سايكس-بيكو و الحرب العالميه الاولى … بدايه الاْردن من لا شيئ! … الحلقه ٤٨

فرنسا زي ما شفنا الحلقه اللي فاتت (مصدر ١) كانت معارضه لوجود بريطانيا في فلسطين و معارضه بشكل أشد للمشروع الصهيوني في فلسطين. على الأقل لحد دخول فرنسا سوريا و اتفاق فرنسا و بريطانيا على ترسيم الحدود بين سوريا و فلسطين. فرنسا كانت شايفه ان مش بس المشروع الصهيوني مؤامره بريطانيه لكن مؤامره بريطانيه سوفيتية يهوديه في نفس الوقت. رئيس مدرسه المستشرقين في باريس قال كمان ان “فرنسا مش حتسمح ان بلد المسيح تكون في أيد اليهود و البريطانيين البروتستانت الكفره. و ان فلسطين لازم تكون ميراث فرنسا و الكنيسه الكاثوليكية”. مصدر ٢. من ضمن الإجراءات اللي حكومه فرنسا عملتها هي تأسيس و تقديم الدعم المالي لنادي سياسي معادي لبريطانيا في فلسطين اسمه “النادي الثقافي” و كان فرعه الرئيسي في القدس و له فروع في كتير من مدن فلسطين. 

تعليق جوده:

لحد دلوقتي دي سياسه فرنسا. بص كده على بعض من يطلق عليهم المثقفون في مصر. حتلاقيهم فرانكوفيل. يتحدثون بالفرنسية و علاقاتهم كلها بفرنسا. علاء الأسواني مثال. ده بالرغم ان فرنسا معندهاش ما تعطي مصر الحقيقه. عندها فقط ما يمكن ان تسحبه. يعني فرنسا مثلا لا تملك الضغط على اسرائيل. لا تملك تسليح مصر بكميات تكفي لأي قتال حقيقي مثلا. لا يملك ذلك الا قوى عظمى. لكن مع ذلك فرنسا تعتمد على تلك العلاقات الثقافية للتظاهر انها مواليه للعرب و لقضاياهم لتعظيم مكاسب فرنسا في المنطقه. و شفنا ان في النهايه فرنسا بتمشي مع بريطانيا او الان امريكا. عملت ده مع الشريف حسين و مع صدام حسين. مصدر ٣. بنضيع وقتنا احنا بوضع فرنسا في مكانه اعلى من وضعها الحقيقي. هي دوله أوروبية متوسطه القوه على المستوى الدولي. 

بريطانيا مكانتش قلقانه قوي على الوضع في فلسطين غرب نهر الاْردن لان جيشها موجود بقوه هناك. القلق كان من شرق الاْردن أو المنطقه المعروفة وقتها بصحراء عبر الاْردن Transjordan نسبه لانها الصحراء الموجوده عبر نهر الاْردن. اَي نظره على الخريطه و متابعه احداث الحرب العالميه الاولى و ازاي لورانس قدر يهدد العثمانيين في فلسطين من مهاجمتهم في الاْردن (مصدر ١) يفهم ليه البريطانيين كانوا قلقين. صعب جدا ان فرنسا تدخل في حرب مباشره ضد الجيش البريطاني في فلسطين لكن سهل تهدده من الاْردن. 

من ناحيه الطبيعه و التركيبة السكانيه فمنطقه عبر الاْردن كانت مشابهه جدا للحجاز و الجزيره العربيه. حتى ايّام الرومان كانت الاْردن جزء من مقاطعه العرب الرومانية. بعد لما اللنبي طرد العثمانيين منها كانت المنطقه بدون حكومه. بريطانيا سابتها في أيد فيصل. و فيصل ساب حكمها لحكومه دمشق اللي شفنا في الحلقه السابقه انها كانت حكومه غير فعاله. لما فرنسا طردت فيصل من دمشق طبعا بريطانيا خافت ان فرنسا تدعي انها تأخذ الاْردن كمان لانها كانت قانونا تحت حكم فيصل محكومه من دمشق و دمشق دلوقتي بقت تحت حكم فرنسا. الاْردن وقتها كانت في حاله من عدم الاستقرار و فيها جرايم و صراع قبلي و انعدام للامن. و ده ممكن يدي فرصه لفرنسا انها تدعي انها داخله الاْردن بس عشان تفرض الأمن. او ده كان خوف بريطانيا. 

الاسوء كمان ان جيش فيصل المطرود من دمشق اتجمع في الاْردن و أعلن انه حيطرد فرنسا من دمشق. معنى كده ان اَي غارات على دمشق من شرق الاْردن حتخلي فرنسا تدخل تحتل شرق الاْردن و مفيش مبرر احلى من كده بالنسبه لفرنسا. و بالتالي تهدد وضع بريطانيا في فلسطين ذاتها. 

تعليق جوده:

الاْردن وضعها الاستراتيجي هو لتأمين اسرائيل. ببساطه. مفيش اَي مبرر تاني لوجود الاْردن. و ده يفسر لنا ان الاْردن برغم انها دوله عديمه الموارد مش بس تستمر في الوجود. لا دي كمان فيها متوسط دخل مرتفع. و دائماً تستدين و بعدين يتم التغاضي عن ديونها. و دائماً ملك الاْردن شخصيه مهمه في العالم بيستقبلوه و يحتفلوا بيه في العالم كله. الخ. وجود أردن مستقر هو احد اهم أسس الشرق الأوسط اللي أتعمل بعد الحرب العالميه الاولى لحد دلوقتي. 

الادارة البريطانيه في غرب فلسطين طلبت جنود عشان يأمنوا شرق الاْردن. لندن رفضت الطلب ببساطه لانه في ١٩١٩ بريطانيا كانت بتفكك جيشها و بتسحبه من الشرق الأوسط زي ما شفنا قبل كده. لندن عرضت انها بس تبعت موظفين مدنيين. سي دي برنتون و هو ضابط بريطاني في شرق الاْردن كتب للندن ان الناس في شرق الاْردن بتقول ان بريطانيا حتنسحب من شرق الاْردن. و ان البلد حتبقى فوضى. و كتب كمان يقول: “انه مفيش تجانس بين سكان شرق الاْردن. و في انقسام بين البدو و السكان المستقربن. و ان السكان المستقرين فلاحين و عاوزين حكومه مستقره تحميهم من غارات البدو. بينما البدو مش عاوزين حكومه عشان يستمروا في السرقه و النهب.”

مشكله سي دي برنتون الرئيسيه ان الهاشميين من اتباع فيصل بيؤججوا مشاعر الناس ضد فرنسا. في ٩ سبتمبر ١٩٢٠ كتب برنتون ان اتباع فيصل أعلنوا الجهاد ضد الفرنسيين في سوريا و انهم ابتدوا يستقبلوا متطوعين و يطلعوا ناس من السجون في عمان عشان ينضموا للجهاد. بعدها بيومين برنتون كتب ان الأمور افضل الان لان الهاشميين مقدروش يلموا الا ٥٠ متطوع بس. 

برنتون كتب منتقدا سياسه بريطانيا في شرق الاْردن: “فكره اننا نحكم بلد يسكنها متوحشون بأننا ندبهم حكم ذاتي و بعض المستشارين البريطانيين فكره تبدو جميله على الورق لكن على الطبيعه مش شغاله.”

لان بريطانيا مكانش عندها اَي قوات في شرق الاْردن فبالتالي كان مستحيل تدافع عنه لو فرنسا قررت تغزوه. عشان تحتفظ بريطانيا بشرق الاْردن يبقى لازم بريطانيا تتجنب أثاره فرنسا. سياسه حاكم شرق الاْردن المدني اف أر سومرست كانت انه يمنع القبائل العربيه في شرق الاْردن من مهاجمه فرنسا بأنه يؤجج تلك القبائل ضد بعضها البعض. السياسه دي بتسحب من فرنسا اَي حجه انها تغزو شرق الاْردن و كمان بتخلي بريطانيا تقدر تحتفظ بشرق الاْردن من غير اَي قوات على الارض! 

تعليق جوده:

نفس السياسه مستمره. و لكن تأخذ أشكال مختلفه الان مثل تأجيج المشاعر بين الشيعه و السنه كي يستمر الوضع في الشرق الأوسط كما هو و للحفاظ على أمن اسرائيل دون ان يتكلف الغرب وضع جنود على الارض في الشرق الأوسط. لاحظ انه قبل ٢٠٠٥ لم تكن هناك عداوه او استعداء كما هو موجود الان بين الشيعه و السنه. بالعكس ربما كان هناك مشاعر ايجابيه تجاه حزب الله. لاحظ تزايد التأجيج بعد اقتراب الانسحاب من العراق. و لاحظ ان التاجيج موجود على الطرفين. و لاحظ ان الشيعه و السنه تعايشوا على مدي ١٤٠٠ سنه! 

مشكله سومرست فضلت انه يعمل ايه لو فرنسا قررت انها تهاجم بريطانيا في فلسطين و شرق الاْردن مش بالغزو العسكري لكن عن طريق البروباجندا و الغزو الثقافي. يعني مثلا لو أقنعت فرنسا المثقفين العرب انهم يبقوا مع فرنسا ضد بريطانيا مش العكس زي ما كان الوضع وقتها. و طبعا حجه فرنسا وقتها كانت هي تاجيج المشاعر العربيه ضد بريطانيا و مشروعها الصهيوني. ممكن فرنسا توعد العرب انها لو اخدت فلسطين و شرق الاْردن فهي حتوقف المشروع الصهيوني. كان رأي سومرست ان المشروع الصهيوني الحقيقه كان بيضعف الوضع البريطاني مش بيقويه. و زي ما شفنا في الحلقات السابقه معظم المسئولين البريطانيين و الجيش البريطاني في الشرق الأوسط كان رأيه كده لدرجه أن لندن كانت بتتجسس على المسئولين البريطانيين في مصر و فلسطين عشان كانت شاكه انهم بيمولوا الانتفاضات العربيه ضد المشروع الصهيوني (مصدر ١). 

سومرست كتب في مذكراته: “كل الناس هنا ضد اليهود مش ضدنا. لو اليهود يقفلوا بقهم حيقدروا يشتروا البلد كلها”. 

لورانس كان عنده رأي مختلف و كتب: “في خلال ٤-٥ سنين لو حطينا سياسه عادله في الشرق الأوسط، المقاومه ضد الصهاينه حتقل”. لكن في الوقت الحالي طبعا كانت المقاومه العربيه ضد المشروع الصهيوني قويه و في عنفوانها. 

في فلسطين ذاتها زي ما شفنا في الحلقات السابقه بريطانيا طردت الضباط البريطانيين المتعاطفين مع العرب و حطت مكانهم حاكم مدني يهودي عشان يستمر تنفيذ المشروع الصهيوني اللي كان كل القيادات البريطانيه في الشرق الأوسط شايفين انه مضر لوضع بريطانيا هناك. 

لذلك بحلول ١٩٢١ بريطانيا كان لازم تلاقي حل في الشرق الأوسط. حل ميخليهاش تحط جنود و تصرف عليهم و لكن في نفس الوقت يحافظ على وضع بريطانيا كقوه مؤثرة في الشرق الأوسط. حل يخلي بريطانيا تحتفظ بالعراق من غير جنود. و تحتفظ بالأردن او شرق الاْردن عشان تأمن تنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين من غير ما تحط جنود في شرق الاْردن. و تحتفظ بمصر من غير ما مصر كل شويه تعمل ثوره. كلام يبدو شبه مستحيل. ازاي تحتفظ بدول و شعوب كبيره زي دي و كمان تفرض عليهم مشروع صهيوني كل السكان رافضينه و مع ذلك تعمل ده من غير ما تحط قوات كبيره على الارض؟ لكن كان فيه حل عبقري. و الشخص اللي توصل للحل العبقري ده هو ونستون تشرشل ذاته. و هو في الحقيقه مؤسس الشرق الأوسط الحديث. الحل ده عبقري لدرجه انه استمر و مستمر لحد دلوقتي بقاله ١٠٠ سنه! 

المؤرخون أطلقوا على الحل العبقري ده تسويه ١٩٢٢ the settlement of 1922. و اجمعوا ان تسويه ١٩٢٢ اهم في تشكيل الشرق الأوسط اللي احنا شايفينه دلوقتي عن اتفاقيه سايكس-بيكو! 

حنشوف في الحلقه الجايه ازاي الحل ده حصل و ظروفه. لكن عشان متستنوش كتير حنعرض هنا الخطوط العريضه للحل:

١- إلغاء تماما فكره دوله عربيه واحده اللي كان لورانس بينادي بها.

٢- قطع اَي طريق لاعاده العلاقات بين الشعوب العربيه و تركيا. 

٣- تشكيل دول متناحره و مواليه لبريطانيا في الشرق الأوسط. الاردن. العراق. الخ. الملكيات و الجيوش فيها ستتولى بذاتها تأمين سيطره بريطانيا على الشرق الأوسط و تأمين المشروع الصهيوني. 

٤- اذا عجزت الملكيات و الجيوش في تلك الدول الجديده عن الحفاظ على الأوضاع المحليه سيكون التدخل الحاسم من سلاح الجو البريطاني. هذه كانت فكره عبقريه بالذات. لان اجواء الشرق الأوسط تسمح بعمل سلاح الطيران طوال العام. و اَي شيئ في صحراء مفتوحه يمكن قصفه بسهوله.و سلاح الطيران لا يحتاج جنود كثيرين و استخدامه يخيف السكان و يجعلهم يتبعون سياسه بريطانيا. 

بناءا على الأفكار العبقريه دي بدأت بريطانيا تشكيل الدول العربيه و الجيوش العربيه الحديثة في الشرق الأوسط. و بالتوازي معاها بدأت بريطانيا تبني القواعد الجويه البريطانيه في المنطقه و هي قواعد: الحبانيه و اتش ٢ في العراق. مطارات غرب القاهره و السويس و المنصوره و بورسعيد و أسيوط في مصر. قاعده العضم في لبيبا. اكروتيري في قبرص. ديجو جارسيا في المحيط الهندي. لحد دلوقتي هي نفس القواعد الجويه اللي بتستخدم في السيطره على الشرق الأوسط. 

في الحلقه الجايه حنشوف ازاي السياسه دي اتشكلت و ازاي تطورت. 

المصادر

——-

١- الحلقات السابقه مجمعه من صفحات مخفيه من تاريخ مصر

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- السلام الذي ينهي كل سلام 

http://www.goodreads.com/book/show/78107.A_Peace_to_End_All_Peace

٣- تاريخ فرنسا في المنطقه

https://jawdablog.org/2016/07/08/sykes_piko_17_france_role/

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s