التاريخ السري للمخابرات المصريه و جهاز أمن الدوله ..الحلقه ٢

الحلقه ٢ – بدايات الفساد و التعذيب 

————————

في الحلقه الاولى (مصدر ١) شفنا بدايه تأسيس القلم المركزي الخاص كرد فعل على عمليه اغتيال بطرس غالي باشا عام ١٩١٠ و أعاده تنظيم مأمور الضبط بحيث يكونوا تابعين للقلم الخاص بشكل مركزي مش لحكمدار الأمن في كل محافظه كما كان متبع في مصر من أيام العثمانيين. و شفنا ان البريطانيين اختاروا جورج فيليبيديس بيه و هو ضابط شامي في بورسعيد عشان يكون اول رئيس للقلم الخاص و كان بيتبع مباشره جورج هارفي باشا حكمدار العاصمه. 

Egyptian_Intellegince_history_2

فيليبيديس بيه عمل نجاحات كبيره في القلم الخاص خلت رؤسائه البريطانيين مبسوطين جدا. اولا قدر يمسك خليه قتل بطرس باشا غالي. كمان اكتشف محاوله قتل لورد كتشنر المعتمد السامي البريطاني و كمان محاوله لاغتيال عباس حلمي خديو مصر وقتها. فيليبيديس اعتمد على نفس النظام اللي كان مأمورو الضبط في مصر بيعتمدوا عليه و هو نظام البصاصين او المخبرين. ان كل حته فيها مخبرين بيتابعوا بالذات حركه الأجانب و يبلغوا القلم الخاص بيها. ايّام مأمور الضبط مكانش فيه نظام مركزي للمتابعة و كانت كل حكمداريه بمزاجها. وقت القلم الخاص بقى فيه نظام ارشيف فيه ملف عن كل شخص مشكوك فيه و متابعه لنشاطه في اي حته في مصر. كمان كان فيه ملف عن كل خليه او عمل سياسي في مصر. ده كمان كان وقت الحرب العالميه الاولى و كان وقت انجلترا في حرب مع الدوله العثمانيه يعني ضد دوله مسلمه و يهمها جدا ان الاوضاع في مصر تفضل تحت السيطره بأي ثمن و كان فيليبيديس بيه و القلم الخاص جزء مهم من السيطره على الشعب المصري. نجاح فيليبيديس بيه ده خلى ضابط بريطاني يقول عنه “انه أقوى رجل في مصر خلال الحرب”. مصدر ٢. 

فيليبيديس بيه كان فعلا قوي جدا في السنين الاولى من الحرب لدرجه انه كان صاحب الكلمه الاخيره مين يقعد في مصر و مين يترحل. كان كمان بيتدخل في ترقيات الضباط الإنجليز نفسهم في البوليس المصري. واحد من الضباط دول اسمه توماس راسيل كون عداء شديد جدا لفيليبيديس بيه و اتهمه انه بيحبس الناس اللي مش بيدفعوله أتاوه و انه بيهددهم بالاعتقال و التعذيب. توماس راسيل بيحكي عن مقابله فيليبيديس بيه مع أعيان المحافظات كالتالي:

“بيمشي بين الأعيان دول كأنه ديك رومي. بيمد طراطيف صوابعه بس عشان يسلم عليهم. و بيبص عليهم نظره الجزار عشان يقدر وزنهم و حيدفعوا كام”. 

راسيل اتهم فيليبيديس بالفساد و التعذيب لدرجه ان الإنجليز حطوه في محاكمه. الإنجليز اتضايقوا جدا من فيليبيديس انه في المحكمه كان بيكشف اسماء المخبرين و المتعاونين معه اللي المفروض أسمائهم سريه. فيليبيديس كمان اعترف في المحكمه انه زور وثائق في عمليه الكشف عن محاوله اغتيال كتشنر عشان يلفق القضيه. مصدر ٣

في نهايه سنه ١٩١٧ (وقتها بريطانيا كانت دخلت بير سبع في فلسطين و كسرت الجيش العثماني هناك و أعطت وعد بلفور انظر سلسله جوده عن الحرب العالميه الاولى في مصدر ٤) حكمت المحكمه على فيليبيديس بيه بالسجن ٥ سنوات و الغرامه. 

في ٢٢ يناير ١٩١٨ تم تعيين البكباشي جوزيف ماكفيرسون رئيس القلم الخاص بديلا عن فيليبيديس بيه. ماكفيرسون كان موظف في وزاره التعليم المصريه. ماكفرسون نفسه كان كاره الوظيفه انه يبقى رئيس المخابرات. لكن الحقيقه انه كان الشخص المناسب بالنسبه لبريطانيا. اولا كان بيتكلم العاميه المصريه بطلاقه. ثانيا كان غني و بالتالي مش محتاج انه يبتز الأعيان في مصر. 

لازم نرجع الوقت ده عشان نعرف انه وقتها كانت قامت ثوره شعبيه في مصر في نهايه ١٩١٧ احتجاجا على وعد بلفور و بدأ المصريون يفوقوا انه بيضحك عليهم و ان بريطانيا في طريقها لاحتلال فلسطين و اعطائها لليهود و اللي كشف ده وقتها جمال باشا التركي في خطاب القاه في بيروت و تردد صداه في مصر وقتها (ارجع لمصدر ٤). و بالتالي بريطانيا كانت محتاجه حد يقدر يتعامل مع المصريين بالذات أعيان الريف عشان يهدي الثوره الشعبيه دي. 

ماكفرسون اكتشف حاجه غريبه. جزء من نظام المخبرين في مصر انهم يحطوا صناديق الناس تحط فيها شكاوي او تبليغات. ماكفرسون كان مستغرب جدا ازاي واحد مصري فقير جدا يدفع فلوس لكاتب عشان يبلغ عن جار له. مصدر ٥. و دي كانت فكره ممتازه ان الشعب المصري بيبلغ عن بعضه بنفسه. 

ماكفرسون اعتمد كمان في المخبرين على أطفال الشوارع. بدل ما المخبرين كانوا في الاغلبيه مجرمين سابقين و اصحاب سوابق، ماكفرسون لقى ان دول لا يعتمد عليهم و ان ٥٪؜ فقط من كلامهم بيطلع صح. لكن أطفال الشوارع مصدر غني جدا. الشحاتين في الشوارع من الأطفال خلاهم يشتغلوا معاه بمقابل. 

ماكفرسون كان عاوز يوسع عدد المخبرين بأي شكل. كان قدّامه انه كمان يشغل المتعلمين المصريين الجدد و خريجي الجامعه المصريه. و كان معروض كمان انه يشغلهم كضباط في القلم الخاص. لكن ماكفرسون و الإنجليز رفضوا ده تماما. الإنجليز كانوا شاكين جدا في المتعلمين المصريين و شايفين انهم لا يعتمد عليهم. و بالتالي كونوا نظام فيه ضباط الخاص اما اجانب أو مصريين على درجه محدوده من التعليم. و المخبرين اما أطفال شوارع او برضه مصريين على درجه محدوده من التعليم. 

لحد دلوقتي ده النظام المتبع. لاحظ انه لو حد ذكي و متعلم و مثقف ميدخلش كليه الشرطه أساسا و لو دخل مش بيروح أمن الدوله. و نفس الكلام في الجيش. هذا الكلام من وقت الإنجليز. لذلك مهم جدا نفهم ان اصول المخابرات المصريه بكل فروعها هي تكوين احتلالي يعني من رحم الاحتلال. عكس مثلا الموساد الاسرائيلي اللي أتكون كجزء من حركه التحرر الاسرائليه و تكوين الدوله او المخابرات المركزيه الامريكيه اللي اتكونت كجزء من تمدد امريكا بعد الحرب العالميه التانيه. المخابرات المصريه بتكوينها هدفها الأساسي وقتها هو الحفاظ على الاحتلال. ازاي تحافظ عليه؟ انك تحط اسوء الناس و أقلها تعليما في مركز السلطه للتجسس على كل من هم خطر على الاحتلال و من المركز في هذا الخطر اي حد متعلم او ذكي. 

بعد انتهاء الحرب كان فيه تيارات كتيره في مصر. طبعا كان فيه المطالبات بالاستقلال مثل سوريا مثلا او العراق. و كان الاقتصاد المصري في الريف يعاني جدا لان الاحتلال استخدم الفلاحين بالسخرة في المجهود الحربي و بالتالي ضاعت المحاصيل. 

ماكفرسون اخطأ في تقدير المشاكل و تقاريره كانت بتقول ان مش حيحصل سخط كبير في مصر. في مارس ١٩١٩ بدأ السخط في القاهره في شكل مظاهرات و إضرابات لكن المشكله الأكبر كانت في الريف (مصدر ٤ فيه شرح كامل للأحداث الحقيقيه في ثوره ١٩ اللي كانت في الحقيقه ثوره اسلاميه بشكل أساسي). في مايو كان عدد القتلى في مصر وصل الف واحد. 

المشكله كانت ان ماكفرسون كان مركز المخبرين بتوعه في القاهره و الاسكندرية لكن مكانش عنده حد تقريبا في الريف. و بالتالي بالرغم انه قدر يقبض على سعد زغلول و كل رفاقه في القاهره و يُحد من الثوره في القاهره، لكن فشل تماما في كبح جماح الريف المصري. متوقعش خالص ان الريف المصري المستكين حينتفض بالشكل ده. 

ماكفرسون قصاد الفشل ده استقال في مايو ١٩١٩. (كان لسه عندهم دم. دلوقتي مهما فشلوا بيفضلوا). و في ١ سبتمبر ١٩١٩ تم تعيين جيلبرت كلايتون مسئول عن أعاده تنظيم مخابرات البوليس في مصر. 

بالرغم ان الثوره هديت في مصر لكن حزب الوفد كون خلايا عسكريه سماها جمعيه الانتقام. مصدر ٦. (عجيب ان الوفد و كل من معه بينسوا الكلام ده خالص) و هدفها قتل الضباط المصريين و الإنجليز. و فعلا ابتدت تقتلهم في الشوارع. قصاد كده الإنجليز و جيلبرت كلايتون ابتدوا يتحركوا بسرعه لاعاده تنظيم القلم الخاص. حنشوف حيعملوا ايه الحلقه الجايه بعون الله. 

الصوره لسير جيلبرت كلايتون. 

جيلبرت كلايتون ده اللي حيعيد تنظيم القلم السري او المخابرات المصريه هو الراجل اللي ساعد خيانه فيصل و الشريف حسين و انقلابهم على العثمانيين و هو كان له دور مهم في رسم حدود الاردن و اسرائيل و سوريا و العراق. يعني ده واحد من مؤسسي النظام العربي الحديث. و بالتالي اللي عمله لسه احنا عايشين معاه. 

#التاريخ_السري_للمخابرات

المصادر:

————

١- الحلقه السابقه من السلسله 

https://jawdablog.org/2018/07/20/egyptian_intellegince_history_1/

٢- بدوي. كتاب العنف السياسي. صفحه ١١٠. 

٣- بدوي. كتاب العنف السياسي. صفحه ٩١. 

٤- سلسله جوده عن الحرب العالميه الاولى 

https://jawdablog.org/2017/12/12/alook_at_history_before_ww1/

٥- بدوي. كتاب العنف السياسي. صفحه ٢٠٤. 

٦- دونالد ريد. الاغتيال السياسي. صفحه ٦٢٩. كذلك يونان لبيب رزق. المؤامره الكبرى. الأهرام الاسبوعي. اغسطس ١٩٩٩.

One comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s