روسيا – حديث في الاستراتيجية

Russia_Strategic_Discussion.jpg

بالرغم ان روسيا هي اكبر دول العالم من حيث المساحه و بها اكبر تركيز من الثروات الطبيعية في العالم (اكبر احتياطي غاز، اعلى انتاج من النفط لعقود طويله، مخزون ضخم من الذهب و المعادن النفيسه الاخرى، الخ) الا انها في الحقيقه عملاق مُحاصَر استراتيجيا و عاجز عن الحركه على المدى البعيد على المستوى الدولي بشكل يجعل هزيمتها في الحرب البارده أمرا متوقعا و هزيمتها في اي صراع استراتيجي دولي مستقبلي ايضا امر حتمي الا اذا استطاعت روسيا كسر الطوق المحكم المضروب حولها. تعالوا نشوف ازاي. 

لو حاول اي أسطول روسي او قوه حربيه الخروج من بحر البلطيق او حتى من موانئ المحيط المتجمد الشمالي (بفرض انه مع تغير المناخ سيُصبِح هذا ممكنا طول السنه) فلابد ان يعبر من المنطقه التي يطلق عليها GIUK gap او فجوه جرينلاند-ايسلندا-المملكه المتحده. و هي منطقه بحريه مفتوحه و لكن محاطه بحرينلانده (تابعه للتاج الدانمركي و عضو في حلف الاطلنطي) و ايسلندا (بها احد اكبر القواعد الامريكيه في العالم) و المملكه المتحده (عضو في حلف الاطلنطي و اكبر شريك عسكري للولايات المتحده). يعتمد التخطيط في حلف الاطلنطي على جعل ال GIUK gap منطقه صيد لأي أسطول روسي حيث يقع في مرمى نيران كثيفه و في منطقه معادين تماما و بالتالي يعجز عن الوصول للمحيط الاطلنطي. 

بالطبع المحاوله عبر بحر البلطيق ستصطدم بالنيران البولنديه و الألمانية و السويديه و النرويجية قبل حتى الوصول ل GIUK gap. و لذلك اي حديث عن لاتفيا و ليثوانيا و تهديد روسيا لهما هو امر هدفه اثاره الذعر داخل ناتو و البلطجه اكثر منه هدف استراتيجي حقيقي. هذا من ناحيه الشمال. 

من ناحيه الشرق فالحقيقه انه تتركز القوه العامله في روسيا في مناطق غرب الاورال الممتده من موسكو حتى سان بطرسبرج حيث يتركز في الجانب الاوروبي من روسيا معظم الناتج الصناعي و التركيز السكاني. و لذلك فالشرق الروسي مخلخل سكانيا كبيرا. و لا توكد اي مدن روسيه كبيره على المحيط الهادي اطلاقا! و السبب في ذلك ان ساحل المحيط الهادي في روسيا شديد البروده و على عكس الساحل الامريكي المقابل فلا توجد به موانئ طبيعيه. و بالتالي فالميناء الروسي الوحيد في الشرق هو ميناء فيلادوفستوك و هو لا يقع مباشره على المحيط الهادي بل يقع على مرمى حجر من الحدود الصينيه مع كوريا الشماليه و بالتالي فهو أسير للجزر اليابانيه و يقع بها القواعد الامريكيه. و لذلك فأي أسطول روسي يحاول الخروج من الشرق سيصطدم بما يطلق عليه الحاجز الياباني. و هو حاجز فعال حتى بدون وجود قواعد امريكيه كيث انتصرت اليابان على روسيا حربيا في كل المعارك التي خاضتها. 

من ناحيه الجنوب الشرقي تقع الصين. و على عكس الناحيه الروسيه المخلخله سكانيا فالجانب الصيني من الحدود مكتظ تماما. كما ان اتصال فيلادوفستوك بالمراكز السكانيه الروسيه في غرب الاورال هو اتصال مهلهل عبر خطين فقط للسكه الحديد يمتدان على مدى ٩ مناطق زمنيه تقريبا دون سكان! من الناحيه الاستراتيجيه يسهل جدا قطع الخطين و عزل الشرق الروسي عن موسكو. من السهل تصور ان الصين تخطط لاستعمار الجانب الروسي من الحدود عبر التمدد اقتصاديا بشكل مشابه لتمدد امريكا في تكساس عندما كانت ما زالت تابعه للمكسيك. و الموقفان متشابهان جدا بالنظر ان تكساس كانت مخلخله السكان و شحيحه الاتصال بمكسيكوسيتي. 

في الجنوب الغربي تقع احد اهم فرص الاختراق لروسيا و كسر الحصار المفروض عليها. و السبب بسيط هو قربها من المراكز السكانيه الروسيه و وجود اقليات روسيه مهمه في اتجاه الجنوب الغربي من روسيا (جورجيا و رومانيا و صربيا وصولا لليونان التي تشترك مع روسيا في المذهب المسيحي). فرص الاختراق هي كالتالي:  اما بالاختراق جنوبا عبر أفغانستان و هي محاوله فشلت فعليا و لن تنجح في المستقبل و لن تحاولها روسيا في المدى المنظور نظرا لذكرياتها المؤلمه. او بالتمدد عبر أوكرانيا وصولا الى مولدوفيا ثم رومانيا. لو سقطت مولدوفيا بعد شبه جزيره القرم فهذا يضغط على رومانيا بشكل كبير و يفتح قوس كبير يجعل كل منطقه البلقان وصولا لليونان و حتى إيطاليا معرضه. و هذه هي منطقه تحت الحزام بالنسبه لحلف الاطلنطي. فكلهم دول أفقر من بقيه أوروبا و بهم اقليات روسيه يمكن استغلالها لإثاره المشاكل. و لكن حتى الان يبقى الستار الغربي فعال في حمايه رومانيا و اليونان. 

اخيرا الحصار الروسي الاخر في أتجاه الجنوب الغربي هو عبر تركيا التي تتحكم في مضايق البسفور و بالتالي تجعل روسيا محاصره داخل البحر الأسود. 

كل هذا يجعل روسيا عملاقا مكبلا من كل النواحي و عاجز عن الحركه الا اذا قام بالتالي:

١- التركيز في اتجاه الجنوب الغربي 

٢- جذب تركيا ناحيته و ابعادها عن الولايات المتحده 

٣- تقويض الناتو تدريجيا ثم مهاجمته في منطقه جبال الكاربثيان و هي الواقع فيها مولدوفيا و رومانيا. و ليس من الضروري ان تكون مواجهه عسكريه بل يكفي خلخله مولدافيا و رومانيا و إيصال موالين لروسيا للحكم فيهما ثم من هناك التأثير في صربيا و اليونان و بالتالي فتح اتصال روسي جغرافي مِن البحر الأسود وصولا للبحر المتوسط. 

لذلك فالوجود الروسي في سوريا هو ورقه مساومه روسيه في مقابل اعتراف بوجودها في أوكرانيا و ورقه مساومه ايضا مع تركيا. لان الوجود الروسي في قواعد سوريا البحريه بالرغم من أهميته يظل بمفرده عباره فقط عن outpost اي مجرد فرع دون اتصال جغرافي مضمون مع موسكو. و يمكن قطع الفرع بسهوله باغلاق البسفور  او التهديد من قبرص المواجهه. و بالطبع يمكن الامداد بالطيران و لكنه عمل مكلف للغايه و يمر عبر مناطق غير مضمونه بدءا من ايران حتى العراق. 

هل نفهم الان ماذا تحاول روسيا استراتيجيا فعله؟ 

كانت هذه حلقه من سلسله “حديث في الاستراتيجيه” و بقيه الحلقات هنا:

https://jawdablog.org/category/الإقتصاد/استراتيجيات-وحلول/



Categories: استراتيجيات وحلول

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: