التحليل الاقتصادي للمفاعل الروسي النووي

Economic_Analysis_for_Russian_Nuclear_Plant_in_Egypt

تنقسم تكاليف أي مولد كهربائي في العالم الي الاتي:

– رأس المال اللازم للبناء

– تكاليف التشغيل و الصيانه الدوريه و هي بدورها تنقسم لتكاليف الوقود و تكاليف الاداره و الصيانه و الإحلال. 

بصفه عامه تنقسم مولدات الطاقه الكهربائيه لثلاثة انواع رئيسيه تتباين من حيث تكاليف كل مرحله:

١- مولدات من الوقود الحجري او الكربوني سواء بترول او غاز او فحم. و هي الأقل من ناحيه رأس المال و لكنها الأكثر تكلفه من حيث سعر الوقود.

٢- مولدات نوويه: و هي الاعلي تكلفه من حيث رأس المال. و تكلفه الوقود فيها بسيطه و تكون تكلفه التشغيل الرئيسيه هي الحفاظ علي معدلات عاليه من الامان. 

٣- مولدات من الطاقه المتجدده: مثل الطاقه الشمسيه و الرياح و مساقط المياه (مثل السد العالي). و تكلفه الوقود فيها طبعا منعدمه لكن التكلفة الاساسيه هي في راس المال.

اذن تتشابه الطاقه النوويه و المتجدده من حيث كونهما ذويا تكلفه وقود قليله و لكن تكلفه راس مال عاليه (مصدر ١). 

تختلف الطاقه المتجدده عن النوويه في انه لا يمكن بناء مفاعل صغير للطاقه النوويه بينما يمكن بناء تربينه رياح واحده او اثنتين تولد كميات محدوده من الكهربا مثل واحد او اثنين ميجاوات ثم يمكن التوسع لاحقا في بناء توربينات اكثر او أضافه خلايا شمسيه اكثر. لا تأتي الطاقه النوويه الا في مفاعلات ضخمه كل منها سيكون مثلا ١ جيجاوات او الف ميجاوات. للتقريب يستهلك المنزل المتوسط قدره كهربائية حوالي ١ الي ٢٠ كيلو وات. اذن المفاعل الواحد يولد كهرباء تكفي ١٠٠ الف منزل مثلا. و السبب في هذا التركيز ليس سبب تقني فمن الممكن بناء مفاعلات صغيره مثل مفاعل أنشاص و لكنه سبب اقتصادي و أماني. فكل مفاعل يحتاج إنشاءات خاصه مثل قباب تأمين قلب المفاعل و اساسات خاصه و هكذا و تكرار ذلك مرات كثيره يزيد كثيرا من التكاليف. كذلك فلا توجد دوله لديها خبرات كافيه لأداره أعداد كبيره من المفاعلات بشكل امن و بالتالي يتم تفضيل كوادر عاليه التدريب تدير عدد قليل من المفاعلات. كذلك فوجود عدد كبير من المفاعلات منتشره في اماكن مختلفه يزيد امكانيه الحوادث النوويه. 

لذلك فبالرغم ان الطاقه المتجدده و الطاقه النوويه تحتاجان لرأس مال كبير لكل ميجاوات. الا انه يمكن انشاء مولد طاقه متجدده صغير لا يحتاج لرأس مال كبير بينما لا بد للطاقه النوويه من رأسمال ضخم منذ البدايه. 

و هذه هي مشكله الطاقه النوويه الحقيقيه في بلد مثل مصر. فمصر بلد فقير جدا في راس المال. توجد مشكله اخري كبيره في الطاقه النوويه فهي تحتاج مثلا ١٠ سنوات لبناء مفاعل بقدره ٥ جيجاوات مثل حال المفاعل الروسي. في ذات الفتره سيزيد احتياج مصر من الكهربا بمقدار يزيد عن ٣٠ جيجاوات وفقا لتقديرات وزاره الكهربا المصريه ذاتها (مصدر ٢). و بالتالي فكل ما يتم توليدها من نووي هو فقط ١٥٪ من الاحتياجات علي افضل تقدير و بتكاليف رأسماليه عاليه جدا كما سنري. 

كذلك ما زالت الطاقه المتجدده مكلفه للغايه في سعر كل كيلوات. لذلك فالافضل دوما في دوله بها إمدادات معقوله من الغاز مثل مصر ان تعتمد بشكل أساسي علي توليد الكهربا كمن الغاز. فرأسماله قليل و إمداداته بصفه عامه متوافره في مصر. كذلك يمكن الاعتماد مثلما فعلت المغرب علي تمويل دولي لانشاء محطات كبيره للطاقه الشمسيه و التوسع في طاقه الرياح في المناطق من مصر التي بها طاقه رياح متوافره تجعل توريد الكهربا من الرياح اقتصاديا مقارب للتوليد من الغاز و هذا متوافر في مصر في ساحل البحر الأحمر (مصدر ٣). 

ان النووي ربما الافضل ان يكون هو و الفحم في مؤخراتنا اختيارات مصر فالأول عالي التكلفة الراسماليه جدا و في النهايه لا يكفي. و الثاني مؤثر بشكل سلبي علي البيئه و صحه الناس. و الحقيقه (مصدر ٣) ان دول مثل المانيا و اليابان تغلق محطاتها النوويه و تعتمد بشكل أساسي علي الغاز و طاقه الرياح. فكلاهما طاقه نظيفه قليله التكاليف و يمكن زيادتها و بناء محطاتها بسهوله و بشكل مستمر و هو ما يطلق عليه scalability. 

و لكن لرفع الروح المعنويه للشعب فنظام السيسي يريد ان يكون لديه محطه نوويه كجزء من عقده النقص المصاب بها هذا النظام و رأسه. 

هذا هو السبب الوحيد المنطقي لانشاء محطه نوويه في مصر. 

مع ملاحظه ان مصر موقعه علي اتفاقيه عدم الانتشار النووي بكل ملاحقها NPT و بالتالي فهي ستسورد الوقود من روسيا و لن تتولي اي جزء من دوره تخصيب الوقود و هي بالتالي ستتسلم وقود نووي لا يصلح فقط الا في اداره محطه لتوليد الكهربا للاغراض السلميه و لا يمكن استخدامه في اي عمل تخصيبي و هو فارق مهم عن قدرات ايران النوويه. 

و بالطبع فسبب وجود الفحم في رؤيه مصر للطاقه هو ان الفحم سيتخلص من البقيه الباقيه من صحه المصريين. 

اقتصاديات المحطه النوويه الروسيه:

——————-

اما و قد فهمنا السبب الرئيسي لبناء محطه نوويه في مصر تعالوا نفهم اقتصاديات تلك المحطه. و سنقارنها بالمحطه النوويه التي ينشأها الكفيل الاماراتي. 

في عام ٢٠٠٩ أعلنت الامارات انها اختارت شركه كبكو الكوريه لتقود عمليه تاسيس و اداره محطه ابي ظبي النوويه. و ان المفاعل سيتكلف ٢٠ مليار دولار و سيكون بقدره ٥,٦ جيجاوات (مصدر ٤). لاحقا تم الكشف ان تكلفه المحطه ستصل الي ٢٥ مليار دولار بعد لجوء الامارات للاستدانه لتغطيه تكلفه المحطه (مصدر ٥). 

اذن تكلفت المحطه الاماراتيه ٤,٤٦ مليار دولار لكل جيجاوات و هذا بقسمه التكلفة الكليه علي قدره المحطه مع ملاحظه ان التكلفة الكليه البالغه ٢٥ مليار دولار بها تكلفه الفايده علي رأس المال. 

أعلنت مصر و روسيا عن التوصل لانشاء محطه قدرتها ٤,٨ جيجاوات و لو كانت تكاليف الميجاوات مماثله لتكاليف الميجاوات الاماراتي فتكلفه ال ٤,٨ جيجاوات يجب ان تكون حوالي ٢١ مليار دولار. و لكن أعلنت مصر و روسيا ان روسيا ستزود مصر بقرض قيمته ٢٥ مليار دولار يغطي تكاليف ٨٥٪ من المحطه و تغطي مصر بقيه التكاليف بالاستدانة من البنوك. معني ذلك ان تكلفه الميجاوات المصري- الروسي حوالي ٦ مليار دولار. 

تكلفه الميجاوات في الامارات ذات العماله الغاليه و بتكنولوجيا كوريه هي ربما من الافضل في العالم هي ٤,٤٦ مليار دولار و التكلفة في مصر و بتكنولوجيا روسيه مشكوك بها هي ٦ مليار دولار. 

بدلا من تكلفه ٢١ مليار دولار اصبحت التكلفة ٢٩,٥ مليار دولار. يعني هناك ٨,٥ مليار دولار فارق لا احد يعلم اين ذهب و يذهب. ففي دولنا لا يحاسب الحاكم بالذات ان كان قاتلا. بالعكس فهو يجد من يطبلون له و لحكمته. 

و مصر و روسيا دولتان موغلتان في الفساد. و ضياع ٨,٥ مليار دولار علي الشعب المصري ليذهب في جيوب الجيش و مليارديرات روسيا الصهاينه المتعاونين مع بوتين و دولته القمعيه هو مما هو منتظر فالفسده و القتله و المستبدون يحبون و يعاضدون بعضهم البعض. و ربما نقول ان حكام الامارات احرص علي اموالهم بحكم انها اموالهم و ليست أموال الشعب! 

أغراض روسيا من الصفقه:

———————

هناك سوْال مهم يتردد و هو من اين أتت روسيا بالاموال. لعلنا نذكر في عام ٢٠١٥ و في عز ازمه الافلاس اليونانيه تدخلت روسيا في الامر بقوه و كان عرضها كالتالي: ان تبني روسيا خط غاز من روسيا ليمر في اليونان بملكيه روسيه و تحصل اليونان علي جزء من حقوق مرور الغاز في أراضيها قدرها بوتين انها ستكون بمئات الملايين من الدولارات كل عام (مصدر ٦). 

كان هذا عرض مشابه تماماً للخديو سعيد مع قناه السويس. ملكيه روسيه علي اراضي يونانيه في مقابل عايد مادي ينقذ اليونان من الافلاس. لكن بالطبع يعني هذا وقوع اليونان تماماً في براثن الدب الروسي مثلما وقعت مصر سابقا أسيره الاستعمار البريطاني و الفرنسي. و تظاهر اليونانيون بالتماشي مع العرض الروسي و كان الهدف هو تحريك دول الاتحاد الاوروبي فاليونان تعلم ان مصيرها الرئيسي هو مع الاتحاد الاوروبي و ان الحديث عن شراكه في المذهب الأورثوذكسي مع روسيا هو حديث للعواطف فقط. فوقوع اليونان مجددا داخل المجال الروسي و خروجها من الاتحاد الاوروبي يعني عودتها مجددا ساحه للصراع كجزء من البلقان بين روسيا و تركيا و الغرب و هو اخر ما تريده اليونان بعد عقود طويله من الاستقرار كجزء من التحالف الغربي. 

و لكنه بوتين المغرور يظن انه يستطيع المكسب بينما هو في الحقيقه مجرد طعم لتحسين الصفقه اليونانيه مع الاتحاد الاوروبي و بالفعل وفر الاتحاد الاوروبي لليونان ١١٠ مليار دولار كقرض و هو امر لم تكن روسيا لتملكه مطلقا (مصدر ٧). 

لذا تحول بوتين و معه حوالي ٢٥ مليار دولار تكلفه انشاء خط الغاز المار باليونان نحو موضع قدم اخر في شرق البحر المتوسط يحقق به احلامه في التمدد الإمبراطوري في البحر المتوسط بعد هزيمته المخجله في أوكرانيا و خساره ذلك البلد الذي كان دونا جزءا من الامبراطورية الروسيه. 

و كان الحل لبوتين هو المغامره في سوريا (و هي بمباركه اماراتيه لدفع الولايات المتحده ذاتها للغيره و التدخل بذاتها و صفاتها و لكن هذا موضوع اخر – مصدر ٨) و دفع ال ٢٥ مليار دولار في مشروع نووي في مصر ليصبح موطئ قدم لروسيا علي ساحل البحر المتوسط. فمصر لا تملك المال للدفع لا سابقا و لا لاحقا و بالتالي ستدير روسيا المفاعل بذاتها. و المفاعل في منطقه متوتره و يحتاج للحمايه العسكريه الروسيه و هكذا. 

اذن يكسب مليارديرات روسيا ٨ مليارات دولار يقتسمونها مع الجيش المصري و يكسبون ايضا موضع قدم للتحكم في شرق البحر المتوسط و حصار تركيا منه و محاوله تعويض خساره أوكرانيا في تلك البلاد البعيده و مع ذلك الشعب الذي يبدو انه مستعد للدفع في مقابل عيون الجنرال و كلامه المعسول. يا بلاش. 

و لا تستطيع روسيا فعل اي من ذلك مع المحطه النوويه الهنديه في تاميل نادو و التي تكلفت ١,٣ مليار دولار فقط لكل جيجاوات. فقط. بحكم طبعا ان المكون المحلي الهندي ضخم و الهند تمتلك قدرات نوويه عملاقه (مصدر ٩). و لا عزاء للشعب المصري. 

و في ذات الوقت تضحك اليونان من قلبها خصوصا و انها ستأخذ ايضا من مصر نصيبها من الغاز. يا بلاش. 

المصادر:

——–

١- مقارنه هيئه معلومات الطاقه الامريكيه بين تكاليف الطاقه المختلفه:

https://www.eia.gov/forecasts/aeo/electricity_generation.cfm

٢- “رؤيه” وزاره الكهربا المصريه:

http://www.moee.gov.eg/english_new/Presentations/EEDC.pdf

٣- السياسه المثلي لتوليد الكهربا في مصر:

https://jawdablog.org/2015/11/26/myth66_nuclear_solution_for_egypt/

https://jawdablog.org/2014/09/14/nuclear_energy_1/

https://jawdablog.org/category/الإقتصاد/الكهرباء-والطاقة/

٤- تكاليف المحطه النوويه الاماراتيه:

http://www.world-nuclear.org/information-library/country-profiles/countries-t-z/united-arab-emirates.aspx

٥- ارتفاع تكاليف المحطه النوويه الاماراتيه:

http://www.bloomberg.com/news/articles/2015-09-03/abu-dhabi-said-to-revive-debt-plan-for-first-nuclear-power-plant-ie3wyuib

٦- تدخل روسيا في ازمه افلاس اليونان:

http://www.slate.com/blogs/the_slatest/2015/07/02/could_china_or_russia_bail_out_greece_if_europe_won_t.html

٧- اجمالي الدعم الاوروبي لليونان:

http://ec.europa.eu/economy_finance/assistance_eu_ms/greek_loan_facility/index_en.htm

٨- أسباب مباركه الامارات للتدخل الروسي في سوريا:

https://jawdablog.org/2015/09/30/understanding_russian_involvement_in_syria/

٩- تكاليف محطه تاميل نادو الهنديه:

http://timesofindia.indiatimes.com/city/chennai/Kudankulam-power-to-cost-4-29/unit/articleshow/45712143.cms

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s