطه اما بالمقاطعة الاقتصاديه او بقتل الضباط و الجنود الإنجليز و اصطيادهم واحدا تلو الاخر. و لو حمل قله قليله من الهنود السلاح فبإمكانهم تطويع اعتى الجيوش الغازيه. و هو ما حدث في حاله استقلال الهند في القرن الماضي.

صراع الهند مع باكستان 

—————————-

كما رأينا في السابق (مصدر ١) فباكستان الحقيقه هي نقطه العزم الرئيسيه للصين ضد الهند. و من مصلحه الصين ان تستمر باكستان كقوه مهمه في جنوب اسيا حتى تضمن الهند ممرا رئيسيا لتجارتها عبر باكستان نحو المناطق المسلمه في غرب الصين و هذا يفسر لماذا مثلا لا تتدخل باكستان في اضطهاد مسلمي الصين بالرغم انها اقرب لهم جغرافيا من تركيا.

تتفوق الهند بشكل ساحق في العدد و الموارد مقارنه بالباكستان. و لذا تنتصر الهند في اي صدام مسلح مع باكستان.

مشكله باكستان في المقابل ان اي هزيمه ضخمه على الجبهه مع الهند تعني دخول الهند لاسلام أباد ذاتها بسبب قرب المسافات و عدم وجود عمق لباكستان. في هذه الحاله ستلجأ باكستان لاستخدام القنابل النوويه التكتيكيه لوقف الزحف الهندي على باكستان. و بسبب ضيق العمق الباكستاني فأمام باكستان حل من اثنين. اما ان تضع قنابلها النوويه التكتيكيه على الحدود مباشره و بالتالي استخدامها فور انهيار اول خط دفاع باكستاني. او وضعها قرب الحدود مع أفغانستان و استخدام القنابل النوويه في القصف الجوي و الصاروخي للخطوط الخلفيه الهنديه. الحل الاول صعب التطبيق جدا لانه قد يعني سقوط السلاح النووي الباكستاني في الايدي الهنديه. و بالتالي ليس امام الباكستان الا وضع صواريخها النوويه شمال اسلام أباد ذاتها قرب سلسله جبال هند كوش.

يعني هذا ان أفغانستان بالنسبه لباكستان هي في الحقيقه العمق الاستراتيجي الوحيد امام باكستان. و بالتالي بالرغم من الضغوط الامريكيه الرهيبه على باكستان فما زالت باكستان تدعم حركه طالبان في أفغانستان و تدعم كل تنظيمات الباشتون و هدف ذلك الرئيسي هو الحفاظ على عمق أمن لباكستان في أفغانستان.

الهند في القرن ٢١ 

———————

مع صعود التنافس الامريكي الصيني نجد ان العلاقات بين امريكا و الهند ستأخذ في التعمق. فليس امام البلدين الا ذلك. لو نظرنا للخريطه لوجدنا ان العند بطول سواحلها هي مركز مراقبه ضخم يمتد داخل المحيط الهندي و يفرض على كل السفن القادمه من الغرب ان تدور حوله للوصول للصين. و هو موقع استراتيجي جبار. كما ان كثافه الهند السكانيه تمكنها من تعويض قله عدد سكان الولايات المتحده و عدم رغبتهم في القتال في حروب اجنبيه. لذلك ليس من المستبعد ان تلجأ امريكا مثلا لجنود هنود لتطويع و احتلال الشرق الاوسط مثلا.

و في الحلقه القادمه بعون الله سندرس جغرافيه العالم الاسلامي و العربي.

المصادر:

————

١- سلسله دراسات استراتيجيه من جوده

https://www.facebook.com/…/a.53444174329…/2184746674928867/…



Categories: استراتيجيات وحلول

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: