العمليات الحربيه و اختراق الجبهه المصريه في حرب ٤٨ …الحلقه ١٣

1948-war_13

شفنا في الحلقه اللي فاتت تقييمنا للدروس المستفادة من قرار الملك فاروق دخول حرب ٤٨ (مصدر ١). اهم ملامح القرار انه كان معتمد بالأساس على ٤ حاجات:

١- الواجب الوطني و الاستراتيجي 

٢- قوه الجيش الأردني التي ستنقذ الجبهه بالرغم من ضعف الجيش المصري 

٣- التطمينات البريطانيه بالمسانده

٤- حمايه الجبهه الداخليه من المزايده على الملك و استعاده شعبيته بين المصريين 

و درسنا في الحلقه ١٢ مشاكل النوع ده من القرارات اللي بالأساس غير معتمد على القوه الذاتيه دون علاقات و اتفاقات تنسيق واضحه مع القوى الخارجيه المطلوب الاعتماد عليها – الاردن و بريطانيا في الحاله دي. و شفنا انه مفيش اي حاله في التاريخ انتصر فيها طرف بالاعتماد على قوى خارجيه مسانده من غير ما يكون قبلها فيه تنسيق عال و تدريب مشترك و اتفاق على الأهداف و تحسب للمتغيرات. في حاله الحرب الحاجات دي بتبقى مش لعبه. لأنك كطرف ضعيف معتمد على تدخل طرف أقوى منك انه ييجي يساعدك لازم تبقى عارف كويس قوي امتى حيجي يساعد و فين و ازاي. في حاله الحرب دي مسأله حياه او موت. الغلطه دي كررها ناصر في حرب ٦٧ معتمد على روسيا و قبله عملتها الدوله العثمانيه بدخول الحرب العالميه الاولى معتمده على ألمانيا. و تفادى السادات تكرارها لما طرد الروس و قرر انه حيدخل الحرب بقواه الذاتيه حتى لو لاهداف محدوده ممكن تحقيقها. 

في الحلقه ٤ (مصدر ٢) درسنا سير العمليات الاسرائليه في حرب ٤٨ و سير عمليات القوات المصريه. و شفنا ان في الحقيقه بن جوريون كان واخد قرار بالتركيز اولا على الجيش الأردني الاقوى و الأقرب للمراكز السكانيه اليهوديه في قلب اسرائيل و تحرير الطريق بين القدس و تل ابيب و احنا درسنا ده بالتفصيل في الحلقات السابقه. مصدر ٣. 

بعد استيلاء اسرائيل على طريق القدس – تل ابيب، اسرائيل حاولت كذا مره انها تقتحم القدس و تطرد الجيش الأردني لكن فشلت زي ما شفنا في الحلقه ١٠ (مصدر ٤). لذلك الجيش الاسرائيلي اكتشف انه وصل لسقف قدراته قدام الأردنيين. كمان بريطانيا بالطبع مكانتش راضيه عن هزيمه الجيش الأردني اللي هي كانت الممول و الداعم الأكبر ليه و كانت ابتدت تهدد اليهود بالتدخل لو اتعرض الجيش الأردني للخطر. بريطانيا وقتها كانت خايفه ان اسرائيل حتروح في حضن امريكا و ان السعوديه كمان ببترولها رايحه في اتجاه امريكا و العرش المصري مهدد كمان و بالتالي كل تواجد بريطانيا في المنطقه ينتهي لذلك كان مهم جدا ليها الحفاظ على الاردن و الجيش الأردني. كمان جنرالات بن جوريون كان رأيهم ان دخول الضفه الغربيه مش سهل لان اَهلها فلاحين و مش حيسيبوا ارضهم عكس سكان المدن الفلسطينيه اللي اتهجروا وقت الضرب و مع التهديد بالمجازر اليهوديه. 

يوم ١٥ أكتوبر كان هو أقصى مدى وصل له الجيش المصري داخل فلسطين. كان موجود في عسقلان (المجدل بالعربي او اشكيلون بالعبري) و كان محتل خط واصل بالضبط لحد قريه بيت شمش العربيه على حدود القدس بالضبط الى الجنوب بعده كيلومترات فقط من القتال الرهيب اللي كان داير بين الاردن و اسرائيل في جيب اللطرون و اللي انتهى بعجز الجيش الاسرائيلي عن هزيمه الأردنيين و احتلال اللطرون. المشكله كانت طبعا انه الجيش المصري في بيت شمش مدخلش يساعد الأردنيين في اللطرون و ده لو حصل كان ممكن يقطع تماما طريق القدس – تل ابيب. الجيش المصري الحقيقه كان مفتقد تماما لأي توجيه استراتيجي. الجيش دخل فلسطين أساسا مجبر و دون رغبه. و دخل في نسقين. الاول على البحر لحد لما وصل عسقلان على بعد ٤٠ كم من تل ابيب و لما الطيران الاسرائيلي ضربه وقف الجيش في عسقلان و نصب معسكرات منتظر نهايه المعارك! و النسق التاني كان في الصحراء دخل في بير سبع و وصل الخليل ووصل لحد بيت شمش على حدود القدس عشان يُؤْمِن النسق الساحلي و برضه توقف. المشكله الأهم انه كان المناطق دي فيها مستعمرات يهوديه. الجيش المصري كان يحاول يدخلها فلما ميعرفش يحاصرها و يستمر في التقدم ناحيه قلب اسرائيل. مفيش خطه. يعني او الهدف ضرب اسرائيل في القلب يبقى مفيش معنى للتوقف. لو الهدف تحرير المناطق العربيه يبقى كان لازم طرد اليهود من المستعمرات لانها بقت مشكله كبيره في خلفيه الجيش المصري لان كل مستعمره بتاخد جنود يحاصروها وعندهم جوه سلاح و متفجرات الخ. 

في يوم ١٥ أكتوبر القوات الجويه الاسرائليه خرقت الهدنه التانيه و بدأت العمليه يواف بالتركيز على الجيش المصري و ده كان تحول رئيسي في الحرب بترك الجيش الأردني و ضرب المصري للتخلص منه. القوات الجويه الاسرائليه ضربت المواقع المصريه على امتداد الجبهه في عسقلان و غزه و المجدل (اشدود الان) و الخليل و أطراف القدس و بير سبع. 

العمليه يواف دي لازم ندرسها كويس جدا. القوات الاسرائليه مدخلتش على القوات المصريه المرابطه على الساحل مباشره. لكن دخلت في المنتصف بين النسق الساحلي و النسق الداخلي المصري. بالضبط عشان تضرب اسفين فاصل بين القوات في الساحل و القوات في الداخل. و بكده تمنع الاتصال بينهم و بالتالي ده يعزل القوات المصريه الموجوده في الخليل و القدس تماما و يسهل تصفيتها و يسيب القوات المصريه في الساحل تبقى جيب ممتد لحد غزه. 

العمليه يواف نجحت بشكل منقطع النظير. الاسرائليون تفادوا تماما انهم يحاولوا المصريين في عسقلان او الخليل او بيت شمش و دي كانت خطوط المواجهه الرئيسيه. الاسرائليين دخلوا في النص بالضبط بين النسقين دول و وصلوا في فجر يوم ٢١ أكتوبر لحد مدينه بير سبع اللي كانت بس قوه مصريه مكونه من ٥٠٠ جندي بتحميها! 

و السبب في كده زي ما شفنا ان الجيش المصري كان يدخل مدينه ميلاقيش فيها مقاومه يسيب شويه عساكر فيها و يستمر في التقدم شمالا. المصريين كانوا مغرورين انه مفيش مقاومه إسرائيليه لكن مش واخدين بالهم ان قوه الجيش الاسرائيلي من مايو لحد أكتوبر كانت مركزه ضد الاردن. 

اختراق الخطوط المصريه لحد بير سبع يوم ٢١ أكتوبر سبب هلع في الجيش المصري لانه لو بصيت على الخريطه معناها بالضبط ان كل القوات المصريه اللي في الخليل و بيت شمش بقت مقطوعة عن نسق الجيش الرئيسي في ساحل البحر المتوسط. 

في يوم ١٩ أكتوبر و قبل دخول بير سبع بالضبط الاسرائليين كانوا قلقين من انه الجيب المصري في الخليل و أطراف القدس يقوم بعمليه كماشه يحاول فيها انه يفك الحصار و يحاصر هوه الجيش الاسرائيلي اللي كان بيحاول يوصل بير سبع. العمليه كانت تعتمد ان الجيش المصري من ناحيه الخليل و من ناحيه عسقلان يحاولوا يقابلوا بعض في المنتصف و يقفلوا الثغره في النص اللي دخل منها الاسرائليين و بكده يحاصروا الجيش الاسرائيلي في بير سبع. كان خوف بن جوريون الأهم ان الأردنيين يساعدوا المصريين في تنفيذ الكماشه دي. و بالتالي يوم ١٩ أكتوبر اسرائيل بدأت العمليه حا حار (معناها الجبل بالعبري) ضد القوات المصريه في جنوب شرق القدس في بيت شمش و المنطقه اللي بيطلق عليها دلوقتي ممر القدس. الاسرائليين كان هدفهم من العمليه دي هو:

١- اختبار اذا كان فيه اي تنسيق بين المصريين و الأردنيين. هل الأردنيين القريبين حيدخلوا لمساعده المصريين. 

٢- منع المصريين انهم ينفذوا اي عمليه كماشه. 

٣- تصفيه التواجد المصري بالقرب من القدس و تأمين منطقه القدس الغربيه بالكامل. 

العمليه دي برضه نجحت نجاح منقطع النظير. الجيش الأردني متدخلش مطلقا في القتال بالضبط زي المصري متدخلش في معركه اللطرون. و بالتالي بن جوريون أتأكد انه مفيش اي تنسيق. و بحلول يوم ٢٤ أكتوبر كانت القوات المصريه في جيب الخليل – بيت شمش تم تصفيتها تماما. 

الجيش المصري طبعا في عسقلان اصبح مكشوف و معرض تماما و سهل للإسرائليين انهم انطلاقا من بير سبع يقطعوه تماما عن خطوط تموينه و مواصلاته مع مصر ذاتها. كمان لازم نفهم ان اسرائيل كان عدد قواتها وقتها اكتر من ١٠٠ الف محارب. الجيش المصري كان بيحارب في فلسطين بحوالي ٢٠ الف وقتها. مصدر ٥. يعني ٥:١ مفيش اطلاقا اي نسبه و تناسب. الجيش المصري طبعا اضطر ينسحب من عسقلان و اشدود بحلول ٦ نوفمبر ١٩٤٨ و ينسحب الى داخل قطاع غزه على أمل انه يقدر يدافع عن اللاجئين الفلسطينيين فيه كمان على أمل انه يقدر يدافع عن نفسه. فضلت بعض جيوب للجيش المصري جنوب بير سبع في الصحرا زي بلده الفلوجه و عراق سويدان لكن طبعا مطولوش كتير بالنظر للتفوق الاسرائيلي الساحق و استسلموا يوم ٩ نوفمبر و كان فيهم جمال عبد الناصر. ناس كتير بتقول ان عبد الناصر أتفاوض مع الاسرائليين وقتها و ده طبيعي في عمليه استسلام منظم ان يحصل تفاوض على عدد الأفراد اللي حيخرجوا و نوع السلاح اللي ممكن يخرجوا بيه و إجراءات تسليم المدينه و المدنيين. 

الحقيقه انه فيه كذا حاجه بنتعلمها من سير العمليات ده:

١- بيؤكد العبرات اللي اتعلمناها من الحلقه ١٢ ان اول حاجه بن جوريون عملها انه يشوف هل فيه تنسيق و لا لأ بين الاردن و مصر. مفيش تنسيق يبقى الطريق أمامه مفتوح و ده اللي حصل. 

٢- مكانش فيه معنى اطلاقا انه يكون فيه جيب مصري في الخليل و أطراف القدس. تشتيت للجهود لا داعي له. خط الدفاع الأفضل هو الخط الممتد بين بير سبع و عسقلان مع التنسيق مع الأردنيين لتأمين الخليل. اقتراب المصريين من الخليل يرعب الاردن لانها ستشك في نوايا مصر انها تأخذ الضفه الغربيه. هذا خط اصعب جدا في الاختراق. 

٣- طبعا انعدام الخطه و الاستراتيجيه و المبالغه في تضخيم الذات (احنا بلد كبيره و دول شويه عصابات يهوديه) بيؤدي للمهالك. 

بحلول أواخر ديسمبر و يناير الجيش الاسرائيلي انطلق من بير سبع و عمل كماشه للجيش المصري في غزه و حاصر العريش و اخد مطارها. و لم يوقف ذلك الا تدخل بريطانيا مباشره انها لن تسمح باحتلال العريش او اجزاء من مصر ذاتها و الا ستطبق اتفاق الدفاع المشترك مع مصر. 

الجيش المصري وقتها كان منهار تماما و عاجز أنه يعمل اي خط دفاعي. 

في الحلقه الجايه حنشوف اسطوره الاسلحه الفاسده بعون الله اللي من العجيب انه لسه الناس و الأفلام بتردها. 

المصادر:

١- الحلقه ١٢: دروس و عبر من قرار فاروق دخول حرب ٤٨

https://jawdablog.org/2017/08/04/1948-war_12/

٢- الحلقه ٤: سير العمليات الحربيه بين مصر و اسرائيل في حرب ٤٨

https://jawdablog.org/2017/05/30/1948_war_4/

٣- الحلقات السابقه مجمعه من صفحات مخفيه من تاريخ مصر 

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٤- الحلقه ١٠: دفاع الجيش الأردني المستميت عن القدس 

https://jawdablog.org/2017/07/21/1948_war_10/

٥- الحائط الحديدي. أفي شلايم 

https://books.google.com/books/about/The_Iron_Wall.html?id=_2r8CQAAQBAJ&printsec=frontcover&source=kp_read_button#v=onepage&q&f=false

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s