سايكس-بيكو و الحرب العالميه الاولى … الحلقه ٣٨ … ماذا حدث على الارض في ثوره ١٩١٩

sykes_pico_38_1919_revolution

نتابع تفاصيل شهود عيان ثوره ١٩ و حكايه صاحبنا انجيليس من الحلقات السابقة (مصدر ١). وصلنا يوم ١٩ مارس ١٩١٩:

“نور الصبح طلع يوم ١٩ مارس. بعد اجتماع طويل مع اليونانيين الآخرين قرروا انهم ياخدوا الطريق لفاقوس. أنا قررت أني اروح عزبه المناجاه و هي على بعد حوالي ٤ ساعات (حوالي ٢٥ كم على الحمار) في طريق صحراوي بعيد عن المدن الكبيرة. خوفي الوحيد كان الطريق قدامي. عملت اشاره الصليب و ودعت أصحابي. و لوحدي مشيت بالحمار بتاعي. 

مكملتش اكتر من نصف ساعه مسافه من عزبه ماتسيجاليس و كنت ماشي جنب جزيره السنيطه اللي كان ساكنها مجموعه من البدو. واحد ورا التاني من البدو اتلموا حواليا. في خمس دقايق كان حواليا عشره منهم. أنا حيتهم بمنتهى الهدوء عشان ميحسوش أني خايف. و بأحاول أتصرف أني معرفش حاجه عن الأحداث. “

تعليق جوده: لاحظ ان حاليا جزيره السنيطه لا يوجد بها بدو و المنطقه طبعا ليست صحرا إطلاقا. و هو تقدم لخط الزراعه في مصر انتهى الان بعمليه التصحر المتسارعة تحت عصر السيسي (مصدر ٢). 

“البدو دول ادهشوني بتصرفاتهم. سألوني أنا رايح فين. قلتلهم أني ناظر عزبه كريج في منطقه المناجاهو أني رايح هناك. سألوني انت مش خايف. قلتلهم اخاف ليه و أنا مشيت في الطريق ده كتير. بإجاباتي دي فهموا أني مش عارف حاجه عن الأحداث و بدأوا يحكوا آلاف الإشاعات عن انجازاتهم. و قالولي: “ان الاتفاق في منطقتنا اننا نهجم على عزب الخواجات و ناخذ ممتلكاتهم و نقتل نظار العزب.” و قالوا انه فيه حرب في جزيره سعود ضد البريطانيين هناك. و قصص كتير بالشكل ده. أنا كنت في موقف صعب فسألتهم طيب دلوقتي عاوزين مني أيه. واحد منهم رد عليا و قاللي انت أحسن لك تستنى معانا لحد ما الأمور تهدى. و انك في أيد امينه و مفيش حاجه حتحصلك. 

انا طبعا كنت مزنوق و مقداميش حاجه اعملها. كان معايا علبه سجاير. ولعت سيجاره و وزعت الباقي عليهم. و قررت أني أتحايل عليهم ان واحد منهم يمشي معايا يوصلني المناجاه. 

انا قلتلهم من الاول أني معيش فلوس. و أني حادفع للي حيمشي معايا لما نوصل العزبه. واحد منهم وافق و طلب مني لما نوصل ياخد جنيه مصري واحد و اردب ذره. انا وافقت و ركبنا مع بعض. انا محتاج أعرفكم بالمنطقه شويه. بين السنيطه و جزيره اليسبي و هي منطقه المناجاه و العزبه بتاعتي، مسافه حوالي ٣ ساعات (١٢ كم بالحمار). لكن رفيقي قال اننا مناخدش الطريق المستقيم ده لانه مليان عزب مصريه و ممكن حد يهاجمنا. في الوقت ده انا فهمت هدفه. لكن مكانش عندي اَي اختيارات تانيه. سلمت امري لله و قلتله اعمل اللي انت عاوزه. رد عليا و قاللي متخافشي و قاد الطريق خلال صحراء صان الحجير. و مشيت ورآه و انت مش عارف قدري حيكون أيه. 

وصلنا مشي لمصرف أم جريم راح هوه واقف. مكانش فيه مراكب تعدينا. فكان اما أني اقلع هدومي و أعوم او أني اركب على ظهر رفيقي. قاللي انزل من على الحمار و خلينا نقعد شويه نفكر في الموضوع. بعد لما شرب سيجاره كلمته بأدب و قلتله ده مش وقت قعاد و انه المفروض يروح يدور على نقطه نعدي منها. بعد شويه لقي نقطه في المصرف ممكن نعدي منها و فعلا راح معدي الحمير منها مشي و بعدين رجعلي. لقيت نظره وشه مختلفه خالص. سألني اذا كان معايا فلوس او مسدس. فهمت قصده دلوقتي. قلتله أني مش معايا الا ١٧ جنيه. لذلك لو قتلني مش حياخد حاجه الا ذنب قدام ربنا. بالفلوس و بالضغط النفسي عليه قدرت أشتريه و أخليه يعديني المصرف. قدامنا طول السكه الصحرا و شويه جبال صغيره. وصلنا جزيره اليسبي و فيها بدو مالكين عزب هناك. لقيت الفلاحين بيشتغلوا في الارض هناك فحسيت بالاطمئنان. ابتديت أتكلم مع رفيقي و قلتله اننا قربنا من العزبه بتاعتي و أني حاشوف الفلاحين بتوعي و مَش عاوزهم يعرفوا اَي حاجه عن اللي حصل. حنقولهم بس انك صديق قديم و انك جئت معايا عشان تحميني. 

وصلنا العزبه و أديته الدره و مشي. الساعه وصلت ٣ العصر. قعدت شويه و لقيت الفلاحين بتوعي جايين واحد ورا التاني و كلهم مستعجبين ازاي انا وصلت هنا و عاوزين يعرفوا الأخبار. قلتلهم كل اللي انا عارفه. و قلتلهم انهم لازم يبقوا عارفين ان الأمن حيرجع و النهب حيقف و ان كل اللي عمل حاجه حيتعاقب. 

الْيَوْمَ التالي كل واحد رجع شغله. و انا عزمت الحارس البربري الأمين بتاعي و قلتله على الحقيقه كامله. و قلتله يروح المخزن في عزبه تل رق يطلع الحبوب و يوزعها على الفلاحين عشان يشتغلوا. و كان هدفي كمان انه يراقب الوضع هناك و يبقى شاهد على أي حاجه تحصل. بعد كده عزمت الحارس الحكومي للعزبه و انه يأخذ معاه جواب يوديه الصالحيه و يشتري حاجات من هناك. الحارس كان خايف بس انا قلتله مفيش حاجه تخوف. 

الْيَوْمَ كان بيعدي و دماغي اتصدعت من الإشاعات اللي الخولي بتاعي كان عمال يقولها. اهم اشاعه قالها ان ناظر العزبه اللي جنبنا هرب لابس طربوش. “

تعليق جوده:

نلاحظ حاجتين. اولا ان الإشاعات كتير بدون فعل حقيقي. يعني مثلا البدو اللي قرروا انهم يقتلوا نظار العزب قرروا برضه انهم ينقلوا الخواجه و يساعدوه مقابل جنيه و سجاير. مشكله كبيره عند المصريين ما زالت مستمره و هي المبالغه. المبالغه في النصر و نحوله لنصر عالمي. و المبالغه في الهزيمه و التباكي عليها و بتضيع الحقيقه. النقطه التانيه التركيز ان الخواجه هرب بطربوش. الزِّي بتاع الخواجات وقتها كان برنيطه لازم. مينفعش خواجه يلبس طربوش أبدا. التركيز في الاشاعه على الشكل دون جوهر الثوره امر مهم جدا لازم نفهمه. جزء من التأثير على الشعب المصري هو في الشكل و المظهر. و كتبنا ده قبل كده. الشياكه و المظاهر لسبب ما مهمه جدا عند المصريين. مصدر ٣. 

و نكمل روايه انجيليس: 

“الليل بدأ يقرب و المرسال اللي بعته الصالحيه مجاش لسه. في المغرب الفلاحين خلصوا شغلهم و ابتدوا يرجعوا من الغيط و قاعدين يتحدثوا. الليل عدى بدون نوم تقريبا. الفجر قرب لكن ده كان يوم ٢١ مارس اسوء يوم في حياتي. الفلاحين ابتدوا يرجعوا الغيط عشان يشتغلوا. الساعه ١٠ مرسال الصالحيه رجع اخيراً و معاه جواب مكتوب فيه: تعالى على الصالحيه على طول. مفيش حاجه تخوف. امضاء حرالمبوس.”

تعليق جوده:

الصالحيه بها مطار إنجليزي مهم بسبب قربها من قناه السويس و ما زال موجود طبعا بحكم ان الجيش المصري حافظ على معظم أساليب و تشكيلات الجيش البريطاني. بحكم وجود المطار في الأغلب الأمن كان مستتب بشكل اكبر في الصالحيه. 

“هديت شويه و قررت أني اروح الْيَوْمَ التالي على الصالحيه. الحارس قالي اخبار تانيه. قال انه مع كل الحراس مدعوين من العمده انهم يسلموا نفسهم و معاهم السلاح بتاعهم. لكن لحد الساعه ٥ مكانش فيه مشاكل. قعدت الساعه ٥ عشان أوزع الاجره على الفلاحين. الساعه ٥ و نص جه المقاول المسئول عن الصرف و قاللي يا خواجه اهرب بسرعه. سألته ليه. قاللي ان الثوار من بره العزبه جم هنا و حيعملوا فيك زي ما عملوا في الباقيين. و انا خايف يقتلوك. مكانش فيه وقت للتفكير. قلتله أني حاستنى هنا و الثوار يعملوا اللي هم عاوزينه. كنت عارف ان الثوار حاصروا العزبه و انه لو حاولت اهرب حيطخوني زي الكلب. لقيت واحده من ستات العزبه بتتسلق سُوَر العزبه و بتقولي اروح عندها البيت و ان خولي العزبه هو اللي بعتها. في نفس الوقت كنت سامع زعيق جنب العزبه و فهمت ان الخولي بيمنع الثوار يدخلوا. دي كانت بدايه المأساة. خرجت من غرفتي و روحت اقابلهم. قربت منهم و سلمت عليهم. طبعا اندهشوا و بطلوا خناق. الحارس قرب مني و قاللي ادخل جوه ده مش وقت تكون بره. سمعت كلامه و دخلت و ولعت اللمبه. بعد شويه لقيتهم كلهم الثوار و الخولي و مجموعه من أهل العزبه داخلين عندي الغرفه. قرب مني الزعيم بتاعهم و قاللي يا خواجه احنا مبعوتين عشان ناخد فلوسك و مسدسك. و قبل ما انطق واحد منهم ضربني بالنبوت و اخد البالطو و الساعه. 

تعليق جوده:

لاحظ كلمه “احنا مبعوتين”. لاحظ كمان ان العمده بذاته هو اللي نزع سلاح حرس الأجانب. طبعا مستحيل ده يحصل الا لو كان في تنسيق كامل من السلطان احمد فؤاد و الوزاره في القاهرة. لذلك ثوره ١٩ مش عفويه بشكل كامل زي ما شرحنا في الحلقات السابقه. مصدر ١. ده زي ما قلنا في الحلقات السابقه مختلف تماما عن ثوره ٢٥ يناير اللي العمد مثلا كانوا ضدها. و أثبتنا قبل كده ان ثوره يناير ليست لا مؤامره و لا بتاع. مصدر ٤. كمان نلاحظ دور السلطان احمد فؤاد، لاحقا الملك فؤاد الاول. بطبيعه الريف في مصر العمد و المشايخ دول تابعين للملك مباشره. دور سعد زغلول زي ما شفنا قبل كده اقتصر على القاهرة. و ده يفسر الصراع بعد كده بين حزب الوفد و القصر. طبعا القصر شايف انه بدون تأثيره في الريف مستحيل كانت تحصل ثوره ١٩ اللي أسست نظام الملكيه في مصر حتي ١٩٥٢. و الوفد شايف انه كان هوه اللي في الواجهه. و بالتالي حصل نزاع بين القصر و الوفد استمر لحد ١٩٥٢. ابتدينا نفهم اللحظات المؤسسه للدوله المصريه. 

“الخولي تدخل و خلصني من أيديهم. قدرت أقف و أقولهم أني معيش لا فلوس و لا مسدس. و لو عاوزين تقتلوني اقتلوني بالسلاح مش بالعصيان زي العيال. خليكم رجاله. الخولي منعهم يضربوني. لكن ابتدوا ينهبوا البيت. حتى السرير و المراتب. لما خلصوا تنضيف البيت قالولي روح افتح المخزن و خد معاك اللمبه. فتحت المخزن. أخدوا الحبوب كلها منه. طول الوقت زعيمهم كان واقف جنبي و شايل البندقية. في الاخر راح قاللي: متزعلش يا خواجه. الحبوب دي حتروح عشان تأكل الجيش اللي حيروح يجاهد عشان الاسلام.”

تعليق جوده:

الحوار ده مهم جدا. الناس دي كانت مقتنعه انها بتعمل كده عشان الدين الاسلامي. بالنسبه لجموع الشعب المصري دي كانت ثوره اسلاميه و امتداد لثوره ١٩١٧ اللي كتبنا عنها في مصدر ١ اللي قامت ضد وعد بلفور و تسليم فلسطين و زي ما شفنا أجهضتها النخبه المصريه اللي استقبلت حاييم وايزمان في الاسكندرية بالورد. 

طبعا لا كان فيه جيش إسلامي و لا حاجه. و ده سبب مشكله كبيره لاحقا و ما زالت مستمره لحد دلوقتي في مصر. و هي ان الناس متوقعه امال عريضه جدا. لكن الحقائق او الممكن اقل بكتير من طموحات الناس. استقلال كامل لمصر مع وجود مليون جندي بريطاني في المنطقه و مصالح غربيه كبيره كلام مستحيل. الناس عاوزه هزيمه كامله لبريطانيا و انتصار الاسلام. ليه لا؟ مش عملوا ثوره؟ طبعا المبالغات في الحكايات خلت الناس تفتكر ان ده مَش بس ممكن. لا طبيعي كمان. الحقيقه ان ثوره ١٩ كانت مشكله لبريطانيا لكن مش بالشكل اللي الناس متصوراه. مش لدرجه ان بريطانيا تنسحب من مصر يعني. و لا حتى تقلل القوات. ممكن لدرجه انها تدي مصر استقلال صوري. المصيبه هي ان النخبه في القاهرة بما فيهم سعد باشا نفسه مكانش قادر يصارح الناس بالحقيقه. و بالتالي حصل انفصام بين الشعب و النخبه السياسه. ربما الوحيد اللي صارح الناس كان أنور السادات لما قال انا مقدرش احارب اسرائيل و أمريكا مع بعض. معناها طبعا انه لازم يعمل صلح. لكن النهايه طبعا انه أتقتل. طبعا هو كان ديكتاتور و برضه عمل اخطاء عشان الناس اللي دائماً تفكر بشكل احادي اما نقول عيوب احد يفهموا ان معناها انه خالي من المميزات و اما نقول مميزات يفهموا انه خالي من العيوب. و طبعا الانفصام ده لسه شغال لحد دلوقتي. أم الدنيا و قد الدنيا و الكلام الفارغ ده. 

اخينا انجيليس الخولي بتاعه ساعده انه يهرب بعد كده من خلال البحيرات حوالين الشرقية (طبعا مفيش بحيرات دلوقتي خالص) و يوصل الصالحيه مكان القاعده البريطانيه. انجيليس عاش في مصر و مات فيها. ولاده كمان اتولدوا في مصر و اشتغلوا فيها في قناه السويس و التجاره. احفاده كمان اتولدوا في مصر و بعدين كلهم هاجروا بره مصر و عايشين بين اليونان و أمريكا. و هم اللي اكتشفوا مذكراته و نشروها في اليونان. 

بعد ما فهمنا الوضع على الارض في مصر حنرجع المره الجايه نبص لحركه الثورات في المنطقه كلها و بعدين نخلص المجموعه دي بدراسه ما اطلق عليه تسويه ١٩٢٢ اللي عملها تشرشل و اللي أسست كل دول الشرق الأوسط الحاليّه. 

المصادر:

——–

١- الحلقات السابقة مجمعه من صفحات مخفيه من تاريخ مصر:

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- تسارع تآكل الارض الزراعية في مصر منذ ٢٠١٣:

https://jawdablog.org/2016/09/15/farm_lands_erosion_in_egypt/

٣- اسطوره الشياكه:

https://jawdablog.org/2015/02/11/egypt_taboo_38_look_cool_in_egypt/

٤- هل كانت ثوره يناير مؤامره:

https://jawdablog.org/2016/01/07/myth72_was_jan_25_revolution_conspiracy/

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s