سايكس-بيكو و الحرب العالميه الاولي… تلصيم الدوله العربيه! … الحلقه ٢٨

sykes_pico_28_the_arab_countries

الأحداث حتتسارع جدا لان خلاص الحرب و تسويات ما بعدها بدأت (كل الحلقات السابقه في مصدر ١). 

لكن قبل ما نخلص الاحداث حنقف شويه مع مذكرات لورانس (مصدر ٢). حنقول كذا حاجه ورا بعض و بعدين حنربط في الأخر الاحداث مع بعض عشان نشوف مدى هشاشه الدول العربيه اللي مستمره لحد دلوقتي. 

في يناير ١٩١٨ لورانس كتب:

“ان شكوك العرب و عدم ثقتهم في الغرب اخذ عمقا جديدا بوعد بلفور. ان وعد بلفور سياسه خطيره و السماح للصهاينه بالانتشار في مصر و فلسطين هو عمل احمق. لو بريطانيا تمادت في تلك السياسه فإنها ستجلب الدمار للحركه الوطنيه العربيه. او علي الأقل نهايتها كحركه مفيده للحلفاء”.

لورانس قابل ويليام يال ممثل المخابرات الامريكيه في الشرق الاوسط و قاله (مصدر ٣):

“لو قامت دوله يهوديه في فلسطين فهذه دوله ستقوم بالسلاح و ستستمر بقوه السلاح في وسط بحر كبير من السكان المعادين لها.”

و قاله ايضا:

“ان كلام سير مارك سايكس انه ستقوم دوله يهوديه و سيتقبلها العرب و لو علي مضض هو افراط في التفاؤل”. 

لاحظ اننا هنا بنتكلم عن ضابط بريطاني بيتكلم مع موظف مخابرات امريكاني ضد سياسه بلده الرسميه في وقت الحرب. كلام مش بيحصل في بريطانيا في ١٩١٨. 

عشان تهدي الثوره المصريه في ١٩١٧ و كجزء من حمله العلاقات العامه اللي كان منها ان حاييم وايزمان يزور مصر و الاطفال يستقبلوه بيغنوا هاتكفاه في اسكندريه زي ما شفنا في الحلقات السابقه (مصدر ١)، بريطانيا طبعا ضغطت علي لورانس انه ياخذ من الملك حسين و الامير فيصل تصريح ان وعد بلفور كويس و ان الصهيونيه حلوه. ده طبعا بالرغم ان لورانس نفسه مش مقتنع بكده.

لورانس راح زار الامير فيصل في ميناء العقبه في أوائل ١٩١٨ عشان يقنعه انه يطلع تصريح بكده. لورانس عرف مشكلتين:

١- انه الملك حسين مبقاش بيتكلم الا عن عبد العزيز بن سعود عدوه الاول. و انه من ساعه لما طلع حسين تصريح انه مش ضد وعد بلفور، و ابن سعود بيتهمه بالعماله لبريطانيا. مع ان ابن سعود نفسه برضه كان بياخد دعم من بريطانيا. 

٢- ان العقبه بقت كلها جنود بريطانيين و إمدادات بريطانيه و مدربين بيدربوا جيش فيصل. 

لورانس لاحظ حاجه مهمه جدا. انه كل لما زادت قوه فيصل و قوه جيشه كل لما زاد اعتماد فيصل علي بريطانيا و انه يبقي أسير للسياسه البريطانيه. و بالتالي فيصل برضه مكانش قدّامه غير انه يقول زي ما لورانس قاله انه مش ضد وعد بلفور. مع انه في الحقيقه لورانس نفسه كان ضده! 

لورانس رجع القاهره و قابل ويليام يال مره كمان و راح قايله حاجه غربيه جدا. قاله ان الأمل الوحيد للدوله العربيه الناشئه اللي هوه بيحاول يعملها علي أنقاض الامبراطورية العثمانيه انه تبقي الدوله دي برعايه امريكا لان العرب عندهم ثقه كبيره جدا في امريكا (مصدر ٣). 

في نفس الوقت ده رئيس امريكا ويلسون أعلن مبادئ ويلسون ال ١٤. ربما مفيش اعلان في القرن العشرين كان بأهميه المبادئ دي لانها قضت تماماً علي الاستعمار الاوروبي اللي استمر ٢٠٠ سنه من وقت الاكتشافات الاوروبيه. و بقت بس مسأله وقت لحد لما الاستعمار ده ينتهي. المبادئ كان اسمها نقاط السلام الاربعه عشر. The fourteen points for peace. 

شعوب العالم كله بقي عندها امل فعلا ان المبادئ دي تحل كل مشكلات الكره الارضيه. الفكره انه بدل الحروب يبقي فيه منظمه امّم متحده يتم خلالها علاج الصراعات من خلال النقاش. بالنسبه للشعب الألماني او البريطاني اللي كان شبابه كلهم بيموتوا في الحرب المبادئ دي كانت إنقاذ. 

النقطه ١٢ كانت بتتكلم عن الدوله العثمانيه و قالت ان الجزء التركي منها له الحق في دولته المستقله. و لكن قالت ان بقيه الشعوب اللي دلوقتي تحت الحكم التركي لها الحق في ضمان الحياه الامنه و التطور المستقل دون تأثير خارجي. Unmolested opportunity of autonomous development. 

طبعا ده كلام زي ما كتب لورانس وقتها، ملوش علاقه خالص باتفاق سايكس بيكو و لا بوعد بلفور. ده كلام مختلف خالص (مصدر ٣). 

تعالوا نربط الكلام كله ببعض و نفهم ليه:

لورانس كان ضد الدوله اليهوديه لسبب مهم. هوه كان بيعمل دوله قوميه عربيه مستقله عن تركيا. هذه الدوله حتبقي هشه جدا لو قام جنبها دوله يهوديه. ليه؟ لسببين. الاول انها دوله معرضه للضغوط من الغرب بسهوله لان الغرب عاوزها تتقبل الدوله اليهوديه دي. و مل لما علاقه الدوله دي مع الغرب تزيد زي علاقه فيصل كده، كل لما الدوله دي حتقبل و لو علي مضض انها تطبع مع الدوله اليهوديه. في حين ان شعب الدوله العربيه دي معادي تماماً لفكره الدوله اليهوديه بصرف النظر عن النخبه اللي استقبلت حاييم وايزمان في اسكندريه. السبب التاني انها دوله معرضه للمزايدات من جيرانها زي ابن سعود كده اللي حيتهمها انها خائنه بتقبل السلام مع الدوله اليهوديه. 

و ده بيلخص تاريخ الدوله العربيه، اي دوله عربيه، من ساعه لما قامت. بص كده. الاْردن يحاول يعمل سلام مع اسرائيل. يقوم الشعب الفلسطيني يغتال الملك عبد الله ملك الاْردن. و تقوم مصر تهاجم الاْردن و تتهمها بالعماله. كل يوم عبد الناصر كان يقول الملك حسين عميل. مصر تعمل سلام مع اسرائيل. الشعب المصري يقتل السادات. و الدول العربيه المجاوره لمصر بما فيها الاْردن و السعوديه و العراق تتهم مصر وقتها بالعماله. السعوديه تسمح للجنود الامريكان يدخلوا السعوديه. يظهر ابن لادن و يحرم ده و يتهم ال سعود بالخيانه. و كمان الشعوب العربيه ذاتها تتهم ال سعود بالخيانه. و هكذا دواليك. دايره مستمره دون انقطاع. تتغير الاحداث و الأشخاص لكن ديناميكا التاريخ مستمره. 

و ده طبعا بيضعف الدوله القوميه العربيه دي و بيخليها مكشوفه باستمرار. و بيخليها هشه. 

و بعدين تيجي محاولات تلصيمها. التلصيم ده بيحصل بطريقتن زي ما لورانس عمل:

١- المساعدات سواء عسكريه او اقتصاديه. لكن كل لما المساعدات تزيد كل لما اعتماد الدوله القوميه دي علي الغرب بيزيد و كل لما بتبقي معرضه للضغط أكتر و الضغط كله بيبقي في اتجاه تقبل الدوله اليهوديه و ده يخلي الدوله العربيه هشه اكثر و هكذا نستمر دواليك. 

٢- طلب تدخل امريكا انها تحل الصراع في الشرق الاوسط. و ده برضه كلام مستمر لحد دلوقتي. 

طيب ايه المشكله في تدخل امريكا و تحل الصراع و نعيش كويس مع اليهود و خلاص؟ 

فيه ٣ رؤى لشكل الشرق الاوسط:

١- عالم ما قبل انهيار الدوله العثمانيه. و هو عالم تعيش فيه قوميات و عرقيات الشرق الاوسط في دوله واحده ليس بداخلها حدود. و هذا العالم برغم مشاكله وقتها ممكن تطويره ليصبح مماثلا للاتحاد الاوروبي الان. 

٢- العالم الذي نعيشه الان و به دول قوميه عربيه هشه و دوله يهوديه قايمه بشكل مستمر علي السلاح. 

٣- عالم مبادئ ويلسون الاربعتاشر. و فيه ان كل قوميه و عرق في الشرق الاوسط يبقي له دوله مستقله او شبه مستقله. زي عرقيات البوسنه او كوسوفو. 

مفيش حل رابع. هوه حاجه من التلاته دول. اسرائيل الان واضح جدا انها تعمل علي ٣ محاور: تفتيت الشام و العراق وفق مبادئ ويلسون او اسوء ببساطه لان التفتيت ممكن. و ابقاء مصر دوله قوميه عربيه تحت حكم عسكري يضمن تكميم الشعب المصري و إبقائه داخل قمقم بعيدا في نهر النيل و يفصله عن اسرائيل صحراء سينا و تظل سينا صحرا مانعه حاجزه buffer بضمان الجيش المصري. و المحور التالت و الأخير هو ابعاد تركيا تماماً عن التدخل في الشرق الاوسط سواء الشام او مصر حتي لا يعود الحل الاول بقوه. 

عشان يحصل كده لازم طبعا يكون فيه دم غزير في الشام عشان تقدر تفتته لقوميات و عرقيات موزايك زي ما حصل في البوسنه. و احنا شايفين كده. و لازم يبقي فيه قمع ضخم جدا في مصر و ده برضه احنا شايفينه. 

العجيب ان سياسي درزي مخضرم زي وليد جنبلاط في لبنان بيقول دلوقتي انه يتمني عوده الدوله العثمانيه مقارنه بالعذاب اللي شعوب الشرق الاوسط شايفاه دلوقتي. 

احنا شايفين الامور كلها واضحه. ياريت انتم كمان تشوفوها معانا. 

و نكمل. 

المصادر:

——–

١- الحلقات السابقه مجمعه:

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- مذكرات لورانس:

https://books.google.com/books/about/Seven_Pillars_of_Wisdom.html?id=HjWFCAAAQBAJ&printsec=frontcover&source=kp_read_button#v=onepage&q&f=false

٣- لورانس في بلاد العرب:

https://books.google.com/books/about/Lawrence_in_Arabia.html?id=99NTgkPUh9AC&printsec=frontcover&source=kp_read_button#v=onepage&q&f=false

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s