مثقفو مصر و الدوله العثمانيه

Egyptian_writers_and_Ottoman_Empire

يتعامل مثقفو مصر و الشرق بشكل غريب جدا مع الدوله العثمانيه و تاريخها الذي هو في الحقيقه جزء كبير من تاريخ. الاسلام فالخلافة الاسلاميه استقرت في سلاطين ال عثمان منذ اقتحام العثمانيين لدوله المماليك في عام ١٥١٧ و وقوع مكه و المدينه تحت الحكم العثماني وقتها حتى سقوط دوله الخلافه عام ١٩٢٤ في أعقاب هزيمه تركيا في الحرب العالميه الاولى. يعني اكثر من ٤٠٠ عام من تاريخ الاسلام. و قد ارتفعت الدوله العثمانيه الى أقصى قيمتها الدينيه بعد ان قام محمد الفاتح بفتح القسطنطينية عام ١٤٥٣ و من بعدها انطلقت الدوله العثمانيه من دوله في أطراف بلاد المسلمين في الأناضول بعيده عن المراكز الرئيسيه للمسلمين لتصبح الدوله الحاكمة في الشرق بأكمله. و الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند وغيره، وفيه يقول صلى الله عليه وسلم: لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش. و هذا الحديث دون شك رفع قيمه ال عثمان في نظر كل المسلمين. 

اذا اي باحث للتاريخ يستغرب ان يقوم مثقفين ينتمون لثقافه محدده هي بالأساس المفترض انها تابعه للحضاره الاسلاميه بحمله كره شديد ضد اجزاء رئيسيه من تاريخ هذه الحضاره. 

هل مثلا يكره مثقفو بريطانيا الغزو النورماني لإنجلترا بقياده ويليام الفاتح في القرن ١١؟ هل يكره الامريكان بريطانيا لأنهم طردوها من امريكا خلال حرب الاستقلال الامريكي في القرن ١٨؟ بالرغم ان امريكا ما زالت تحتفل لهذا اليوم كل عام في ٤ يوليو بالانتصار على بريطانيا في حرب الاستقلال ، الا انه هناك اعتراف في امريكا و الغرب بأكمله ان الغرب ينتمي الان لثقافه واحده و حضاره واحده هي الحضاره الغربيه و بالتالي من المضر أساسا الحديث عن عداوات داخل تلك الحضاره لا موقع لها الان في العالم الذي نعيش فيه. يوجد تنافس طبيعي داخل تلك الحضاره و لكن يتحدث سياسيو و مواطنو الغرب انها حضاره غربيه تضم أوروبا و الأمريكتَين و حتى اليابان و التي و ان احتفظت بخصوصيه ثقافية داخل الحضاره الغربيه الا أنها الان مكون أساسي في تحالف الغرب. 

اذا فما يقولوه بعض مثقفي مصر و العرب عن احتلال عثماني لمصر و بلاد العرب مثلا هو امر المفروض انه انتهى و ذهب و ولى. اولا لان تركيا هي بالتأكيد جزء من الحضاره الاسلاميه الواسعه التي تمتد من ماليزيا و اندونيسيا شرقا حتى المغرب غربا. ثانيا لان الحديث الان عن اننا نبغض الأتراك لأنهم احتلوا مصر هو حديث لا يقل تفاهه عن أمريكي يقول انه يكره الإنجليز لأنهم احتلوا بلاده في السابق! ثالثا لان الأحداث التاريخيه لا يجب ان نحكم عليها بمقياس عصرنا بل بمقياس عصرها و عندما فتح العثمانيون مصر فهذا عمل لم يكن يختلف عن إنشاء دوله المماليك او الدوله الأيوبية او دخول صلاح الدين مصر الخ. فكلها اعمال مقبولة في زمانها. 

العجيب ان بعض هؤلاء المثقفين يلومون ان السلطان سليم امر بإعدام قاده المماليك الذين حاربوه على باب زويله و هو حدث يرونه مضاد لحقوق الانسان بينما ذات المثقفين يتباهون بخلاص محمد علي من كل المماليك بخديعة الوليمة! و ناسين ان محمد علي ذاته هو ضابط ألباني لم يكن يدخل مصر الا في سياق الدوله العثمانيه كدوله الخلافه الاسلاميه بمعناها الواسع و الرحب. على الأقل فقد ترك السلطان سليم كل المماليك و لم يعدم الا قادتهم الذين حاربوه! 

و بطبيعه الحال فالدوله العثمانيه كان بها كثير من المشاكل و ارتكب عديد من سلاطينها كثير من الأخطاء. و هذا امر يجب بالطبع ان يخضع للفحص و النقاش. و لكنه فحص من جانب اننا جميعا جزء من ذات الحضاره لا نبغضها و لا نمقتها. بالعكس بل نرى الدوله العثمانيه انها الدوله الحاكمة في سياق تاريخي طويل من حضارتنا التي نعتز بها. 

و الحقيقه ان هؤلاء المثقفون متأثرين بالحضارة الغربيه و بالذات الجزء الاوروبي منها و الذي يكره العثمانيين كراهيه شبه مطلقه. و لم لا فالدوله العثمانيه هددت أوروبا و حاصرت فيينا عاصمه الهابسبورغ ذاتها منذ عام ١٥٢٦ في معركه موهاكس في المجر حتى عام ١٧٩١ في معاهده سيستوفا. اي ان الدوله العثمانيه هذه كانت تطرق أبواب أوروبا بقوه على مدى ٢٥٠ عاما! تخيلوا ٢٥٠ عاما من التهديد الاسلامي المستمر بدخول فيينا. و مشكله فيينا انها لو سقطت اذا لسقطت ألمانيا كلها وصولا لبحر البلطيق حيث ألمانيا كلها مرورا بالمجر الواقعه وقتها تحت السيطره العثمانيه، هي سهل منبسط تماما لا جبال فيه و لا موانع طبيعيه يمكن الاحتماء بها. لذلك كانت ألمانيا و اسبانيا و كل ممالك أوروبا يرسلون المحاربين من شتى أنحاء أوروبا لصد الموجات المتتالية من الهجوم العثماني. و كانت القطع الموسيقية تؤلف في كره العثمانيين و جيشهم و من لم يسمع مقطوعة موتزارت “الا توركا” يجب ان يسمعها (مصدر ١) لانها تصور وقع احذيه الجنود العثمانيين و اقترابهم من فيينا! و هي مقطوعه جد جميله. 

و تاثيرات التواجد العثماني لازالت موجوده حتى الْيَوْمَ. نراها في البوسنه الاسلاميه و نراها في ألبانيا و نراها في شبه جزيره القرم التي حكمها العثمانيون و بها اقليه مسلمه مهمه استراتيجيا. 

الحقيقه اذا ان مثقفي مصر و العرب يكرهون تركيا لأنهم ليسو بمنتمين للحضاره الاسلاميه بل الحقيقه هم ينتمون للحضاره الاوروبيه بمعناها المسيحي الضيق التي أتت امريكا تحاول ان توسعه ليشمل دولا ليست مسيحيه في الأساس مثل اليابان. يعني حتى يصعب علينا ان نقول ان مثقفي مصر ينتمون حتى للحضاره الغربيه. 

و نحن عندما نتحدث عن الحضاره الاسلاميه لا يعني هذا ان كل منتم للحضاره الاسلاميه هو منتم للدين الاسلامي. مسيحيو المشرق و يهوديو المشرق أيضا هم جزء لا يتجزء من الحضاره الاسلاميه. هي تلك الحضاره التي ينتمي لها الشعوب الواقعه من كوالالمبور و جاكرتا شرقا حتى مراكش غربا. و هي حضاره تستمد اصولها من القيم المشتركه لدين سيدنا ابراهيم و تقوم على مبادئ هي من أصول الشريعه الاسلاميه الان:

– حمايه النفس و العرض و نجده المظلوم. و هو ما نطلق عليه الْيَوْمَ حقوق الانسان 

– حمايه الفقير و اعطائه الفرصه. و هو ما نطلق عليه الْيَوْمَ العداله الاجتماعيه 

– عباده الله الواحد. و لكن لا اكراه في الدين 

– المساواه بين الجميع. لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى 

– العمل على ما فيه الخير للبشر جميعا. مبدأ عماره الارض. 

– انها حضاره عالميه بمعنى ان كل إنسان في العالم بصرف النظر عن جنسه او منشأه يمكنك ان ينتمي للحضاره الاسلاميه. بالعكس نحن نعمل على توسيع رقعه الانتماء لها. تماما كما سعى الاتحاد السوفيتي و امريكا لتوسيع معسكريهما. 

و نحن نختم بدعوتين:

١- ربنا يهدي هؤلاء المثقفين و يعودون لأصولهم الحضاريه بصرف النظر عن انهم يتبعون الدين الاسلامي او غيره او حتى يكفرون بالاديان كلها. 

٢- ربنا يهدي من يظن انه يتبع الحضاره الاسلاميه بينما هو لا يفهمها و يسبب لها بذلك كل الضرر و يمنع الناس من الانتماء لها لانه ينفرهم. 

المصادر:

١- الا توركا تأليف موتزارت:

https://youtu.be/geER3iQDO5k

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s