لماذا يجب ان يخشي السيسي مصير بشير؟

Why_Sisi_Should_be_concerned

في ١ سبتمبر ١٩٨٢ حوالي الساعه ١ بعد منتصف الليل هبطت طائره هليكوبتر تابعه لجيش الدفاع الاسرائيلي في موقع عسكري إسرائيلي في مدينه نهاريا شمال تل ابيب و بها المقر الصيفي لرئيس وزراء اسرائيل. 

في مدرج الهبوط كانت ناقله عسكريه في انتظار الضيوف. احدهم كان فادي افريم المسئول السياسي في قوات الكتائب اللبنانيه الذي صاح في وجه مسئول الموساد الاسرائيلي الذي رافقهم من جونيه شمال بيروت حتي نهاريا قائلا: “ليست هذه الطريقه التي يُستقبل بها الرئيس المنتخب للبنان”

كان علي الطائره بشير الجميل الرئيس المنتخب للبنان و قائد قوات الكتائب اللبنانيه. لم تكن هذه زياره بشير الجميل الاولي لإسرائيل. و لكنها بالتأكيد كانت الاخيره. 

كان في انتظار بشير الجميل و مرافقوه كل قمه صناعه القرار في اسرائيل: مناحم بيجين رئيس الوزرا، ارييل شارون وزير الدفاع، إسحاق شامير وزير الخارجيه، رفاييل آيتان رئيس الاركان، و كل قيادات المناطق العسكريه الاسرائليه. 

علي عكس الاجتماعات السابقه بين بشير و بيجين لم تكن هناك ابتسامات عريضه. كان هناك برود شديد بين بيجين و بشير. بدأ بيجين الاجتماع بمدح بشير الجميل و الكتائب. ثم تحدث بشكل مطول عن التضحيات الاسرائليه من اجل لبنان و من اجل الكتائب و الثمن الضخم الذي تدفعه اسرائيل لمساعده الأصدقاء المسيحيين في لبنان (عانت اسرائيل من نسبه تضخم زادت عن ١٩٠٪ في أعوام ١٩٨٢ و ١٩٨٣ نتيجه تبعات الحرب في لبنان). ثم انتقل بيجين للموضوع و قال: “و لكنك جاحد لكل هذه التضحيات الاسرائليه. و انا أتوقع ان توقع بالنيابه عن لبنان معاهده سلام اسرائيليه لبنانيه”. 

كان رد الجميل كالتالي: “لو انت تريد التخلص مني اذن فأنا مستعد لتوقيع المعاهده هذه الليله”. “انا قلتلك كثيرا ان الامر سيستغرق وقتا. تماماً كما حدث بينكم و بين شاه ايران. لو ارغمتني ان أوقع الان يجب ان تأخذ في الحسبان انك يجب ان تبقي في لبنان للأبد لحمايتي من الاطراف الذين يريدون قتلي”. 

انتهي الاجتماع دون التوصل لشيئ بين بيجين و الجميل (نص الحوار في مصدر ١ و هو كتاب شيمون شافير كره التلج و شيمون هو مراسل القناه الاولي الاسرائليه و اهم معلق سياسي في اسرائيل و روايته هي عن احاديث مع ساسه اسرائيل بعد الحرب و يعد اهم كتاب عن حرب ١٩٨٢). 

كانت العلاقات بين اسرائيل و الكتائب اللبنانيه قد بدأت في ١٩٧٥ عندما طلبت الكتائب مساعده اسرائيل بتوصيه من الملك حسين ملك الاْردن للدفاع عن المسيحين في لبنان ضد هيمنه الفلسطينين فيها. مع حلول عام ١٩٨١ كانت تلك المساعدات وصلت لحوالي ١٢٠ مليون دولار في العام بالاضافه ان تدريب قوات الكتائب في اسرائيل قد اصبح مشهدا معتادا. كان ارييل شارون زائر مستديم لجونيه مركز قوات الكتائب و ادرك اللبنانيون ان شارون يحب الطعام الجيد فكانوا يستوردون الجمبري و الجبن له من فرنسا. 

في ديسمبر ١٩٨١ وافق شارون و بيجين علي غزو لبنان بهدف القصاء علي ياسر عرفات و منظمه التحرير الفلسطينيه. كان هدف بيجين صراحه هو تقويض مبادره فيليب حبيب مبعوث امريكا في الشرق الاوسط. كان بيجين يشعر ان امريكا بصدد إطلاق مبادره للسلام مع الفلسطينين بالتعاون مع الدول العربيه (لاحقا اصبحت مشروع فهد للسلام) و رأي بيجين ان القضاء علي منظمه التحرير يقوض المبادره من اساسها (مصدر ٢). 

قبل بدايه الحرب كان رأي بيجين ان اسرائيل ستتوج بشير الجميل رئيساً للبنان و هو الذي يتعامل مع اسرائيل بشكل سري و مستمر. كان بيجين معجبا ببشير و يعتبره بمثابة ابنه. 

كان جزءا من خطه الحرب الاسرائليه في لبنان ان تصل اسرائيل لمشارف بيروت و لكن لا تحتلها بل تترك لقوات بشير الجميل مهمه دخول بيروت الغربيه و “تطهير” المخيمات الفلسطينيه من المقاتلين هناك و بالتالي كسر ايه قدره قتاليه لمنظمه التحرير. 

في يوم ٢٢ يونيو ١٩٨٢ قاد بشير سيارته لقياده الموساد خارج بيروت و قابل هناك أرييل شارون. كان شارون غاضبا لان الكتائب لم تتحرك لدخول بيروت الغربيه بالرغم من الحصار الاسرائلي لها و تجويع اهلها حتي تستطيع الكتائب الدخول بسهوله. رد الجميل: “انه لا يستطيع دخول بيروت الغربيه بالتعاون مع اسرائيل و الا فذاك سينسف احتمالات انتخابه رئيساً للبنان. أيها الجنرال. انا لا أستطيع ان أطرد الفلسطينيين خارج لبنان”. 

في يوم ٢٣ اغسطس ١٩٨٢ تم انتخاب بشير الجميل رئيساً للبنان بعدما قامت قوات خاصه من الجيش الاسرائلي بتهديد اعضاء البرلمان اللبناني ان عليهم انتخاب البشير و قامت اسرائيل باغلاق كل المعابر في لبنان خوفا من هروب هؤلاء الاعضاء. 

بعد انتخابه رئيساً قابل بشير ديفيد كيمحي مدير وزاره الخارجيه الاسرائيليه و قال له: “يجب ان تنتظروا ما بين ٦-٩ أشهر قبل ان تظهر علاقتنا للعلن و بعدها سآتي للقدس و أوقع اتفاق سلام مع اسرائيل. و لكن في الوقت الحالي احتاج لمساعده الدول العربيه الكبيره و بالذات السعوديه حتي أستطيع بناء لبنان”. 

كان هذا بالضبط بتاثير من فيليب حبيب مبعوث امريكا في لبنان الذي كان يضغط من اجل ان تنسحب اسرائيل و كان بشير الجميل الذي بدا حياته في المعسكر الاسرائلي يري مزايا التحول نحو امريكا اما و قد اصبح رئيساً. كانت كل امال اسرائيل في لبنان تتبخر. 

بعد ذلك بأسبوعين تم اغتيال بشير الجميل بعمليه نفذها يساريون تابعون لسوريا بتفجير مبني قياده الكتائب بشكل كامل. 

عبره من البشير:

————

اسرائيل حساسه جدا من اي علاقه سريه مع ايه دوله عربيه و لديها نزعه شديده ان تعرضها للعلن. هذا جزء من السياسه الاسرائليه ان تظهر انها مقبوله في المنطقه. 

يفسر هذا بوضوح لماذا استعانت اسرائيل بمصور خاص لتصوير زياره وزير الميكروفونات المصري لإسرائيل. بل و المبالغه في إظهار الحميميه في العلاقه مثل مشاهده مباراه كره معا و جلوس ساره نتنياهو علي العشاء مع الوزير في جلسه تبدو عائليه تماماً (مصدر ٣). بل و اكثر فبدلا من استقبال وزير الميكروفونات في نهاريا المقر الصيفي لرئيس الوزرا تم استقباله في المقر الرسمي في القدس. كذلك يفسر قيام التلفزيون الاسرائلي بمحاوره قائد المنطقه الجنوبيه الاسرائليه يتحدث و الدايتلاين dateline للخبر من شمال سيناء (مصدر ٤). اي ان جنرال إسرائيلي يتحدث من داخل سيناء عن التعاون بين مصر و اسرائيل. ثم تقوم اسرائيل برشح المقابله بين تسيبي ليفني و المدعو نادر بكار (مصدر ٥). كل هذا يجب فهمه في ضوء ضغط اسرائيل علي بشير الجميل ان يذهب للعلن تماماً و يعلن كل ما تم الاتفاق عليه مسبقا بينه و بين اسرائيل في مقابل توليه رياسه الجمهوريه في لبنان، بالرغم من دعوات التعقل الامريكيه السعوديه وقتها. 

فهمنا؟ 

لو ما فهمناش نقول قصه كمان. 

قصه اخري:

———-

في عام ١٩٧٢ و مع تمكن الرئيس السادات من الحكم في مصر و بعد طرد الخبراء الروس كان تقدير المخابرات الامريكيه عن السادات كالتالي (مصدر ٣): 

“ان الرئيس السادات عكس سلفه عبد الناصر متحرر من تاثير الرأي العام العربي. كانت العلاقه بين ناصر و الرأي العام العربي علاقه الآسر بالأسير. فالمواطن العربي العادي يقدس عبد الناصر و بالتالي كان ناصر شديد الحساسيه للرأي العام العربي و هيبته في الشارع العربي و قد دخل حرب ٦٧ بذلك التأثير. في مقابل ذلك فالسادات لا يهتم بالرأي العام العربي كما انه يتحكم بكفاءه في الرأي العام المصري.”

بالتأكيد فتقدير اسرائيل الان ان السيسي ملوش حجه في الكشف عن علاقته التي ربما تكون طويله بإسرائيل. ففي الأغلب ان تقدير الموساد ان السيسي متحكم تماماً في الرأي العام المصري يوجهه كيفما يشاء. 

قصه اخيره:

———-

اسرائيل دون شك تريد اجهاض المبادره الفرنسيه للسلام في الشرق الاوسط. و هي مبادره تكرهها اسرائيل تماماً. بالضبط كما كرهت مبادره امريكا للسلام مع الفلسطينين في عام ١٩٨٢ (الشخص الوحيد الذي فرض اتفاق سلام مع اسرائيل تنازلت فيه عن اي شيئ هو أنور السادات. راجع بحثنا عن اتفاق كامب ديفيد. مصدر ٦). 

و المبادره الفرنسيه (الحقيقه ان امريكا و السعوديه وراءها و لكن دون إفصاح و هي اخر محاولات اوباما لتغيير الشرق الاوسط و ان كانت محاوله تبدو يائسه و تفعلها امريكا دون يقين او إقتناع halfhearted) هي اسوء شيئ لإسرائيل لانها ستكون بقرار ملزم من مجلس الامن يحدد خطوط انسحاب اسرائيل. 

اذن دفع مصر لطرح مبادره سلام تبدو مصريه و الحقيقه انها اسرائيليه هدفه هو التشويش علي مبادره فرنسا و دفعها بعيدا لما بعد الانتخابات الامريكيه و عندها لكل حدث حديث. 

لكن هذا فعل تكتيكي تماماً. لان اسرائيل تستطيع ان تقول لا لمبادره امريكيه فما بالنا بمبادره فرنسيه تحركها امريكا من وراء حجاب؟ مفيش اسهل من كده. لكن هو تطوع مصري للمساعده لا مانع منه و يعطي السيسي الذي يجلس علي حجر اسرائيل صوت في العالم. 

السؤال الاهم هو ما هو الفعل الاستراتيجي الذي اتفق السيسي مع اسرائيل عليه و تدفع اسرائيل في مقابل ان يظهر للعلن؟ ما هو مقابل توقيع اتفاق سلام بين بشير الجميل و اسرائيل؟ هل هو فقط اعلان التعاون الأمني ؟ ام ان اسرائيل تريد فعلا تنقيح اتفاق السلام بين اسرائيل و مصر ليشمل تعاون أمني و دفاعي حتي يلزم اي حكومه مصريه قادمه بذلك في مقابل ضمان أمريكي باستمرار المساعدات الامريكيه لمصر و توسيعها؟ و بحدوث الضمان الامريكي لا تستطيع ايه حكومه مصريه قادمه حتي و لو اخوان ان تتملص؟ هل هناك ما هو ابعد؟ مثلا اقامه منطقه تجاره حره بين مصر و اسرائيل و غزه تسمح لإسرائيل بدفع غزه و مشاكلها نحو مصر بعد التخلص من حماس و تصعيد دحلان ربيب الامارات؟ 

هناك ملف اخر مهم لإسرائيل و تطالب به باستمرار و هو تعويض اليهود المصريين عن ممتلكاتهم التي تركوها او إعادتها لهم. بالذات ان السيسي يقول أمي بتقول رجع كل حاجه لاصحابها. 

سنري. لن يسكت الاسرائليون. هذا ما نحن متأكدون منه. 

تمرير شرعيه السيسي في امريكا و العالم لها ثمن. 

#دراسات_استراتيجيه 

#جوده

المصادر:

——–

١- كره التلج: حرب اسرائيل الاولي في لبنان. شيمون شافير:

http://www.english.alahednews.com.lb/essaydetails.php?eid=20160&cid=499#.V4am4_krLIU

http://www.goodreads.com/author/show/6428286.Shimon_Shiffer

٢- احد أهداف حرب لبنان ١٩٨٢ هو تقويض مبادره السلام الامريكيه في المنطقه:

https://history.state.gov/milestones/1981-1988/lebanon

٣- تقدير امريكا عن السادات في ١٩٧٢:

https://www.washingtoninstitute.org/uploads/Documents/pubs/SadatandHisLegacy.pdf.pdf

٤- استقبال وزير الميكروفونات في اسرائيل حافل باعتراف وزاره الخارجيه المصريه:

http://www.parlmany.com/News/7/103499/مشاهد-تكشف-تعمد-إسرائيل-إحراج-شكرى-

٥- قائد المنطقه الجنوبيه في اسرائيل متحدثا من شمال سيناء:

https://www.youtube.com/watch?v=2_rPuDtTe_k&feature=youtu.be

٦- ملف جوده عن اتفاق كامب ديفيد: 

https://jawdablog.org/2015/10/19/hidden_pages_of_history_camp_david_accord/

https://jawdablog.org/2015/10/22/hidden_pages_of_history_camp_david_accord_2/

https://jawdablog.org/2015/11/19/hidden_pages_of_history_camp_david_accord_3/

https://jawdablog.org/2015/11/27/hidden_pages_of_history_camp_david_accord_4/

https://jawdablog.org/2015/12/02/hidden_pages_of_history_camp_david_accord_5/

https://jawdablog.org/2015/12/09/hidden_pages_of_history_camp_david_accord_6/

٧- الحلقات السابقه من دراسات جوده الاستراتيجيه: 

https://jawdablog.org/category/الإقتصاد/استراتيجيات-وحلول/

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s