صفحات مخفيه من تاريخ مصر… حرب ١٩٤٨ …الحلقه الاولى

1948-war_1.jpg

في هذه السلسله نحن ناخذ تاريخ مصر كله منذ وقت الفراعنة و نوضح مدى التحريف الذي قام به واضعو كتاب التاريخ المدرسي المصري. انتهينا من حوالي أسبوعين من سلسله الحرب العالميه الاولى و سايكس-بيكو بمناسبه قدوم ذكراها المئوية (مصدر ١) و ها نحن ندخل على حرب ١٩٤٨ و اعلان قيام اسرائيل. و هو الحقيقه حرب مؤسسه للعلاقه بين اسرائيل و العرب بالضبط كما سايكس-بيكو و الحرب العالميه الاولى مؤسسه للشرق الاوسط الحديث. و الحقيقه ان حروب ٦٧ و ٥٦ و ٧٣ هي كلها حروب تمت بشكل كان يمكن استنتاجه بسهوله من تطورات حرب ٤٨ و علاقات القوى العظمى خلال هذه الحرب. حتى السلام المصري الاسرائيلي في كامب ديفيد كان من الممكن استنتاجه أيضا من حرب ٤٨. طبعا الاشكالية هي ان وثائق كثيره لم تتح حتى عام ١٩٩٨ بعد مرور ٥٠ عاما على الحرب و هي وثائق لم تدرس بشكل كافي في الجانب العربي. و نرجو ان يعيننا الله على إكمال السلسله. 

اول شيئ تعلمنا ان ننظر اليه في ايه حرب نظاميه هو مقارنه القوى بين الدول المتحاربه. لان الحرب التقليديه الحديثه في الحقيقه هي انعكاس للتناسب بين القدره الاقتصاديه و العلميه و المعرفيه بين المجتمعات و استعداد المجتمع لتطويع قدراته بشكل كامل نحو الانتصار في الحرب. 

المقارنه دي معمرهاش تسقط تفشل اطلاقا في التنبؤ بنتيجه اَي حرب نظاميه. الحروب الغبر نظاميه بمعني عمليات حروب العصابات شأن مختلف تماما. 

حرب ١٩٤٨ مرت في الحقيقه بأربع مراحل مهمه. مرحله ما قبل اعلان دوله اسرائيل في مايو ١٩٤٨. مرحله القتال الاولى من مايو لحد يونيو. مرحله قتال قصيره في يوليو ١٩٤٨. مرحله القتال الاخيره من أكتوبر ٤٨ لحد يناير ٤٩. و بعدها حصلت اتفاقات رودس. 

في اَي مرحله من المراحل دي محصلش أبدا ان كل الشعوب و الدول العربيه مجتمعه حطت قوات مقاتله على الارض في فلسطين اكتر من اليهود. ركز قوي في الكلام ده. الناس كتير تقولك الخيانات و الاسلحه الفاسده و كل الكلام ده. حنشوف صحته بعد كده من عدمها في الحلقات الجايه. لكن حتى على مستوى عدد القوات كان اليهود دائماً عندهم التفوق العددي! 

بحلول منتصف مايو ١٩٤٨ كان عدد القوات العربيه سواء نظاميه او غير نظاميه (قوات المجاهدين) اقل من ٢٥ الف. كانت قوه الدفاع الاسرائليه IDF عددها ٣٥ الف مقاتل. في منتصف يوليو لما تجدد القتال بعد الهدنه الاولى وصل عدد قوات جيش الدفاع الاسرائيلي ٦٥ الف في مقابل ٥١,١٠٠ من القوات العربيه. و في ديسمبر ١٩٤٨ وصل عدد قوات جيش الدفاع الاسرائيلي ٩٦,٤٤١ مقاتل في مقابل ٦٣,٥٠٠ مقاتل من القوات العربيه. مصدر ٢. 

يعني احنا بنتكلم عن تفوق عددي يهودي بنسبه ٣:٢ بشكل دايم طول فترات الحرب. يعني اكتر دائماً بحوالي ٥٠٪‏. 

ده بالرغم من تفوق عربي عددي من ناحيه عدد السكان مقداره حوالي ٤٠ مره. مصر لوحدها تعدادها وقتها ٢٠ مليون في مقابل عدد اليهود في فلسطين ٧٠٠ الف! مصدر ٣. في حين ان مصر دخلت الحرب في مايو ١٩٤٨ بعدد جيش حوالي ١٠ آلاف و نهت الحرب بحوالي ٣٠ الف مقاتل يعني حوالي نصف الجيش العربي كله و دي نسبه معقوله، يعني مصر واحد من كل ٢٠٠٠ شخص فيها كان بيحارب في فلسطين، في المقابل اليهود كان تقريبا واحد من كل ١٠ أشخاص فيهم كان بيحارب. 

اَي مجتمع منهم تقدر تقول انه داخل يحارب بجد و اَي مجتمع داخل بيهزر او داخل غير مدرك للحقائق؟ 

نفس الكلام يقال عن السلاح و القدره على استخدام السلاح. اهم من السلاح هي المعرفه النوعيه بالسلاح و تطويعه لاستخدامه بشكل امثل. تعالوا نقارن القيادات على الجانبين من الناحيه المعرفيه. 

ياكوف دوري كان رئيس أركان حرب جيش الدفاع. اسمه الحقيقي ياكوف دوستوفيسكي و أتولد في أوكرانيا عام ١٨٩٩. عيلته هاجرت الدوله العثمانيه عام ١٩٠٥ بعد مذابح روسيه ضد اليهود. اول ما خلص ثانوي دخل الفرقه اليهوديه اللي حاربت مع الجيش البريطاني ضد الدوله العثمانيه في الحرب العالميه الاولى. بعد كده راح بلجيكا و درس الهندسه في جامعه خنت البلجيكية احد ارقى الجامعات الهندسيه في أوروبا. رجع فلسطين عام ١٩٢٦ و التحق بالهاجناه و بقى قائد قوات الهاجاناه في حيفا. في عام ١٩٣٩ بقى رئيس أركان حرب الهاجاناه. و بين عامي ٤٦ و ٤٧ قاد بعثه الهاجاناه في امريكا لشراء سلاح هناك. 

يعني معانا قايد جيش حارب معارك حقيقيه و واخد تعليم هندسي تكنولوجي على اعلى مستوى في العالم. 

قصاد ده كان عندنا في مصر اللواء احمد المواوي قائد القوات المصريه في فلسطين. اللواء المواوي أتولد في سوهاج عام ١٨٩٧ و اتخرج من الكليه الحربيه المصريه سنه ١٩١٦. يعني كان عنده ١٩ سنه. الحقيقه ان اللواء المواوي مدخلش حرب في حياته الا في حرب فلسطين! هو اترقى في الجيش المصري بشكل شبه الي نتيجه اجاده وظيفيه (ده طبعا وقت لما كانت الاجاده الوظيفية سبب للترقيه!)

في يوم ١١ مايو ١٩٤٨ المواوي حضر جلسه سريه لمجلس الامه لإعلان الحرب (ده ايّام لما كان فيه مجالس و قرار اعلان الحروب بيجري التشاور فيه). قبل التصويت اللواء المواوي قال ان الجيش المصري غير مستعد و ان مفيش خطه للحرب و ان أهداف الحرب غير واضحه و انه مش عارف بالضبط الجيش المصري رايح ليه. اتخذ قرار دخول الحرب و المواوي داخل أساسا غير متاكد حيعمل ايه! 

قارن كمان اللواء محمد نجيب اللي كمان قضى معظم خبرته في الجيش انه ضابط حرس حدود بيطارد المهربين في سينا. و قارن ده بالجنرال يسرايئيل جاليلي اللي أتطوع في الجيش البريطاني في الحرب العالميه التانيه و كان بيدعم تحصينات الجيش البريطاني ضد غزو ألماني محتمل لفلسطين. 

لذلك في فرق كبير في المعرفه و القدره التنظيميه بين قيادات الجيشين. متقدرش تقارن موظف بدرجه لواء بخريج هندسه من افضل جامعات أوروبا و واحد شاف قتال بنفسه في الحربين العالميتين و اتعلَّم من الجيش البريطاني كيفيه القتال. 

مش بس على مستوى القيادات. كمان على مستوى الأفراد المقاتله. كتير بيتكلم عن الهاجاناه و البالماخ و شتيرن كأساس الجيش الاسرائيلي. لكن فيه تنظيم اهم من ده بكتير جدا. تنظيم محال او مخال بالعبري او المتطوعين من خارج ارض اسرائيل. التنظيم ده كان حوالي ٤ آلاف مقاتل بس لكن معظمهم كانوا في سلاح الطيران و بالتالي تأثيرهم كان ضخم جدا. كتير منهم كانوا مقاتلين طيارين يهود اما في سلاح الجو البريطاني او الامريكي و الأهم انهم حاربوا في الحرب العالميه التانيه و طالعين بخبرات ضخمه. بصفه عامه حرب ٤٨ دخل فيها ٤٠٠٠ مقاتل اجنبي من ٥٨ دوله على الجانب اليهودي. منهم واحد زي ميكي ماركوس الطيار الامريكي في الحرب العالميه التانيه و الكندي بن دنكيلمان و الاتنين دورهم كان رئيسي في فك الحصار عن القدس و فتح طريق تل ابيب – القدس. 

منهم كمان ويسلي أرون و هو طيار إنجليزي يهودي و كان في جوله في امريكا وقت قيام حرب ٤٨ بيدي محاضرات. الهاجاناه مطلبتش منه ان يرجع. لا. طلبت منه انه يدور على طيارين في امريكا عندهم خبرات جاهزه مستعدين يروحوا اسرائيل في الهاجاناه و هوه يفضل في جولته. 

في خلال حصار الجيش المصري في النقب في المرحلة الاخيره من الحرب طيارين مخال كانوا بينقلوا معدات من أوروبا مباشره للمعركه بعد صفقه الاسلحه التشيكيه اللي عملتها اسرائيل بعد الهدنه الاولى (حنشوف ده لاحقا). و المعدات دي كانت بتنزل في مطارات في النقب غير مرصوفه لكن خبرات الطيارين دول كانت بتخليهم يقدروا يعملوا كده. 

الطيارين دول كانوا بياخدوا مرتبات اعلى من بقيه الجيش الاسرائيلي. و ده طبعا كان بيعمل حساسيات و حصلت فعلا مشاكل. معظمهم كمان ما استقرش في اسرائيل. بالعكس رجع بلده تاني بعد الحرب لانه مطلوب فيها و مؤثر اكتر من وجوده في اسرائيل بعد الحرب. بعضهم كمان كان مرتزقه. يعني مش رايح اسرائيل عشان مقتنع بالصهيونية. لا. رايح عشان الفلوس. طبعا منهم ناس فعلا مقتنعه بالصهيونية. 

لحد دلوقتي الجيش الاسرائيلي بيقبل متطوعين اجانب طالما من أصل يهودي و سنهم اقل من ٢٤ سنه للأولاد و ٢١ سنه للبنات و ٣٦ سنه للأطباء. 

مش بس كده كمان شبكه العلاقات في العالم كله من المخال مكنت اسرائيل انها تشتري سلاح بسهوله. واحد من المخال بيبقى عارف بالضبط مين حيبيع سلاح و تمنه كام و قدراته قد ايه و يقدر يخبيه ازاي عشان يتفادى الحصار البريطاني. مثلا اشتروا سيارات نصف مجنزرة و دهنوها انها للعمل الزراعي للالتفاف على الحصار البريطاني. دي خبرات برضه. ازاي تتعامل مع الغرب. مستحيل انك تعمل زي ما الملك فاروق عمل وقت الهدنه انك تبعت بعثه مصريه تشتري سلاح. طبعا سهل اكتشافها جدا غير ان يكون واحد من أبناء البلد. و الأهم انه السلاح اشتراه فاروق لكن مكنش عند الجيش المصري خبرات استعماله و بالتالي طلع من كده موضوع السلاح الفاسد و هو مكانش فاسد و لا حاجه. فقط عدم وجود قوات مدربه تستخدم سلاح جديد. عكس جيش الدفاع اللي عنده قوات جاهزه و مدربه. 

عزام باشا امين عام جامعه الدول العربيه طلع في الجرايد العالميه بيقول قبل الحرب انه مفيش شك الدول العربيه حتنتصر. 

بن جوريون اجتمع قبل اعلان دوله اسرائيل مع قياده اركان حرب و كان تقديرهم ان احتمالات النصر و الهزيمه متساويه. مصدر ٢. المحارب الحقيقي لا يقلل من عدوه. طبعا هم مكانوش متاكدين لأي مرحله مصر او الدول العربيه تقدر تعمل تعبئه و تقدر تنسق بينهم و بين بعض (محصلش. بالعكس كانوا بيتخانقوا مع بعض باستمرار و اسرائيل استغلت هذا بكفاءه). 

لكن المعطيات كلها هي انه بصرف النظر عن الخيانات و بصرف النظر عن انعدام التنسيق فحاله الجيوش العربيه من حيث الكفاءه التنظيميه او القتاليه او حتى من حيث عدد المقاتلين، ان هزيمه الدول العربيه كانت محتومه. 

٨٠٪‏ من الشباب المصري في سن التجنيد كان غير مؤهل للتجنيد وقتها. و حتى او تم تجنيده كان يفتقر لأي مهارات. مصدر ٢. 

مش معنى كده ان الناس محاولتش و ان كتير من المقاتلين حاربوا بشجاعه. لكن المعطيات العامه من البدايه هي توحي بالهزيمة. 

في الحلقه القادمه حنتكلم عن اسطوره المجاهدين. هل هي حقيقيه و لا مش حقيقيه و ايه تأثيرهم الفعلي؟ 

المصادر:

———

١- الحلقات السابقه مجمعه من صفحات مخفيه من تاريخ مصر:

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- الحائط الحديدي. اسرائيل و العالم العربي. صفحه ٣٥. أفي شلايم. 

https://books.google.com/books/about/The_Iron_Wall.html?id=_2r8CQAAQBAJ&printsec=frontcover&source=kp_read_button&hl=en

٣- تعداد مصر عام ١٩٤٨

http://www.populstat.info/Africa/egyptc.htm

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s