مالك بن نبي و شروط النهضه … الحلقه الخامسه

ما الحل لأزمه الأمه؟

حضاره = إنسان + تراب + وقت

المعادله الكيماوية لتحقيق النهضه!

شفنا في الحلقه السابقه (مصدر ١) ان الأمه الاسلاميه بها “حاله حضاريه” و لكن لا توجد بها “حضاره”. بمعنى ان اجزاء كبيره من الأمه يتراكم فيها كوم ضخم من المنتجات الحضاريه المتزايده دائماً. و بمرور الزمن الطويل يمكن ان ينشأ عن هذا حضاره بمحض الصدفه و بدون قصد. و الفارق بين الحضاره و الحاله الحضاريه ان الحضاره تنشئ و تخترع منتجاتها الحضاريه مثل التلفزيون او الانترنت و الطائرات و الشركات العملاقه و ماكدونالدز و فيسبوك و خلافه. و لكن الحاله الحضاريه تستورد منتجات حضاريه من الآخرين مثل انشاء شركه طيران مثلا تستورد الطائرة و تستورد المعرفه في كيفيه اداره شركه طيران بأن تضع على رأسها مديرين و موظفين كلهم مستوردين كما تفعل طيران الإمارات مثلا. و يجب ان نفرق بين حضاره تستخدم منتجات الآخرين و هذا طبيعي لكنها في ذات الوقت تنتج شيئا ما و تساهم في الانتاج العالمي و تتبادل العلم و الثقافه و الحضاره و المنتجات مع شعوب العالم، بل و أيضا يأتي لها شعوب العالم للمساهمة في حضارتها كالمهاجرين في امريكا. و حاله حضاريه تستورد كل شيئ و تكون عاجزه ان تستمر دون الاعتماد الكامل على المعرفه و الثقافه من مصادر الحضاره الخارجيه. و علينا كذلك ان نفرق بين الحاله الحضاريه و بادره الحضاره. بادره الحضاره هي ان الأمه تريد ان تصبح حضاره و لكنها لم تجد الطريق بعد. و بالطبع فالأمه الاسلاميه في حاله بادره الحضاره منذ ١٩٢٠. و من المستحيل ان تنشئ أمه حضاره دون ان يكون لديها بادره حضاره بالطبع. 

فهل يجب ان ننتظر مئات السنين كي ربما تتحول الحاله الحضاريه الى حضاره؟ يقول مالك بن نبي انه:

“معلوم ان عمليه التحلل الطبيعي لليورانيوم تأخذ مليارات السنين. فيتحلل نصفها طبيعيا في زمن قدره اربعه مليارات و ٤٠٠ مليون من السنين. لكن المعمل الكيميائي توصل انها يمكن ان تتم في المعمل في بضع ثوان. و بالمثل نجد ان عوامل التعجيل بالحركه الطبيعية للحضاره بدأت تلعب دورا في دراسات علم الاجتماع كما هو مشاهد في تجربه اليابان فهي انتقلت ما بين أعوام ١٨٦٨ و حتى ١٩٠٥ من مرحله العصور الوسطى و مرحله بادره الحضاره الى مرحله الحضاره الحديثة. فالعالم الاسلامي يريد ان يجتاز نفس المرحلة. بمعنى انه يريد إنجاز مهمه التركيب الكيماوي للحضاره في زمن بسيط. “

يحلل مالك بن نبي الحضاره الى عوامل كيماوية أساسيه لا يمكن انتاج حضاره الا اذا اجتمعت و يستنتج معادله كيماوية عبقريه:

“ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت”

يقول مالك بن نبي انك لو أردت اختراع و انتاج مصباح مثلا: 

“يوجد الانسان خلف العمليه العلميه و الصناعية التي يعتبر المصباح ثمرتها. و التراب بمعنى المواد الاوليه في عناصرها من موصل و عازل و مواد بناء أوليه و إسمنت و إلكترونيات و خلافه ضروري لأي منتج حضاري يشكله الانسان. و الوقت يبرز في جميع العمليات البيولوجية و التكنولوجيه. و هو ينتج المصباح بمساعده العنصرين الاولين: الانسان و التراب”. 

ملحوظة: كتب مالك بن نبي كتابه بالفرنسية. و كلمه التراب يمكن أيضا ترجمتها لكلمه الماده. 

و طالما ان كل منتج حضاري يحتاج في إنتاجه الانسان و الوقت و التراب (او المواد الاوليه) و طالما ان الحضاره هي مجموع كل المنتجات الحضاريه لذا وفق قوانين الحساب يمكن تجميع كل المنتجات الحضاريه لتصبح المعادله الشامله:

حضاره = إنسان + تراب + وقت

و لذلك فمشكله الأمه في الحقيقه تنحل الى ثلاث مشكلات أوليه: مشكله الانسان. مشكله التراب. مشكله الوقت. 

و لكن هناك سؤال. اذا تواجدت العوامل الثلاث معا هل معنى ذلك ان تنشأ الحضاره تلقائيا؟ و الاجابه على ذلك هي لا. فأي حضاره كي تنشأ تحتاج عامل محفز و هو العامل الذي يحفز العوامل الثلاثه على الامتزاج لتكوين الحضاره. و يقول مالك بن نبي ان:

“هذا العامل المحفز موجود فعلا و هو الفكره الدينيه التي رافقت دائماً تركيب الحضاره خلال التاريخ. فإذا اتضح صدق هذه الاعتبارات عن التفاعل الكيميائي الحيوي و عن ديناميكية الواقع الاجتماعي كان لنا ان نخطط بطريقه ما مجال تطوره كإطراد مادي نعرف قانونه. و في الوقت ذاته يسمح لنا ذلك بالقضاء على بعض الأخطاء التي يشعها ما يطلق عليه (أدب الكفاح) في العالم الاسلامي. حيث يزكي ضمنا الاتجاه نحو التكديس”. 

تعالوا نفهم الكلام الكبير قوي ده لانه مهم جدا. مالك بن نبي بيقول ان الدين هو الكاتليست catalyst اللي كن غيره متقومش حضاره. و اننا لو فهمنا المعادله الكيماوية الحضاريه نقدر نتحكم فبها و نخطط بناء على كده اننا نسرعها عشان نوصل للحضاره. مالك بن نبي بينتقد كمان ما يطلق عليه “أدب الكفاح” و هو ان الامه تقاوم المستعمر و الاستعمار و تشتم في امريكا و الغرب دون وجُود اَي خطه للنهضه. و بيقول ان الطريقه دي بينتهي بها الحال دائماً اننا بنكدس المنتجات الحضاريه المستوردة! و لو تلاحظ ان دي الحقيقه فعلا. يعني الأمه بقالها عشرات السنين بتشتم في الاحتلال و الاستعمار و بينتج عن كده انهم بيشتموا الاستعمار و الغرب على التلفزيون المنتج في الغرب و فيسبوك المنتج في الغرب! دون خطه حضاريه سيستمر ذلك دون شك. 

يقول مالك بن نبي:

“عندما يتحرك رجل الفطره مدفوعا بالحافز الديني و يأخذ طريقه كي يصبح رجل حضاره فانه لا زاد له سوى التراب و الوقت و ارادته كإنسان نحو الهدف. و كل ما عدا ذلك من قصور شامخات و من جامعات و طائرات ليس الا من المكتسبات لا من العناصر الاوليه. و المجتمع الإنساني يمكنه ان يستغني وقتا ما عن مكتسبات الحضاره لكنه لا يمكن ان يتنازل عن هذه العناصر الثلاثه التي تمثل ثروته الاوليه. و في الحرب العالميه الثانيه كانت الدول المتقاتلة لا تقوم خسارتها في الحرب بالذهب و الفضه بل بساعات العمل اَي بقيم من الوقت و من الجهود البشرية و من منتجات التراب. و هكذا كلما اصبح المكتسب غير كاف او حالت دون الحصول عليه عقبات و كلما دقت ساعه الخطر للرجوع للقيم الأساسيه تستعيد الإنسانيه مع عبقريتها قيمه الأشياء البسيطه التي كونت عظمتها”. 

و بالطبع ليس مثل الحروب الكبرى لكي تظهر القيم الأساسيه للشعوب و الانسان. 

لكن هناك أمور يجب ان نناقشها في المعادله:

حضاره = إنسان + تراب + وقت ، مع الحافز الديني 

قبل ما نتقبل اَي نظريه على علاتها يجب ان نفهم اولا هل تنطبق على تجارب التاريخ؟ هل كل الحضارات السابقه و الحاليّه انطبقت عليها تلك المعادله الكيميائيه؟ 

مثلا الحضاره السوفيتيه الشيوعيه، هل مثلا كان هناك تأثير للدين كعامل محفز؟ و هل الشبوعيه او الوطنيه السوفيتيه يمكن اعتبارها عامل محفز؟ 

و هل الحضاره الغربيه الان حضاره قائمه على الدين او تم تحفيزها بعامل الدين؟ 

و هل قامت الحضاره اليابانيه او الكورية او الصينيه الحاليّه على محفز ديني؟ 

و اذا كان الدين عامل محفز، لماذا إذن أفلت الحضاره الاسلاميه؟ 

هل لا بد ان يكون الديني كعامل محفز دينا سماويا أم يمكن أن يكون اَي دين اخر بتعريف شامل للدين و هو نظام من المعتقدات يفرضه الانسان على ذاته و يتضمن تفسيرا شاملا لما يحدث على الارض و به نظام من الغيبيات تعلو فوق دقائق الحياه لتقدم صوره شامله. و هذا التعريف هو ما استقر عليه الباحثون اللاحقون بعد مالك بن نبي بعقود (مصدر ٢). 

وفق هذا التعريف نجد مثلا ان الشيوعيه هي في الحقيقه دين جوهره انه يرفض كل الأديان الاخرى و يقدم نظريه شامله للتطور البشري الاقتصادي و المعرفي و الثقافي. و دون شك لعب الدين عامل رئيسي في تطور اليابان الحديث حيث الإمبراطور الياباني شخصيه محوريه في ديانه الشنتو و تقوم على قدسيه الشعب الياباني. و من الممكن دون شك ان يختلط الدين بالوطنية كما في حاله اليابان. او ان يصبح الدين هو ذاته الوطنيه كما في حاله الصين حيث توجد محوريه الصين او ما يطلق عليها “المملكه الوسطى”. Middle Kingdom و يعتقد الشعب الصيني في محوريه الصين بالنسبه للعالم اجمع و هو لا شك نوع من الغيبيات و لكنه حافز كبير على العمل و التطور. 

ذات الحال في الحضاره الغربيه. و هي بسبب طول فتره قيادتها للحضاره الإنسانيه أصبحت معقده. فالحضاره الامريكيه قامت بتحفيز ديني كبير أقر به كل المؤرخين. و قبل قيام الولايات المتحده عاشت امريكا ثوره دينيه انتشر فيها المصلحون الدينيون و اسسوا للقيم البروتستانتيه puritans كأساس مرجعي للنهضه. مصدر ٣. و مع مرور الوقت ظهرت ديانات جديده في الغرب و هي ديانه تتبع التعريف الأشمل للدين و هي تجمع ما بين الليبرالية و الراسماليه و قيم السوق المفتوح و الحريات الشخصيه كعوامل للحضاره. و يعتقد الأمريكيون او لنقل بعضهم على الأقل في ان اتباع الليبرالية و الراسماليه و قيم السوق المفتوح بشكل شبه ديني. و يرفع الأمريكيون تلك القيم المكتوبة في الدستور الامريكي لمرتبه الدين دون شك. و يخلط الأمريكان و الغربيون ذاتهم احيانا بين تلك القيم المكتسبه و الديانه المسيحيه و تختلط تلك الأمور بأشكال مختلفه. و لنقل ان بعض الأمريكان و الغربيين ينكرون المسيحيه كدين و يؤمنون بالليبرالية و هناك من يُؤْمِن بالاثنين و هكذا. و هذا طبيعي في حضارات استمرت فترات طويله من الزمن. 

و يقول مالك بن نبي ان الحضاره الغربيه لم ترتفع الا بالمحفز الديني المسيحي ذاته و ليس فقط القيم الليبرالية و هي نظريه سيراها كثيرون غربيه بالذات لدى نخبه مصر و الشرق الأوسط الذين يَرَوْن عن خطأ ان اخراج الدين من الحياه العامه هو طريق التقدم. و هم في ذلك لا يستطيعون التفرقه بين عدم دوله لا يجب ان تفرق بين الناس على أساس ديني و بين حضاره في مجملها تقوم على اساس معتقد ديني او مجموعه من القيم من الضروري أن يعتقد فيها السكان كي يفرضوا على أنفسهم التضحيات اللازمه للابداع و لقيام الحضاره. و لا تستطيع تلك النخبه فهم ان اَي حضاره بما فيها الاسلاميه لا يمكن أن تكون حضاره شامله الا باتساعها للناس من كل الأديان و الأصناف و الأشكال. و الا تحولت لحضاره اقليميه ضيقه مثل الصينيه و اليابانيه (لا يدعي أهل الصين او اليابان ان حضارتهم قابله للتطبيق في اَي مكان اخر في العالم و لا يسعون لذاك) و هو امر يخالف المبادئ العظمى للدين الاسلامي. 

و في الحلقه القادمه بعون الله سنعرض للمقارنه بين دور الدين في الحضارتين الاسلاميه و كيف انزوت و دور الدين في الحضاره الغربيه. 

و يمكنكم قراءه كل كتاب مالك بن نبي أسس الحضاره في مصدر ٤. 

المصادر

——-

١- مالك بن نبي و شروط النهضه … الحلقات السابقه مجمعه

https://jawdablog.org/2017/01/03/from_stacking_to_construction/

https://jawdablog.org/2016/11/21/renewal_islamic_thinking_3/

https://jawdablog.org/2016/10/03/شروط-النهضه-تجديد-الفكر-الاسلامي-الح/

https://jawdablog.org/2016/09/29/did_we_benefit_fro_heroes_like_omar_almokhtar/

٢- التاريخ المختصر للإنسان. هومو سابينز

http://www.goodreads.com/book/show/23692271-sapiens

٣- الثوره الدينيه في امريكا 

https://www.britannica.com/event/Great-Awakening

٤- مالك بن نبي. أسس الحضاره

http://www.aldohamagazine.com/books/book6.pdf

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s