التاريخ السري للمخابرات المصريه و مباحث أمن الدوله… الحلقه 9

انشاء مباحث أمن الدوله في اغسطس ١٩٥٢ و توسع العلاقات المصريه الامريكيه 

Hidden_History_Egyptian_Intelligence_91

في الحلقه السابقه (مصدر ١) شفنا صعود نجم زكريا محيي الدين و قيادته للمخابرات العسكريه المصريه بالرغم من عدم وجود خلفيه له في المخابرات. لكن طبعا احد اهم الأمور اي انقلاب بيعملها هو انه يتأكد تماما انه محدش ينقلب عليه. في يوليو ٥٢ المخابرات العسكريه حتى الضباط الكبار كانوا عارفين انه فيه انقلاب بيحصل ضد الملك (أثبتنا هذا بالوثائق) و مع ذلك سكتوا. ده مخلاش الضباط الأحرار يثقوا فيهم بالعكس خلاهم يقلقوا منهم و حطوا فوقهم ضابط عديم الخبره زي زكريا محيي الدين (ذات الشيئ حدث بعد انقلاب ٢٠١٣ لما السيسي طرد معظم مسئولي المخابرات العامه و حط فوقهم مدير مكتبه عباس كامل اللي معندوش اي خبره في المخابرات). 

شفنا ان زكريا محيي الدين أطلقوا عليه الضباط الأحرار زكريا بيريا (على اسم وزير داخليه ستالين الدموي) لانه هو اللي امر بالفض الدموي لاعتصام كفر الدوار في صيف ١٩٥٢. 

في اغسطس ١٩٥٢ و لأغراض سياسيه داخليه الضباط الأحرار أعلنوا تفكيك القلم الخاص او البوليس السياسي لكن في نفس الوقت السفاره الامريكيه في القاهره كانت بتكتب تقرير ان جهاز جديد للبوليس السياسي بيتم تشكيله تحت إشراف الجيش. و كان مفهوم ان الجهاز الجديد حيمتص أعضاء الجهاز القديم بعد عمليه تطهير purging كما وصفها تقرير السفاره. مصدر ٢. 

قرار انشاء جهاز جديد للامن السياسي جه بعد اعتصام كفر الدوار و بعد فشل الشرطه في التعامل معاه و اللجوء للجيش لفض الاعتصام. الجهاز الجديد سموه المباحث العامه اللي لاحقا بقت مباحث أمن الدوله.

الضباط الأحرار لجئوا لامريكا في محاوله تكوين المباحث العامه. امريكا كان عندها بالفعل ناس دربتهم في مصر منهم علي صبري اللي خد كورس مخابرات في كولورادو و كان حلقه اتصال بين امريكا و الضباط الأحرار و كان من أوائل ضباط المباحث العامه. مصر طلبت رسميا مساعده امريكا في تدريب ضباط المباحث العامه على التغلب على الشيوعيه و عرضت كمان انها تدفع مقابل التدريب ده. مصدر ٣. 

واشنطن عرضت الطلب المصري على بريطانيا اللي طبعا مكانتش مبسوطه و بالتالي ماطلت انها ترد. لحد دلوقتي مفيش رد بريطاني على رأيها ان امريكا تدرب ضباط مصريين!

لكن في نفس الوقت و مع حلول أكتوبر ١٩٥٢، المخابرات المركزيه الامريكيه دخلت على الخط و اخدت عمليه تدريب المصريين على مكافحه الشيوعيه. كالعاده المخابرات المركزيه بتتحرك بشكل أسرع عن وزاره الخارجيه الامريكيه. 

لحد أكتوبر ١٩٥٢ مفيش اي مؤشرات على تنسيق مصري مع المخابرات المركزيه. بدليل ان الطلبات المصريه كانت بتروح للسفاره الامريكيه و بدليل ان المصريين و الضباط الأحرار كانوا بيتعاملوا مع موظفين عاديين في السفاره مثلا طلبوا من الملحق الجوي الامريكي (شفنا ده في الحلقات السابقه) انه يحضر اجتماعات مجلس قياده الثوره و دول كانوا موظفين عاديين في السفاره. و شرحنا ده بالتفصيل في الحلقه السابقه لدحض فكره ان الضباط الأحرار اتحركوا بالتنسيق مع امريكا (مصدر ١). لكن في أكتوبر ١٩٥٢ حصل تغيير كبير. 

في الوقت ده ابتدى موظف عادي في السفاره لكن في الحقيقه ضابط في المخابرات المركزيه اسمه ويليام لايكلاند يبقى عنده اتصالات مفتوحه مع جمال عبد الناصر و زكريا محيي الدين بذات نفسهم. مصدر ٤. 

لكن كمان في أكتوبر ١٩٥٢ وصل مصر كيرميت روزفلت ضابط المخابرات المركزيه الامريكيه الشهير وصل القاهره و قابل عبد الناصر انه مستشار لرئيس امريكا لشئون الشرق الاوسط. مصدر ٤. 

ناصر و كيرميت طوروا علاقه حميمه جدا لدرجه انهم كانوا بينادوا بعض بالأسماء الاولى. و من أكتوبر ١٩٥٢ ابتدت تظهر أشياء جديده في طبيعه الاتصالات المصريه الامريكيه. قبل أكتوبر كانت السفاره بتتصل بناصر و نجيب و زكريا و كل الضباط الأحرار. بعد أكتوبر ١٩٥٢ السفاره بقت تتصل فقط بمحمد نجيب في حين كيرميت فقط بقى يتصل بناصر. مصدر ٥. 

للاسف وثائق المخابرات الامريكيه عن الفتره دي ما زالت محجوبه. لكن يبدو ان المخابرات الامريكيه اكتشفت ان ناصر لقطه و انها حللت الوضع في مصر و اكتشفت ان الضباط الأحرار بيحاولوا بكل الطرق يتقربوا لامريكا بدليل انهم بيعزموا موظفين صغيرين في السفاره يحضروا اجتماعات مهمه داخليه و كمان قدرت ان نجيب ملوش وزن و ان الوزن الحقيقي هو ناصر. و بالتالي قررت تتعامل معاه على طول و تبعت واحد من اهم ضباطها للتعامل ده. و مش بس كده لا كمان توقف تعامل السفاره مع ناصر عشان ميحصلش تضارب في السياسات. 

المخابرات المركزيه بعتت بعثه لمصر تحت قياده كيرميت عشان تدرب المباحث العامه المصريه. المهمه كانت ضخمه لدرجه ان كيرميت لوحده مكانش قادر عليها و بالتالي طلب إمداده بضباط اكتر من المخابرات المركزيه. منهم كان رئيس مكتب المخابرات المركزيه في القاهره جيمس ايكلبيرج. اللي جاب صديقه من ولايه آلاباما و اسمه مايلز كوبلاند. و جابوا بعدها ضابط مخضرم في المخابرات اسمه ويلبر ايفلاند. مصدر ٦. 

مايلز كوبلاند نمى صداقه خاصه مع محمد حسنين هيكل صديق عبد الناصر لدرجه ان هيكل كتب عنه وقتها انه “مندوب إعلانات و شخص نشيط للغايه”. مصدر ٧. 

فرانك كيرن وصل مصر برضه كصحفي أمريكي لكن في الحقيقه ضابط في المخابرات المركزيه و كان برضه صديق لجيمس ايكلبرج. عبد الناصر كان معجب جدا بفرانك كيرن و قال عنه انه شخصيه غير طبيعيه و يعرف اكتر من اي سفير. 

من الصعب تخيل ان ناصر او هيكل مكانوش عارفين ان دول كانوا ضباط في المخابرات المركزيه. بالعكس التنسيق بالذات مع كيرميت كان انه ضابط في المخابرات المركزيه او شخصيه واصله جدا داخل الجهاز الامني الأمريكي. 

العدد الكبير ده من الضباط و وضعهم في المخابرات المركزيه يوري الاهتمام اللي أولته المخابرات المركزيه لمصر بدايه من أكتوبر ١٩٥٢. الضباط دول كانوا تحت غطاء سواء صحفي أو دبلوماسي او مندوب إعلانات و كان عندهم اتصال مباشر مع جمال عبد الناصر الا ان اتصالهم الرسمي كان مع ضابط أتصال مصري من الضباط الأحرار اسمه حسن التهامي. يعني مثلا تنسيق عمليات تدريب الضباط المصريين كان بيتم مع التهامي. لكن القعدات الخاصه للتنسيق السياسي كانت بتتم مع ناصر و هيكل زي ما شفنا. بالاضافه الى صداقه كيرميت مع مصطفى و علي امين اللي كانوا وقتها مقربين من ناصر. (حسن التهامي حيفضل بجوار السادات لحد اتفاقيات السلام)

عبد الناصر كلّف حسن التهامي انه يختار الضباط اللي المخابرات الامريكيه تدربهم و انه يراقب اتصالات بقيه الضباط الأحرار و الوزراء و اي احد ناصر شاكك فيه.

العجيب ان التهامي تم اكتشافه بيتجسس على تليفون عبد الناصر نفسه و بيبعت التسجيلات للمخابرات المركزيه الامريكيه لكن العجيب انه فضل مقرب من ناصر بسبب العلاقه الوثيقه مع المخابرات الامريكيه وقتها و الخوف من افتضاح امر خيانات الضباط الأحرار مع بعضهم. مصدر ٨. 

يبدو ان حسن التهامي استمر يعمل مع المخابرات المركزيه لفتره طويله لانه كان من قابل موشي ديان في المغرب للتمهيد لزياره السادات لكامب ديفيد. و اللطيف ان التهامي اتدروش لاحقا و اصبح “متدينا” و كانت الوفود في كامب ديفيد تتضايق منه و من خرافاته و كتب ذلك بطرس غالي في مذكراته. 

(مثل هذا سنرى انه حدث مع أشرف مروان و سنروي هذا لاحقا – حيث يتم اكتشاف عماله احد المقربين لكن يتم إحاطتها بالسريه و الظن انه يمكن استخدامها في لعبه اكبر بكثير ممن يلعبها). 

مايلز كوبلاند و الضباط الآخرين مش بس ساهموا في تدريب المباحث العامه لكن كمان دربوا الحرس الشخصي لناصر. مصدر ٩. 

الصوره لحسن التهامي في نهايه حياته. 

المصادر:

————

١- الحلقات السابقه مجمعه 

https://jawdablog.org/

الحلقه ٨ موجوده في:

https://www.facebook.com/524906364246248/posts/2150124071724461/

٢- برقيه من كافري لوزاره الخارجيه الامريكيه بتاريخ ٢ اغسطس ١٩٥٢ رقم ٢٤٨ و محفوظه برقم ٨٤٧-٥٠١/٨-٢٥٢ في المحفوظات القوميه الامريكيه. 

٣- برقيه من كافري بعنوان:

Egyptian request re police mission to study counter espionage methods

٤- ال جيمس. Nasser at War. Arab image of the enemy. لندن. صفحه ٢٣ . 

٥- نتنج. Nasser. صفحه ٤٥-٤٦. و نتنج الحقيقه هو المؤرخ شبه الرسمي لجمال عبد الناصر. 

٦- مايلز كوبلاند. Game player. لندن ١٩٨٩. 

٧- ويليام ايفلاند. Ropes of sand. نيويورك. ١٩٨٠. 

و ذكرها هيكل نفسه في كتابه cutting the lion’s tail في صفحه ٤١-٤٢. 

٨- ابو الفضل. كنت نائبا. صفحه ٢٠٧. 

٩- شبيرو. Intelligence service and political transformation in the Middle East. International journal of intelligence and counter-intelligence. العدد ١٧. ٢٠٠٤-٢٠٠٥.



Categories: التاريخ السري للمخابرات المصريه و مباحث أمن الدوله

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: