جغرافيه الولايات المتحده و كيف تحكم سياستها مع العالم؟

USA_Strategic_Discussion

تتمتع الولايات المتحده ربما بافضل موقع جغرافي في الكره الارضيه. و لو كان لأي إنسان ان يختار فلن يمكن ان يختار موقع افضل و اكثر تميزا من موقع امريكا؟ ليه؟ الحقيقه لو كان الموقع في العالم عرضه للبيع و الشراء مثل البيوت لكان موقع امريكا الحالي هو أغلى موقع في التاريخ.

اولا. هو ان امريكا يحميها من ناحيتين المحيط الاطلنطي و المحيط الهادي و هم اكبر و ثاني اكبر المحيطات في العالم بشكل يستحيل اختراقه.

ثانيا. ان جيران امريكا سواء من الشمال او الجنوب لا يشكلون اي تهديد حقيقي لأمن امريكا. و بالتالي تستطيع امريكا ان تبني داخليا بسلام دون ايه حروب تهدد كيانها او استقرارها الداخلي و هذا شيئ غير معهود في اي دوله او أمه اخرى في العالم في التاريخ.

ثالثا. عكس امريكا الجنوبيه التي تتمتع بذات المميزات الا ان الداخل في امريكا الجنوبيه عباره عن أحراش الأمازون صعبه التحويل للزراعه الكثيفة. في حين ان الداخل الامريكي بين جبال الابالاشي في الشرق و حتى الروكيز في الغرب على مسافه حوالي ٢٠٠٠ ميل او ٣٠٠٠ كيلومتر هي عباره عن براري تحولت للزراعه الكثيفة بسهوله ثم دخلت حركه التصنيع بقوه.

رابعا. عكس امريكا الجنوبيه ايضا التي لها كثير من المزايا الا ان الساحل الامريكي الجنوبي بمجمله ساحل خالي من الموانئ الطبيعية. في حين ان الشواطئ الشرقيه و الغربيه لامريكا تتمتع بموانئ طبيعيه تمكنها من التجاره مع الشرق و الغرب بسهوله و التجاره هي عَصّب التقدم.

مجموع ذلك ان المركز الامريكي سهل منبسط تحميه محيطات شاسعه يمكن الجماعات التي تستقر فيه من ان تتطور بمأمن دون اي تهديد خارجي و هذا يمكنها من التقدم الصناعي و التكنولوجي المطرد دون انقطاع و هي ميزه لا تتوافر لأي أمه اخرى.

خامسا. مكن التقدم التكنولوجي الامريكي من تطويرها قدرات ردع عالميه. فصحيح انه مثلا تستطيع الصواريخ النوويه الروسيه قصف الداخل الامريكي الآمن الا نظام الأقمار الصناعيه الامريكيه سيفشل هذه الصواريخ قبل تهديد الداخل الامريكي ثم ان الغواصات الامريكيه ستقوم بالرد الثاني بشكل تعجز روسيا معه عن الرد. و كان هذا التصعيد التكنولوجي الامريكي هو الذي أدى في النهايه لانهيار الاتحاد السوفيتي. و الجغرافيا الامريكيه لعبت دور مهم جدا في هذا التطور التكنولوجي عكس روسيا التي شرحنا في الحلقات السابقه (مصدر ١) انها محصورة جغرافيا بشكل كبير.

USA_Strategic_Discussion_2

يودي ذلك ان تتمتع امريكا في العالم بموقع يشبه لحد بعيد موقع الجزر البريطانيه على مدى تاريخ أوروبا. و هو موقع يطلق عليه العزله الجميلة splendid isolation. بمعنى ان تكون بعيدا لدرجه لا يمكن فيها تهديدك و لكنك قريب بشكل انك تشارك في الغنائم. هذه السياسه مكنت بريطانيا من ان تكون رمانه الميزان في أوروبا بالرغم انها ليست اكبر دوله أوروبيه و لا حتى أغناها. ففرنسا اكثر مواردا من بريطانيا و ألمانيا اكبر في عدد السكان و حتى في التقدم الصناعي و روسيا اكبر مساحه بشكل كبير و لكن بريطانيا قادت أوروبا سياسيا بشكل كامل تقريبا. فهي تتحالف مع فرنسا عندما تكون ألمانيا مصدر تهديد في الحربين العالميتين الاولى و الثانيه و تقاتل ضد فرنسا نابليون عندما كانت تهديدا لالمانيا و روسيا. ثم تعود لتنعزل عن كل الصراعات الاوروبيه عندما لا تشكل تهديدا للتوازن في أوروبا.

تنظر امريكا للعالم بذات الشكل. فالعالم الان اصبح بالنسبه لامريكا هو أوروبا القرن ال ١٨ لكن بصوره مكبره. توجد في العالم الان بالنسبه لامريكا ٥ كتل رئيسيه:

١- الصين و هي صاعده بشكل يماثل صعود ألمانيا في أوروبا في القرن ١٨-١٩. و هذا الصعود يمكن ان يكون مصدر مشاكل و ربما حروب. 

٢- روسيا. و هي آفله. و ان كانت تريد العوده لأمجاد ماضيه للاتحاد السوفيتي. و هي تماثل دور روسيا التقليدي في سياسه أوروبا في القرن ١٨ و ١٩. فروسيا وقتها كما هي الان دوله محافظه تريد التمسك بالنظام العالمي القائم على الدوله القوميه nation state و ترى في ثورات الربيع العربي و الثورات المخمليه في أوروبا الشرقيه تهديد مباشر للامن الروسي. و لا يختلف هذا مطلقا عن دور روسيا ضد الثوره الفرنسيه في الحروب النابوليونيه. 

٣- أوروبا الغربيه. و هي دول آفله ايضا و معرضه من الناحيه الامنيه و تحتاج للولايات المتحده للامن بشكل مباشر. و هي تماثل موقع هولندا و بلجيكا في أوروبا في القرن ١٨-١٩ في أوروبا. دول صغيره تحاول العثور على رباط بينها بالرغم من الاختلاف العرقي و جيوشها ضعيفه لا تستطيع الدفاع عن نفسها و تعتمد على الحليف البريطاني بشكل كبير لتأمين نفسها. 

٤- العالم الاسلامي. و هي مواقع مخلخله مفتوحه أمنيا تمتد من اندونسيا حتى المغرب و هي مواقع تشبه لحد بعيد دول البلقان في أوروبا في القرن ١٨ حيث توجد حروب ذات نزعات دينيه و قبليه بين دول البلقان و هي مصدر قلق أوروبا كلها كما ان العالم الاسلامي الان هو مصدر قلق العالم كله. 

٥- الهند. و هي دوله كبيره سكانيا و ذات موقع استراتيجي ضخم. لكنها عاجزه بمفردها عن مواجهه الصين. و هي بالتالي تشبه لحد بعيد النمسا في القرن ١٨ حيث يوجد سكان كثيرون من اقليات متعددة و لكنهم اقل تطورا من جارتهم الشماليه القويه ألمانيا في حاله النمسا او الصين في حاله الهند.

و الحقيقه اننا لو قلبنا خريطه العالم سنكتشف ان موقع امريكا في العالم مشابه تماما لموقع بريطانيا في أوروبا. حتى كندا و جرينلاند يطلان على العالم بشكل يشبه أطلاله إسكندنافيا على أوروبا.

على مدى عقود طويله و حتى انهيار الاتحاد السوفيتي تحالفت امريكا مع الصين و أوروبا الغربيه ضد روسيا. و هو ما اعتاد العالم ان يطلق عليه الحرب البارده. مع أفول روسيا و صعود الصين سنجد ان امريكا لا شك ستغير سياستها و ما نراه الان في العلاقه الحميمه الناشئه بين امريكا و بوتين هي ما الا ارهاصات هذا التحول و ان يكن ترامب يقوم به بشكل فج و غير متسق مع الأسلوب الامريكي. مصدر ٢.

لكننا سنجد خلال العقد القادم تحول في السياسه الامريكيه يتحالف مع روسيا و أوروبا الغربيه و الهند ضد صعود الصين. و هو ما يشبه التحول البريطاني عن عداء لفرنسا الى تحالف معها ضد صعود ألمانيا.

و بالطبع هذا ليس امر سهل في سياسه جرت أنها ضد الديكتاتوريه و مع الديمقراطيه. كما ان التحالف مع روسيا ضد الصين لن يكون خالي من الصراع الداخلي ضد روسيا مثلما تحالفت بريطانيا و فرنسا ضد ألمانيا و لكنهما تصارعا في السيطره على الشرق الاوسط و افريقيا مثلا.

و ابرز علامات التحول الامريكي مع روسيا هي الحاله الايرانيه. تحتاج أوروبا الغربيه للغاز الإيراني اذا ارادت التخلص من الاعتماد على روسيا. و لذلك فإذا تحالفت امريكا مع ايران فهذا دليل التحول ضد روسيا و العكس صحيح.

و ما زالت السياسه الامريكيه في هذا الحيال مترددة و هذا طبيعه الانعكاس لاوضاع ما زالت في حاله تحول. فمثلا اوباما أراد التحول نحو سياسه احتواء ايران بالتحالف معها لتقليل المخاطر في منطقه الشرق الاوسط و تقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. بينما يرى يمين ترامب الامريكي الجديد ان المخاطر الحقيقيه هي من الصين و العالم الاسلامي ككل و انه لا داعٍ لاقلاق روسيا بل العكس المفروض التحالف معها. و في الأغلب فهذا التردد الامريكي سينتهي بمحاوله التعاون مع روسيا ضد الصين و لكن ايضا محاوله استقطاب ايران للحصول على الغاز لتأمين أوروبا الغربيه.

كما ذكرنا فمنطقه الشرق الاوسط تشبه برلمان بارود البلقان في القرن ١٨-٢٠. فهي منطقه مفككة لا تجمعها منظومه أمنيه متكامله و كل العالم يتدخل فيها و بها اعراق و شيع متناحره و عاجزه عن التعايش مع بعضها بعد انهيار الدوله العثمانيه و بالتالي فأي خلاف فيها يمكن ان يتحول لحرب قد تصبح عالميه.

و سنتعرض لوضع الشرق الاوسط و العالم الاسلامي في حلقه خاصه و لكن في الأغلب فسياسه الولايات المتحده في الشرق الاوسط و العالم الاسلامي ستكون مشابهه جدا لسياسه بريطانيا في البلقان و هي التدخل العسكري عند الضروره لتأمين مواقع استراتيجيه و بتدخل من القوات الخاصه و الجو لضمان الا تطغى اي قوه سواء شرق أوسطيه (سعوديه – ايران – تركيا) على النظام الإقليمي باكمله و ايضا الا تطغى اي قوه دوليه مناوئة على الإقليم بمجمله.

الحقيقه ان الولايات المتحده ذاتها لا تواجه اي تهديد الا لو قام تهديد داخلي من تفسخ امريكا ذاتها الى حرب اهليه بين الليبراليين و المحافظين بحيث تنسلخ فيه ولايات الغرب الليبرالي (واشنطن – اوريجون – كالفورنيا) الغنيه عن الاتحاد اذا ما شعرت ان بقيه ولايات الاتحاد تهدد اُسلوب حياتها. و الانفصال او الحرب الأهليه في امريكا لن تكون على خطوط شمال جنوب كما كانت الحاله في القرن ١٩ بل عام خط المركز في الوسط ضد الأغنياء في الشرق و الغرب. الفارق ان الشرق في امريكا يسهل دحره بسهوله من قبل ولايات مثل أوهايو و فيرجينيا و تكساس و ميريلاند اللواتي يستطيعون غزو نيويورك و نيو إنجلاند بسهوله بسبب عدم تمتعهم بأي مانع طبيعي قوي و اعتمادهم الكامل في الغذاء على ولايات الوسط المحافظه. بينما ولايات الغرب الامريكي تحتمي وراء جبال الروكيز و من وراءها سلسله جبال كاسكاد في الشمال و سيرا نيفادا في الجنوب و المسافه من الروكيز حتى الكاسكاد او سيرا نيفادا هي منطقه سيعجز اي جيش من أوهايو أر نبراسكا مثلا عن اقتحامها لطول المسافه و تمحور جيش الغرب في الجبال بشكل يمكنهم من اصطياد اي جيش مهاجم في السهول بين الجبال التي ستتتحول الى shooting range. و بمرور الوقت سيمكن حصار تمرد الوسط الامريكي المحافظ لافتقاره الظهير حيث في الأغلب ستعاديه أوروبا و كندا و الشرق الأقصى و بالتالي فانتصار ولايات الغرب الامريكي التي ستتمتع بوضع آمن و طرق تجاره مفتوحه مع كندا و منها لاوروبا او مباشره مع الشرق الأقصى، في حرب أهليه امريكيه ضد الوسط المحافظ هو امر بديهي حتى لو استغرق وقتا. و في الأغلب ستبزغ منها امريكا بشكل قوي و متجدد.

و هذه عبقريه الموقع الامريكي في الحقيقه.

المصادر:

————

١- دراسات جوده الاستراتيجيه. 

https://jawdablog.org/category/الإقتصاد/استراتيجيات-وحلول/

٢- تحولات السياسه الامريكيه ضد الصين 

https://goo.gl/qMBxBH



Categories: استراتيجيات وحلول

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: