…سايكس-بيكو و الحرب العالميه الاولى … تقسيم تركيا و صعود نجم مصطفى كمال

sykes_pico_33_1

حنركز شويه من النقطه دي على متابعه تطورات الامور في تركيا ذاتها بعد توقف القتال بإعلان استسلام الدوله العثمانيه في اكتوبر ١٩١٨. حنتابع من بعيد شويه التطورات في المناطق العربيه من الدوله العثمانيه. لسبب مهم ان معظمنا عارف احداث ثوره ١٩ في مصر و ثوره العشرين في العراق و احتلال فرنسا لسوريا. حنرجع ليهم كلهم بالتفاصيل بعدين لكن مؤقتا حنركز علي تركيا لان معظمنا عنده افكار كلها غلط عن تطورات الأوضاع في تركيا و دور مصطفى كمال بالذات و بنتلخبط لما بنشوف قائد إسلامي زي اردوغان يجل مصطفي كمال و يحفظ ذكراه. حنستمر نتابع تطورات الأوضاع في تركيا كذا حلقه الحقيقه.

شفنا في الحلقه اللي فاتت (مصدر ١) ان مصطفي كمال في اكتوبر ١٩١٨ عمل تقويه للدفاعات العثمانيه في الأناضول و في غازايانتيب علي الحدود السوريه التركيه الحاليه تحسبا لدخول جيش اللنبي لاقتحام الأناضول. بعدها بأيام أعلنت الدوله العثمانيه استسلامها.

الفتره من اكتوبر ١٩١٨- مايو ١٩١٩ كانت فتره سيئه جدا في تركيا. مكانش فيه وقود خلال الشتا. المدن التركيه كانت بارده و مظلمه و مقهوره. لكن مكنش فيه احتلال بالمعني الحرفي للكلمه. جيش اللنبي وقف عند غازايانتيب. الاسطول البريطاني كان موجود في اسطنبول و ممرات البسفور و الدردنيل لكن مكانش الجنود البريطانيين بينزلوا اسطنبول ذاتها الا قليلا. السلطان محمد نفى السلطان عبد الحميد و هربت كل قيادات حزب تركيا الفتاه خارج تركيا. و كان معروف ان السلطان محمد حينفذ اي حاجه بريطانيا و حلفائها حيقدموها ليه. بالعكس كل هدف السلطان محمد كان يحسّن شروط الاستسلام قدر الإمكان بأنه يوري بريطانيا قد ايه انه مهاود. بريطانيا فرضت علي الجيش العثماني انه يحط كل سلاحه في مستودعات السلاح الا فقط المطلوب للامن الداخلي. الجيش البريطاني استولى على محطات السكه الحديد و المواصلات الرئيسيه في تركيا و كان مفتشين بريطانيين يروحوا يزوروا معسكرات الجيش العثماني يتأكدوا انهم ملتزمين بنزع السلاح. غير كده مكانش فيه وجود قوي للجيش البريطاني و بصفه عامه بريطانيا سابت الأناضول بشكل عام في حاله. ده طبعا مختلف تماماً عن المناطق العربيه في سوريا او مصر ار العراق اللي كان فيهم مليون جندي بريطاني ظاهرين في كل مكان و متحكمين تماماً في كل الامور.

كان بيتقال وقتها ان السلطان محمد حيوقع اي ورقه بريطانيا تحطها قدّامه. المشكله الوحيده هي ان بريطانيا و حلفاؤها مكانوش قادرين يتفقوا على شكل الورقه دي! حيحصل هنا مجموعه من التدخلات الالهيه التي لا مثيل لها الحقيقه. و لا بمكن توصف الا تدخلات الهيه. لكن برضه ربنا متدخلش الا لان الأتراك برضه اتحركوا. حنشوف ازاي.

إيطاليا وافقت انها تدخل الحرب مع الحلفاء في مقابل ان بريطانيا و فرنسا تدي إيطاليا نصيب في الامبراطورية العثمانيه. إيطاليا و فرنسا وقعوا اتفاقيه سان جين دي موريان في منتصف ١٩١٧ بتدي اجزاء من الأناضول لإيطاليا. بريطانيا بعد الحرب اتلككت لإيطاليا ان المعاهده بتشترط موافقه روسيا و لان روسيا ما وافقتش اذن المعاهده باطله. طبعا بعد المعاهده كان مستحيل روسيا توافق لان الثوره البلشفيه كانت قامت فيها خلاص.

إيطاليا اصرت انها تاخد حقها ناشف زي ما بيقولوا. في مفاوضات فرساي لإنهاء اتفاقيات عالم ما بعد الحرب، رئيس وزرا إيطاليا عمانويل اورلاندو كان مقتنع ان موقف إيطاليا ضعيف فعلا. لانها معندهاش اي ارتباط تاريخي بالأناضول. المشكله كانت ان الرأي العام الايطالي كان بيعيش حاله حمى وطنيه عن عظمه إيطاليا و انها ستستعيد أمجادها في البحر المتوسط ايام الامبراطورية الرومانيه. عمانويل اورلاندو كان خايف جدا انه لو مقدرش يقنع الحلفاء انه يطلع بحاجه موقفه حيبقي سيئ جدا في إيطاليا من الناحيه السياسيه و لا يعاد انتخابه.

تعليق جوده: كتير من المصريين بينسوا اهميه الرأي العام في الغرب. للاسف لأننا متعودين ان الحكام بيعملوا كل حاجه. بننسى ان الدول دي ديمقراطيات حقيقيه.

عملنويل اورلاندو قرر انه يحط الحلفاء قدام الامر الواقع. في ١٥ مارس ١٩١٩ الجنود الايطاليون نزلوا في مدينه اضاليا (أنطاليا حاليا) بحجه الحفاظ علي النظام فيها. في الاول كانوا بيقولوا انهم حينزلوا من السفن يحافظوا على النظام و بعدين يرجعوا السفن تاني. بمرور الوقت و بحلول مايو ١٩١٩ الطليان بقوا ينزلوا من السفن في أنطاليا و يفضلوا قاعدين في أنطاليا. بقوا فعلا قوه احتلال في أنطاليا. و مش يقفوا عند أنطاليا كمان ابتدوا يتحركوا في أتجاه مدينه مرمليس. بص على الخريطه المرفقه حتلاقي واضح طبعا ان توجه إيطاليا كان انها تحتل الساحل من أنطاليا لحد ازمير (وقتها كان اسمها سميرنا). يعني تحتل أنطاليا و مرمريس و بودرم و ازمير. كل الساحل الذهبي التركي. المنطقه دي وقتها كان فيها جاليه يونانيه قديمه. لاحظ ان أصول الحضاره اليونانيه القديمه الحقيقه كانت في منطقه بحر ايجه الفاصل بين تركيا الان و اليونان الان. مثلا مدينه طروادة اليونانيه الشهيره موجوده بالقرب من مدينه كاناكالي التركيه الحاليه شمال غرب ازمير. حوالي نصف سكان ازمير (سميرنا وقتها) كانوا مسيحيين من اصل يوناني (مصدر ٢).

رئيس وزرا بريطانيا وقتها ديفيد لويد جورج كان عنده كذا موضوع شاغل باله:

١- هوه كان مسيحي متطرف و مقتنع بوجوب دحر المسلمين. مصدر ٢. 

٢- كمان هو كان متاثر جدا بالحضاره الهيلينية اليونانيه القديمه و مقتنع انها المفروض ترجع لعظمتها القديمه. و بالخصوص طالما فيه اقليه يونانيه كبيره في ساحل الأناضول اذا فاليونان احق بساحل سميرنا كله و انه يجب نزعه من الأتراك المسلمين و ضمه لليونان. 

٣- لويد جورج كان تحت ضغط اقتصادي رهيب. بريطانيا طالعه من حرب تقريبا حطمتها و بالتالي معندوش فلوس انه يحتفظ بجيش مليون جندي في المناطق العربيه من الدوله العثمانيه (وقتها كانت ثوره ١٩ في مصر مجهده أكتر و أكتر لبريطانيا و بتخلي الجيش ده لازم يفضل موجود). فمش ناقص يعني انه يحط جنود بريطانيين أكتر كمان في تركيا ذاتها. خصوصا ان الجيش البريطاني لأول مره ابتدا وقتها يحصل فيه تمرد ضد الأوامر لان الجنود ببساطه شايفين انهم خلاص كسبوا الحرب و عاوزين يرجعوا بريطانيا و بيقولوا احنا ايه صالحنا في اننا نقعد نعمل شغل الشرطه اننا نحافظ علي الاحتلال في دول شعوبها مش عاوزانا أساسا.

لذلك ديفيد لويد جورج كان عاوز يرمي مشاكل تركيا علي امريكا. رئيس امريكا وودرو ويلسون وقتها كان عنده المبادئ الا ١٤ و واحد منهم هو حق تقرير المصير الشعوب. لذلك كان سهل قوي ان لويد جورج يقنع وودرو ويلسون انه طالما ان في مسيحيين كتير في سميرنا و من اصل يوناني ان سميرنا تروح لليونان وفق حق تقرير المصير.

الوفد الايطالي حس ان بريطانيا و امريكا بيتأمروا ضده. كمان خاف ان المعارضه في إيطاليا بتتآمر ضده. لذلك قرر عمانويل اورلاندو انه يرجع إيطاليا عشان يهيج الرأي العام الايطالي ضد حلفاء إيطاليا !

بخروج إيطاليا من مفاوضات فرساي، الجو خلي تماماً لبريطانيا و امريكا. في ٢ مايو ١٩١٩ الرئيس ويلسون قال انه حيبعت الاسطول الامريكي يحارب ضد إيطاليا مع ورود تقارير ان إيطاليا بتعمل إنزال بحري في سميرنا.

ديفيد لويد جورج الف قصص ان إيطاليا بتعمل انتهاكات حقوقيه في سميرنا و اقنع ويلسون بيها. في ٧ مايو الحلفاء سألوا اليونان انها تنزل قوات في سميرنا عشان تحافظ علي الامن فيها!

في ١٥ مايو ١٩١٩ اليونان دخلت سميرنا (أزمير الحاليه) و احتلتها. طبعا الموضوع وقتها تم إعلانه انه اجراء مؤقت فقط للحفاظ علي الامن. لكن رئيس وزرا اليونان اليوثيريوس فنيزيلوس كان طبعا عاوز يضم كل الساحل التركي لليونان لاعاده تأسيس الحضاره الهيلينية. لويد جورج كان مقتنع جدا بكده بتاثير قناعاته المسيحيه. ودرو ويلسون كان مقتنع بكده بتأثير كلامه عن حق تقرير المصير.

دي كانت الغلطه الكبري اللي الحلفاء وقعوا فيها! في ١٩ مايو ١٩١٩ حصلت مظاهره كبيره في ميدان السلطان احمد في اسطنبول (الصوره الثانيه) ضد الانزال اليوناني في سميرنا (ميدان السلطان احمد هو الفاصل بين مسجد السلطان احمد الشهير و مسجد أيا صوفيا الشهير ايضا و هو الان حديقه كبيره مفتوحه و من اجمل مناطق اسطنبول).

sykes_pico_33_3

المظاهره دي نظمها جمعيه سريه اسمها قرقول. و هي جمعيه من الضباط الصغار في الجيش العثماني اللي شافوا ان الهزيمه حصلت بسبب الضباط الكبار و انهم كضباط صغار و جنود مستعدين يدافعوا عن بلدهم بأي شكل و ان بلدهم مش حتستلم بشكل مهين. بس الحقيقه قراقول كانت اكبر من كده. لان الضباط في قراقول كانوا بيمثلوا انهم بيتعاونوا مع السلطان محمد السادس و مع الاحتلال البريطاني لكن في الحقيقه هم ضده في السر و ده خلاهم يبقوا في مناصب مهمه جدا داخل حكومه اسطنبول الرسميه لكن في الحقيقه بيساعدوا مصطفي كمال انه يقلب حكومه اسطنبول.

مصطفي كمال وقتها رجع اسطنبول بعد تنظيم الدفاعات في غازيانتيب و كان برضه بيمثل التعاون مع حكومه السلطان محمد السادس المواليه للاحتلال البريطاني.

الرأي العام التركي في داخل الأناضول ابتدى يصحى ان تركيا بدأت تنهار و انهم لازم يقوموا. بدأت ترد تقارير لإسطنبول ان المواطنين الأتراك المسلمين ابتدوا يعتدوا علي المسيحين اليونان و الأرمن بالذات في منطقه سمسون علي ساحل البحر الاسود في تركيا.

بالمناسبه. ثوره ١٩١٩ في مصر برضه كانت كلها هجوم من المسلمين ضد المصالح اليونانيه و الاجنبيه المسيحيه في مصر. بننسى احنا ان وقتها معظم اراضي الريف في الدلتا كانت مملوكه ليونانيين و كانوا بيضطهدوا الفلاحين اللي اغلبهم طبعا مسلمين. بننسى ان أغنى شخص في اليونان كان مليونير مصري كون ثروته كلها في مصر و لدرجه ان واحد منهم زي جورج افيروف (مصدر ٣) بنى جامعه اثينا بفلوسه اللي كونها في مصر. معظم ثوره ١٩ في مصر كانت فلاحين مسلمين بيعتدوا علي ملاك الاراضي اليونانيين. و جزء من ده كان تعاطف مع اخوانهم الأتراك المسلمين. لذلك ظهور وحده الهلال مع الصليب في شوارع القاهره لاحقا في ثوره ١٩ كان في الحقيقه رده فعل من المسيحيين المصريين انهم يفصلوا نفسهم عن اليونانيين و ميلحقهمش رده الفعل القويه اللي كانت اسلاميه بشكل ضخم جدا. و ده طبعا موقف وطني يحسب تماماً للاخوه المسيحيين. لاحقا هذا الجزء من التاريخ تم محوه تماماً تماماً. لما نرجع تاني لمصر حنورد الكلام ده بالتفصيل و من شهود العيان اليونانيين وقتها اللي كتبوا كتب للاسف بالجريجي و محدش ترجمها لكن بعون الله حنتعلم بعضها و نعرضها.

نرجع لتركيا. لما حصلت اضطرابات سمسون، بريطانيا طلبت من السلطان محمد انه يبعت جيش لسمسون عشان يستعيد النظام. السلطان و مستشاروه ملقوش احسن من مصطفي كمال عشان يبعتوه سمسون. مصطفي كمال وافق بس طلب صلاحيات عشان يسيطر علي الموقف. فعلا ادوله منصب جديد اسمه المفتش العام للجيش العثماني و ده بيديله صلاحيات يفرض طوارئ و ياخذ اي سلاح هوه عاوزه من مخازن الجيش العثماني!

في ٦ مايو ١٩١٩ مصطفي كمال اخذ قوات معاه في اتجاه سمسون فيما سيكون اهم تحرك عسكري في تاريخ المسلمين الحديث. في منتصف الليل وندهام ديدز مسئول المخابرات البريطاني في اسطنبول عرف ان مصطفي كمال حيعمل كده. وندهام حاول يتدخل عشان يوقف الموضوع لانه كان شاكك في مصطفي كمال لكن كان خلاص مصطفي كمال أتحرك في اتجاه سمسون.

مصطفي وصل سمسون في ١٩ مايو ١٩١٩ و فرض احكام عرفيه. و بدأ يجمع الجنود العثمانيين اللي كانوا راجعين من الجبهات و ينظمهم تحت قيادته. و بعدين ساب سمسون و راح ازروم في اقصي شرق تركيا و عمل نفس الكلام. و بعدين راح رايح سيفاس و برضه عمل نفس الكلام. يعني بحلول يونيو ١٩١٩ كانت الأناضول من سمسون لازروم لغازيانتيب تحت سيطره مصطفي كمال. و كل السلاح اللي فيها تحت قيادته. و بالرغم ان مصطفي كمال كان عنده نزعات علمانيه واضحه و ظاهره لكن أكتر مؤيديه كانوا شيوخ المساجد في الأناضول اللي شافوا فيه انه القائد اللي ممكن ينقذ تركيا. بالمناسبه ايضا و بالرغم ان الزي مش موضوع مهم في مصائر الشعوب لكن والده مصطفي كمال زبيده هانم و اخته مقبوله ارتدوا الحجاب حتى وفاتهم.

sykes_pico_33_2

في سبتمبر ١٩١٩ مصطفي كمال عمل مؤتمر في مدينه سيفاس حضره ممثلون من الأناضول و اصدروا الميثاق الوطني و هو اتفاق علي مقاومه الحلفاء و الحفاظ علي تركيا ضد الحكومه العثمانيه العميله في اسطنبول.

طبعا عدم وجدد قوات بريطانيه في الأناضول ساعد اتاتورك جدا بعكس مصر او سوريا اللي فيهم مليون جندي بريطاني. كمان الرغبه في المقاومه في تركيا بعكس رغبه الطبقات العليا في مصر و سوريا فقط لتحسين شروط الأحتلال. لكن الرغبه في المقاومه دي بيدعمها سلاح مكانش موجود قد مصر. لذلك احنا لازم نبص للامور بشكل أوسع. لان قدام مليون جندي بريطاني مكانش فيه خيار مسلح قوي قدام سعد زغلول. بالضبط زي الوضع في الهند. كتير احنا بنقارن بدون حقايق.

و نتابع.

المصادر:

——-

١- الحلقات السابقه مجمعه:

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- السلام الذي ينهي كل سلام:

https://books.google.com/books/about/A_Peace_to_End_All_Peace.html?id=OV0i1mJdNSwC&printsec=frontcover&source=kp_read_button&hl=en#v=onepage&q&f=false

٣- من هو جورج افيروف:

http://www.pe04.com/olympic/athens1896/anninos00_96.php

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s