سايكس بيكو و الحرب العالميه الاولي… عباس حلمي الثاني… الحلقه ٢٧

sykes_pico_27

في مارس – ابريل ١٩١٨ المانيا و حلفائها كانوا علي وشك الانتصار. روسيا استسلمت قدام الجيش الألماني. المانيا بدأت الهجوم المعروف بأسم “مايكل” اللي تقريبا قطع الجبهه الغربيه و الجنود الألمان حققوا فيه تقدم في جبهه فرنسا محصلش من بدايه الحرب. لدرجه ان الإنجليز وقفوا الحرب تماماً في الشرق الاوسط و بعتوا قوات من جيش اللنبي اللي كان موجود في فلسطين و راحوا علي الجبهه الغربيه في فرنسا عشان يحاولوا يوقفوا تقدم الألمان. و بالتالي بدل ما اللنبي يبدأ زحفه من فلسطين في اتجاه دمشق عشان يطارد الأتراك، الزحف اللي كان المفروض يبدأ في مارس، اضطر انه يقف في مكانه تماماً في القدس. و شفنا ده في الحلقه السابقه (مصدر ١). 

في الوقت ده ابتدا يعلى نجم الخديو عباس حلمي التاني و ابتدا يظهر. عباس حلمي التاني يبقي ابن الخديو توفيق و حفيد اسماعيل اللي هو ابن ابراهيم باشا اللي يبقي ابن محمد علي باشا. يعني عباس حلمي كان من الفرع الرئيسي لعائله محمد علي. 

في ٨ يناير ١٨٩٢ مات ابوه الخديو توفيق فجأه و كان عباس سنه حوالي ١٨ سنه. و اصبح خديو. عباس كان صغير في السن و كان عاوز يبقي حاكم حقيقي علي مصر و يمارس سلطاته. كمان عكس اجداده كان متعلم في سويسرا و بريطانيا و شاف الدنيا و بالتالي كان حاسس انه ممكن فعلا يبقي مختلف. و بالتالي دخل في صدام مع اللورد كرومر المعتمد السامي البريطاني في مصر و الحاكم الحقيقي. كان عباس حلمي عاوز يشيل رئيس الوزرا و يحط مكانه واحد موال له و لديه ميول وطنيه و غير موال للإنجليز. بريطانيا شعرت بكده و بعتت جواب لعباس بتفكره انه لازم يستشير بريطانيا عند تعيين او تغيير اي وزير. في ١٨٩٩ عباس حلمي كان بيفتش علي الوحدات العسكريه المصريه المرابطه في أسوان. فقال كلام سيئ عن الضباط الإنجليز اللي بيقودوا الوحدات دي. كتشنر كان وقتها قائد الجيش المصري. (طبعا بعدها بقي المعتمد السامي في مقر و بعدين بقي وزير الحربيه في بريطانيا في بدايه الحرب العالميه الاولي. و كل ده بسبب نجاحه في وأد الثوره المهديه في السودان عام ١٨٩٩). كتشنر قدم استقالته بسبب تعليقات الخديو عباس حلمي لانه الخديو يبقي شكليا رئيسه المباشر. كرومر رفض الاستقاله و اجبر عباس حلمي انه يتراجع عن كلامه. 

عباس حلمي قصاد كده غير سياسته من مواجهه مباشره مع الإنجليز لمواجهه غير مباشره. بالعكس ابتدئ يزور بريطانيا و يقول كلام كويس عن الاحتلال البريطاني. لكن في السر عباس حلمي كان بيمول الحركه الوطنيه المعاديه للإنجليز. مثلا كان بيمول مصطفي كامل باشا و الحزب الوطني بتاعه. و كان بيمول جريده المؤيد المعاديه للبريطانيين. 

في الوقت ده عباس حلمي كان عنده برضه اهتمام كبير بالزراعه و تطويرها. في عهده تم افتتاح سد أسوان و قناطر أسيوط. و كمان هوه اللي عمل المزرعه التجريبيه في حدائق القبه. اللي لسه اسمها حدائق القبه مع انها بقت في عهد الجيش بدون اي حدائق. و هوه اللي عمل حدائق المنتزه. و سماها المنتزه. و طبعا هوه اللي عمل كوبري عباس في القاهره عشان يربط الجيزه بالقاهره و افتتحه عام ١٩٠٨. الحقيقه الفتره دي نقدر نقول عليها من افضل الفترات في تاريخ مصر الحديث. لان كان فيه مشاريع حقيقيه. و الاقتصاد المصري كان اتحسن جدا بعد اسماعيل و توفيق و كان فيه مشاعر وطنيه حقيقيه ضد الإنجليز. 

لو نفتكر كمان ان جامعه القاهره اتعملت في عهده بتبرعات من المصريين هوه شخصيا كان بيشجعها و بيشجعها أميرات من العيله المالكه. 

لو نفتكر كمان ان طه حسين راح فرنسا في عهده. و بدايات نهضه مصر الثقافيه فعلا ابتدت وقتها. كان فعلا عهد من التنوير و كان فيه نشاط ثقافي. و كتير بيقولوا انه عهد عبد الناصر مثلا كان فيه نشاط ثقافي و الحقيقه انه كان نتاج عقود من التنوير بدأت مع مطلع القرن ٢٠ و كان نتيجتها النشاط الثقافي في الخمسينات. للاسف اللي احنا شايفينه دلوقتي من دمار ثقافي هو نتاج مباشر لسيطره مفاهيم الجيش علي الحكم. 

عباس حلمي مكانش ملاك في علاقاته العامه و لا الشخصيه. مثلا في تركيا كان متجوز ٣ و عنده عشيقه فرنسيه. و مكانش بيتكلم عربي. احنا كتير بنلخبط بين الامور الشخصيه و العامه. دائماً عاوزين خليفه راشد. بينما الحقيقه انه بس محتاجين شخص عاقل متمكن يحترم الشعب المصري و فاهم وضعه كجزء من العالم العربي و الاسلامي. بس. مش كتير يعني. و حكام الجيش بيستغلوا ضعف المصريين ناحيه الامور الشخصيه و دائماً يظهروا نفسهم في مظهر الحاكم القوي المتدين! بيضحكوا علينا. بينما الحقيقه هم لا يحترموا الشعب المصري و في أحاديثهم الخاصه يتحدثون عنه بالسوء زي مبارك و السيسي اللي مثلا بيقول المصريين مش بيشتغلوا و انه حيحاسبهم علي كل حاجه. مثلا يعني. بما فيها الفكه. 

لورد كتشنر في ١٩١٢ بقي المعتمد السامي البريطاني. و كتشنر كان بيكره عباس حلمي. لدرجه انه سماه “الخديو الصغير الشرير” the wicked little khedive. مصدر ٢. 

لما قامت الحرب العالميه الاولي و تركيا دخلتها ضد بريطانيا، كان عباس حلمي في اسطنبول بيتعافى من محاوله اغتيال غامضه ضده. كتشنر انتهز الفرصه و شاله في ديسمبر ١٩١٤ بحجه انه مش عاوز يرجع مصر في وقت الحرب و حط مكانه عمه حسين كامل و لغى الخديويه لانها تابعه اسميا لتركيا و سمى مصر سلطنه و أدى حسين كامل لقب سلطان تحت الحمايه البريطانيه و فرض احكام عرفيه شديده جدا في مصر. 

عباس حلمي كان بيحاول يساعد الأتراك و يقوم ثوره ضد الإنجليز في مصر. و شارك بنفسه في هجمات الأتراك ضد الإنجليز في سينا في أوائل الحرب. 

عباس كان بيحاول يقنع تركيا و المانيا انه هوه يبقي ملك دوله عربيه كبيره في مصر و الشام و العراق و الحجاز و الدوله دي تكون مواليه للاتراك و الألمان. عباس كان عارف اتصالات بريطانيا و حتي تركيا السريه مع الشريف حسين و كان رأيه انها تضييع وقت. و انه هوه عباس حلمي الاجدر من حسين انه يبقي الملك للدوله العربيه دي. طبعا الفارق ان حسين عنده قوات علي الارض بتساعد البريطانيين. و عباس حلمي كان لسه بيحاول يعمل ثوره في مصر. 

لكن مع اجتياح بريطانيا لفلسطين خف صوته و ابتدى محدش يهتم بيه و هو عايش في اسطنبول. 

لكن فجأه حصلت عده عوامل في أواخر ١٩١٧ و أوائل ١٩١٨ خلت الألمان يهتموا جدا بعباس حلمي و يشوفوا ان مشروعه ممكن جدا. 

١- حدثت ثوره ١٩١٧ في مصر زي ما شفنا في الحلقات السابقه (مصدر ٣). 

٢- ابتدت اخبار الثوره دي توصل للعالم كله رغم وحشيه بريطانيا و البوليس المصري في التعامل معاها. 

٣- شفنا ان الثوره دي كان اهم اسبابها وعد بلفور و تسريبات سايكس بيكو.

الشعب المصري بطبيعته متعاطف جدا مع قضيه فلسطين. ده طبعا قبل مارس ١٩١٨ زي ما شفنا ان النخبه المصريه استقبلت حاييم وايزمان في اسكندريه و طلبه المدارس غنوا له الهاتكفاه. مصدر ٤. 

٣- مع بدايات نجاح الهجوم الألماني في مارس ١٩١٨ في فرنسا و توقف هجوم اللنبي في فلسطين، بدا ان كلام عباس حلمي ممكن فعلا يساعد المجهود الحربي الألماني. 

طول الوقت المانيا و تركيا مقطعوش علاقتهم مع عباس حلمي. بالعكس كانوا مخليينه في اسطنبول و علي اتصال مع كورت بروفر ضابط المخابرات الألماني اللي اتعرفنا عليه قبل كده (مصدر ١). 

صوت عباس حلمي ابتدئ يطلع لدرجه انه في مارس ١٩١٨ طلب من كورت بروفر انه يسافر بلجيكا عشان يقابل قيصر المانيا ويلهلم بنفسه. و كان القيصر وقتها في بلجيكا عشان يشرف علي الهجوم الألماني هناك. بالرغم انه طلب جرئ و مباشر. كورت ابتدئ يحاول ينفذه. فعلا عباس حلمي قابل القيصر في بلجيكا في يوليو ١٩١٨. لكن مع الوصول ليوليو الوضع في كل الجبهات كان اتغير تماماً و كانت نهايه الحرب خلاص قربت زي ما حنشوف في الحلقات القادمه. 

في نقطه مهمه كدا لازم نفهمها. الحقيقه اي دوله كبيره في وقت الحرب بتستقبل لاجئين سياسيين من الدول العدوه و حتي الصديقه. و حتي لو ملهمش نفع دلوقتي بيفضلوا علي اتصال معاهم و حمايه ليهم. ببساطه لانه محدش عارف ممكن يحصل ايه. و بيشيلهوم ببساطه لوقت عوزه. و بيبتدوا يظهروهم و يلمعوهم لما يبقي فعلا في احتمال ان الاحتياج ليهم يزيد. 

الحقيقه ان احمد شفيق هو اهم مثال علي كده. الراجل في عمره في الامارات بالضبط زي كده عباس حلمي في فتره نقاهه في اسطنبول. و كل لما نجم احمد شفيق يظهر نعرف علي طول ان الامارات ابتدت تزهق من السيسي. لذلك راقب احمد شفيق و ظهوره عشان تعرف اتجاهات تفكير حكام الامارات. اللي هي في الحقيقه المعتمد السامي البريطاني في مصر. 

و نتابع. 

المصادر:

——

١- الحلقات السابقه من صفحات مخفيه من تاريخ مصر:

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- علاقه عباس و كتشنر:

https://books.google.com/books?id=Z7guCwAAQBAJ&pg=PT91&lpg=PT91&dq=abbas+lord+kitchener+wicked+little+khedive&source=bl&ots=esm7SfA4nJ&sig=hiRc1erl19X8ZIz8x6vdn4Uc-CE&hl=en&sa=X&ved=0ahUKEwizqsfL_bbPAhUEWSwKHbPzAIoQ6AEIJTAB#v=onepage&q=abbas%20lord%20kitchener%20wicked%20little%20khedive&f=false

٣- ثوره ١٩١٧ في مصر:

https://m.facebook.com/jawda.org/photos/br.AbqSYRCOwvtW99qbZVNpWhO2pp70rr1jBrXyFTB1tRpEg54iQeI4G6FQD1Nsk94wvGTsjhZo57xD7uOZtNGoPCFP4A8MTK6bYLm7-qT5ekORDBaF77m8qAoq0NSMtm6Fr4ydzK4h4BPYduuvdnWAUriT6neHbGBvyN2o_7u_TXszsc_CTGMkhX0ZtbgCfRj2sNY/1170545566348988

٤- استقبال حاييم وايزمان في مصر لوأد ثوره ١٩١٧:

https://m.facebook.com/jawda.org/photos/a.760968033973412.1073741895.524906364246248/1170545566348988/?type=3&source=48

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s