سايكس-بيكو و الحرب العالميه الاولى .. المشاكل تنتقل للعراق .. الحلقه ٤٢

sykes_pico_42

شفنا انه مع نهايه الحرب العالميه الاولى و احتلال بريطانيا لكل الشرق الأوسط بريطانيا شعرت بموقف قوه في المنطقه. لكن بسرعه حصل تمرد تقريبا في كل مكان في الشرق الأوسط و دون اَي تنسيق. مش بس في مصر ١٩١٩ اللي شفنا انها كانت انتفاضه ذات طابع إسلامي (مصدر ١). لا كمان انتقلت الثوره لافغانستان و برضه كانت ذات طابع إسلامي و ان كان إسلامي عالمي بمعنى انه لنصره أهل الهند سواء كانوا مسلمين او هندوس (طبعا دي روح اسلاميه افتقدناها مع انها أصل الدين). مصدر ٢. و شفنا ان الثوره في ذات الوقت انتقلت للجزيره العربيه ذاتها في نفس الوقت اللي كانت ثوره ١٩ في مصر في قمتها. ده في نفس الوقت اللي زي ما شرحنا قبل كده بالتفصيل كان كمال اتاتورك بيحقق استقلال حقيقي لتركيا و بدونه كانت تركيا أصبحت جزء من اليونان زي ما شفنا. مصدر ٢. 

الثوره فجأة بعد ما خمدت قليلا في مصر و أفغانستان و الأمور هديت قليلا في الجزيره العربيه فجأة ظهرت في العراق. و الحقيقه ثوره العشرين في العراق كما يطلق عليها كاشفه جدا لحاجتين. الاولى هي طبيعه هذا البلد. الثانيه هي استحاله تحقيق اَي وحده عربيه دون مشاركه تركيه ايرانيه! و ان التوحد الحقيقي الممكن هو توحد إسلامي جامع للمنطقه. تعالوا نشوف اللي حصل. 

الجيش التركي في العراق الحقيقه انه متحطمش بنفس الشكل اللي اتحطم بيه في سوريا. كمان مكانش فيه الخيانات اللي ميزت الأمور في سوريا و فلسطين زي ما شفنا من منظمات عهد في سوريا او الشريف حسين. بالعكس الضباط العرب العراقيين في الجيش التركي صحيح استسلموا لإنجلترا زي ما شفنا قبل كده (مصدر ٢) لكن احتفظوا بقواتهم و احتفظوا بولائهم لدوله الخلافه العثمانيه. 

كمان نلاحظ ان الجيش البريطاني اللي دخل العراق كان جيش الهند البريطانيه. و دي حاجه لازم نفهمها. ان عدد الإنجليز في الهند قليل مسيطرين على شعب من اكبر شعوب العالم. مستحيل انهم يبقوا في علاقه عداوه مستمره مع الشعب ده و الا يأكلوهم. لذلك جيش الهند البريطانيه في العراق كان بصفه عامه سايب السكان يعملوا اللي عاوزينه طالما دون ضرر للاحتلال. لاحظ كمان ان العراق سقطت قبل سوريا بكتير. لكن سقوط العراق دائماً مقدمه لسقوط سوريا. العراق وضعه على الخليج و وجود سهل منبسط بطول البلد تماما يجعله معرض جدا للتدخل الأجنبي. يكفي ان تدخل من الخليج لكي تحتل العراق حتى جبال الشمال بمنتهى السهوله. لا توجد موانع طبيعية الا على الحدود مع تركيا. كمان السكان كلهم مركزين في الوادي بين الفرات و دجله. و بالتالي احتلال المراكز السكانيه يعني احتلال البلد كلها. لكن سوريا طبيعتها الجغرافيه معقده اكتر بكتير. جبال و سهول و تنوع سكاني و انتشار جغرافي كبير للسكان. و ده بالضبط اللي شفناه في الحرب العالميه الاولى و بنشوفه دلوقتي. 

حاكم العراق البريطاني كان الكولونيل ارنولد ويلسون و مساعدته الصحفيه البريطانيه جيرترود بيل. الاتنين كانوا بيفكروا أيه طبيعه الحكم في العراق في المستقبل. ويلسون كان رأيه انه يكون حكم بريطاني مباشر للعراق من الهند. و ده طبعا متأثر بخلفيته في الهند البريطانيه. جيرترود كانت شايفه في الاول ان الشعب العراقي بصفه عامه ممكن يحكم نفسه تحت الوصايه البريطانيه و كانت متأثرة بمقابلات مع بعض الشخصيات المعتدله اللي بدوا انهم ممكن يحكموا العراق و ان بريطانيا ممكن تثق فيهم. لكن لما مؤتمر الصلح في باريس اقترب جيرترود لقت ان الشخصيات المعتدله دي في وادي و الشعب نفسه في وديان تانيه كتير. و كتبت ان “فتح موضوع استقلال العراق من اساسه حيفتح الباب قدام العناصر المتطرفه انها تطلب ما هو اكثر”. و بالتالي كان رايها ان بريطانيا تكفي على الخبر ماجور زي ما بيقولوا و تحكم العراق بشكل مباشر. مصدر ٣. وبالتالي ويلسون و جيرترود بقوا متفقين. 

تعليق جوده:

نفس الامر حدث بعد غزو العراق. في البدايه كانت هناك عناصر امريكيه ترى ان العراق سيكون طليعه الديمقراطية في الشرق الأوسط. و بالطبع ثبت خطأهم و تراجعوا ذاتهم عن هذا. و ليس لان الشعب العراقي غير مهيأ للديمقراطيه بل لان الدوله القطريه العربيه غير قابله للحياه زي ما حنشوف بعد شويه. 

العراق تحت الحكم العثماني مكانش بلد واحده. كان عباره عن مقاطعات البصره و بغداد. أضاف ليها ويلسون مقاطعه الموصل الاستراتيجيه عشان يحرم فرنسا منها (تقع تحت نطاق الحكم الفرنسي في سوريا وفق اتفاق سايكس-بيكو). ويلسون اصر ان الموصل تنضم للعراق لأهميتهما الاستراتيجيه: اولا تقع على رأس الفرات و تتحكم في مداخيله من تركيا و سوريا. ثانيا هي خط الدفاع الاول عن العراق من ناحيه تركيا. ثالثا تردد وقتها ان بها نفط. 

مشكله الموصل ان فيها أكراد. كتب ويلسون وقتها ان المنطقه فيها نصف مليون كردي مستحيل يقبلوا بحاكم عربي. مصدر ٣. 

العراق ككلمه على فكره مكانتش دوله او اماره حتى وقت العثمانيين. بالعكس البريطانيين روجوا لاستعمال الكلمه و هم اللي دوروا عليها في الادبيات العربيه القديمة عشان يحاولوا يشكلوا دوله تقريبا من لا شيئ. 

ويلسون كمان شاف ان العراق فيه مشكله كبيره كمان. فيه ٢ مليون شيعي مستحيل يقبلوا حاكم سني. لكن هو كمان كتب ان مستحيل يبقى فيه دوله عراقيه دون ان يحكمها مسلم سني! ليه لان السنه العرب هم من يوحدون الجنوب العراقي الشيعي العربي و الشمال السني الكردي! يبقى لو عاوز تعمل دوله العراق لازم يحكمها سني بالرغم ان لا الشيعه عاوزين ده و لا الأكراد عاوزين ده. 

طيب امال العثمانيين و قبلهم كل الخلافه كانت ماشيه ازاي؟ كان كل الأقاليم دي ذات حكم ذاتي. يعني الأكراد عايشين لوحدهم بيحكموا نفسهم طالما بيدفعوا ضرائب للوالي. الشيعه في الجنوب نفس الكلام. السنه في بغداد نفس الحكايه. مكانش حكم مباشر. و دي هي المشكله الأساسيه للدوله القطريه او القوميه العربيه كما أسسها البريطانيون. 

جيرترود بيل هي في الحقيقه أم العراق الحديث. وجوده هو فكرتها من الأساس. كان فيه قسيس أمريكي في العراق قابل جيرترود و قالها ان “محاولتها انها ترسم خط حدود و تسمي اللي جواه العراق هي محاوله ضد ٤٠٠٠ سنه من التاريخ. و ان الاشوريين مثلا دائماً كانوا بيبصوا ناحيه سوريا و ايران. و حتى البابليين بصوا نحو الجنوب. و ان العراق كوحده سياسيه موضوع خارج التاريخ و لازم يتعمل بالتدريج”. 

تعليق جوده:

ده بالضبط اللي شايفينه دلوقتي. ان الدوله القطريه العربيه غير قادره على الحياه. لان العراق يتفتت لإجزاء اصغر و كل جزء حيبص على امتداده الجغرافي الطبيعي: البصره نحو ايران. الموصل نحو سوريا. و بغداد تتراوح و تتردد بين ايران و سوريا و جزيره العرب. و ده بالضبط اللي شايفينه دلوقتي. و لذلك كمان اَي مشروع وحده عربيه هو مشروع فاشل استراتيجيا. لان دوله زي العراق لازم لها امتداد جغرافي مع ايران و تركيا. و سوريا ذات الوضع. لذلك اَي توحد لشعوب المنطقه يجب ان يكون داخل حدود طبيعيه و الحدود الطبيعية هي من شرق ايران و حدودها الصحراويه مع أفغانستان حتى المغرب و اسبانيا ككتله سكانيه واحده. و من تركيا و دول مثل أذربيجان شمالا حتى أواسط افريقيا جنوبا. العجيب ان اجدادنا المسلمين و العرب كانوا فاهمين الكلام ده و صمموا الدوله الاسلاميه بهذا الشكل. العجيب ان الخلف يجي و مش فاهمين القواعد الاستراتيجيه دي. مصدر ٤. الرسول نفسه كان شايف انه الاسلام ميقدرش يبقى على قيد الحياه دون اسطنبول و كسرى. مستحيل سكانيا و لا جغرافيا. على فكره نفس الكلام ينطبق على مصر. و موضوع ان مصر دوله قديمه الخ هو موضوع تقل أهميته جدا الان لان موارد مصر ببساطه لا تسمح لها الاستمرار كدوله. دوله فقيرا الموارد جدا و الوضع السليم هو ان تكون جزء من دوله اكبر و يتحرك السكان منها و اليها بحريه. يعني يجي لمصر مستثمرين بالذات في منطقه قناه السويس و يخرج منها مهاجرون لمناطق الثروه و الخلخلة السكانيه في سوريا و العراق و الخليج. غير ذلك الدوله المصريه العتيده تترنح زي ما احنا شايفين. 

في نفس الوقت اللي جيرترود بتعمل دوله العراق، بريطانيا كانت بتعاني اقتصاديا و عماله تسحب جنودها من العراق. ويلسون كان بيشتكي ان معندوش قوات كافيه في العراق (نفس الوضع وقت الاحتلال الامريكي للعراق). 

في صيف ١٩١٩ ابتدأت حمله لاختطاف و قتل الجنود البريطانيين في العراق. بريطانيا كانت حتجنن. لان ده كان بيحصل في نفس الوقت زي ما شفنا اللي كان فيه الشرق الأوسط كله مقلوب. بريطانيا شافت ان دي أكيد مؤامره. اما من روسيا او من مصطفي كمال في تركيا. و طبعا مستحيل انها تكون ثوره من الشعب ذاته. اخر حاجه ممكن بريطانيا تفكر فيها لان ده مش شعب يستاهل انه يثور او يقدر يثور لوحده. 

الثوره امتدت لكل العراق لدرجه ان قايد الجيش البريطاني كان رأيه ان مستحيل وأد الثوره الا بذبح الناس جماعيا. Wholesale slaughter. 

في يونيو ١٩٢٠ ثارت القبائل العراقيه. و دخلوا قتلوا الجنود البريطانيين في كل غرب العراق. الشيعه في كربلاء أعلنوا الجهاد ضد البريطانيين. في ١١ اغسطس الثوار قتلوا قائد القوات البريطانيه في العراق شخصيا. الثوره كانت قويه لدرجه ان مجموعه من الثوار في بغداد أعلنوا تشكيل حكومه مؤقته. تخيل كده اغتيال قايد الجيش الامريكي في العراق و تأثير ده أيه. العالم كله انقلب طبعا. 

قبل ده بيوم واحد يوم ١٠ اغسطس كتبت التايمز اوف لندن التالي:

“كم عدد الأرواح التي يجب ان تزهق في سبيل تنفيذ سياسه بريطانيا في الشرق الأوسط التي تفرض على السكان هناك حكومه لم يطلبوها و لا يريدونها؟ لقد أنفقنا هذا العام فقط ١٠٠ مليون جنيه إسترليني في العراق و ايران لتنفيذ السياسه الحمقاء في الشرق الأوسط”. 

تعليق جوده:

رأينا ذات الامر في أمريكا حيث أتى اوباما و كل همه هو انسحاب أمريكا من العراق بأي شكل لتوفير الأرواح و الأموال. 

استغرق الامر تقريبا نصف عام كامل حتى فبراير ١٩٢١ حتى تمكنت بريطانيا من السيطره على العراق مجددا بعدما قامت حكومه الهند البريطانيه بضخ الرجال و العتاد في العراق. 

فقدت بريطانيا ٤٥٠ قتيل و ٢٠٠٠ جريح خلال ثوره العشرين. 

تعليق جوده:

بشكل مقارب جدا لما فعلته أمريكا خلال ما اطلق عليه surge. و هو أيضا استمر نصف عام و خسرت أمريكا خلاله حوالي ٥٠٠ قتيل! مصدر ٥. 

بريطانيا كانت تشك وقتها في الجميع. شاكه ان تركيا و مصطفى كمال ورا العراق. او الروس السوفيت ورآها. لكن طبعا السؤال هو طيب الروس ممكن في أفغانستان. لكن هل برضه في مصر؟ هل برضه في الجزيره العربيه؟ 

و نتابع. لان الثوره انتقلت لإيران كمان! 

المصادر

———

١- حلقات ثوره ١٩

https://jawdablog.org/2016/12/16/sykes_pico_38_1919_revolution/

٢- الحلقات السابقه مجمعه

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٣- السلام الذي ينهي كل سلام

https://books.google.com/books/about/A_Peace_to_End_All_Peace.html?id=OV0i1mJdNSwC&printsec=frontcover&source=kp_read_button&hl=en

٤- استراتيجية العلاقات مع تركيا و ايران

https://jawdablog.org/2014/12/30/is_making_turkey_iran_enemies_useful/

٥- استراتيجيه أمريكا خلال ٢٠٠٧ في العراق

https://en.wikipedia.org/wiki/Iraq_War_troop_surge_of_2007

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s