سايكس-بيكو … نشوء دور امريكا في المنطقه .. الحلقه ٩

Sykes_Pico_American_Role_in_region

سايكس-بيكو و الحرب العالميه الاولي .. الحلقه ٩

في الحلقات السابقه (مصدر ١) شوفنا قد ايه فتره الحرب العالميه الاولي دي كانت فتره مؤسسه في تاريخ الشرق الاوسط. في فترات كده في تاريخ الشعوب بتتحط فيها كل القواعد اللي الامم او الدول حتمشي عليها بعد كده. في تاريخ الشرق الاوسط الفتره دي هي الحرب العالميه الاولي و الكام سنه من بعدها لحد اتفاقيه سيفر و ما اطلق عليه تسويه عام ١٩٢٠. كل المشاكل اللي احنا عايشنها لحد دلوقتي بذرتها او اتولدت في الفتره دي. شفنا ان مشاكل الأرمن مع الأتراك بدأت في الفتره دي (الحلقه ٨). شفنا ان ازاي مصر بقت قاعده خلفيه للهجوم علي الشرق العربي و تركيا وقتها و ده بالضبط اللي حصل بعدين مع العراق و حتي حصار فلسطين. شفنا ازاي بدأت المشاكل ببن العرب و اليهود و ليه اليهود متقدمين عن العرب. شفنا ازاي الخيانات العربيه و ازاي هدت الدوله العثمانيه و شفنا ان الخيانات دي مستمره لحد دلوقتي بذاتها مع تغير طفيف في الأسماء و ان من يقول انه حامي الاسلام و الحرمين هو في الحقيقه اول من يتآمر.

النهارده حنتعرف علي بدايات و بذور دور امريكا في المنطقه. و ازاي ان البدايات دي لسه مظاهرها و الاعراف بتاعتها موجوده لحد دلوقتي. و ازاي اننا كلنا لسه بنتعامل مع امريكا بذات الأخطاء اللي العثمانيين عملوها من ١٠٠ سنه! 

أكتر واحد بيمثل دور امريكا في المنطقه و ازاي امريكا اقتربت من الشرق الاوسط هو دكتور ويليام يال. ويليام يال أتولد في دوبس فيري في ولايه نيويورك في ٦ اغسطس ١٨٨٧ و الحقيقه انه عاش لحد سنه ١٩٧٢ و شاف تأثيرات و تفاعلات الشرق الاوسط كلها و ساب مذكرات في غايه الاهميه عن الدور الامريكي في الشرق الاوسط اللي هوه مش بس كان شاهد عليه لكن كمان أسسه (مصدر ٢). و العجيب ان المذكرات دي موجوده كلها بالتفاصيل علي الأنترنت لكن محدش بيفكر يقرأها في الشرق الاوسط! 

دوبس فيري دي ضاحيه من ضواحي مدينه نيويورك شمال مدينه يونكرز علي نهر الهدسون. يونكرز دي تقريبا كده زي شبرًا الخيمه و دوبس فيري دي بالتقريب موقعها زي القناطر. مع الاختلاف طبعا في التقدم. 

ويليام يال كان مهندس مدني و راح اشتغل في مشروع قناه بنما عام ١٩٠٧. و بعدين رجع اخد الدكتوراه في الهندسه من جامعه يال الامريكيه عام ١٩١٠. في سنه ١٩١٣ شركه سوكوني الاميريكيه للبترول طلبت منه انه يروح اسطنبول عشان يساعدهم في التنقيب عن البترول هناك. 

شركه سوكوني دي هي تاني اكبر شركه بترول في العالم وقتها. و هي دي الشركه اللي بقي اسمها بعد كده موبيل. و طبعا في أواخر التسعينات اندمجت موبيل مع شركه إكسون و عملوا شركه إكسون-موبيل اللي هي اكبر شركه بترول خاصه في العالم دلوقتي. 

في ملاحظتين مهمين جدا. اول واحده هي احنا شفنا واحد زي لورانس او اللينبي حتي او زي كورت بروفر اللي هم المسئولين الأوروبيين في الشرق الاوسط في الوقت ده كلهم كانوا بتوع دراسات انسانيه humanities. واحد زي لورانس كان خبير في الأدب اليوناني مثلا. بالعكس تماماً نشوف دكتور ويليام يال. مهندس و دكتور في الهندسه. لسه ده موجود لحد دلوقتي علي فكره. الشعب الاميريكي من أكتر الشعوب عمليه في العالم. نادر جدا في امريكا حد يتخصص في الأدب اليوناني مثلا. معظم بتوع المخابرات في امريكا حتلاقيهم مهندسين او دكاتره او خبرا في لغات و ثقافات الدول اللي بيخدموا فيها. 

الملاحظه التانيه المهمه هي ازاي ان شركه ناجحه جدا زي سوكوني و بتعمل ارباح قياسيه في وقتها و امريكا فيها كميات كبيره من البترول وقتها لكن مع ذلك بتاخد مغامره كبيره جدا و بتروح تنقب عن البترول في الدوله العثمانيه! بدون احتياج حقيقي يعني. امريكا وقتها و بعدها لفتره أكتر من ٥٠ سنه استمرت اكبر و اهم منتج للبترول في العالم. ٥٠ سنه لحد الستينيات! 

ده جزء مهم جدا من طبيعه الراسماليه الامريكيه و هي المغامره. و ده لسه موجود لحد دلوقتي. احنا شايفين جوجل و فيسبوك و تويتر و الانترنت. كلها اختراعات اميريكية جت بسبب المغامره و الابتكار. لذلك الحقيقه ان امريكا هي قاطره الابتكار في العالم كله. أوروبا و اليابان و الصين عندهم اقتصاديات محترمه جدا و مستويات معيشه عاليه لكن كلهم ينقصهم عنصر المغامره ده. امريكا بتبص لحرب العراق بنفس الطريقه. عملنا مغامره و خسرناها. ايه المشكله. نتعلم و نروح ندور علي ارباح تانيه بطريقه تانيه. 

في سنه ١٩١٣ الجيولوجيين في شركه سوكوني كان عندهم اعتقاد ان فيه بترول موجود في فلسطين لان كان فيها تكوينات مشابهه لتكوينات صخريه موجوده في امريكا و فيها بترول. و كمان السياح و الحجاج الاميريكان لفلسطين شافوا اماكن فيها زيت اسود طالع من الجبال. طبعا الكلام ده احنا عارفين انه طلع غلط بعدين. لكن الشركات الاميريكيه استمرت في المحاوله في اماكن تانيه و في النهايه طبعا لقوا بترول كتير في الشرق الاوسط. دي هي طبيعه الراسماليه الاميريكيه و التجربه الاميريكيه كلها. 

ويليام يال اتعرف في اسطنبول علي عبد الرحمن باشا اليوسف و هو من أعيان دمشق و كان عضو في البرلمان العثماني. عبد الرحمن باشا اخد ويليام يال كأنه ابنه. و في مايو ١٩١٥ أخده معاه في رحله بالقطر من اسطنبول راجعين علي دمشق. نفس القطر اللي بعدهم بكام شهر ركبه فيصل بن الحسين راجع برضه علي دمشق و منها علي مكه و هو بيخون الدوله العثمانيه زي ما شوفنا في الحلقه ٧. 

في الوقت ده كانت ازمه اللاجئين الأرمن في عزها. و كان ويليام يال شايفهم بعينيه و هم بيموتوا من المشي و الحر و قله الأكل (الحلقه السابقه). ويليام يال كتب في مذكراته: 

“من المحزن رؤيه منظر هؤلاء التعساء و الفقراء”. 

بس. لكن طبعا ده لم يمنع ويليام يال انه يكمل مهمته و يتعامل مع الدوله العثمانيه اللي بتعمل كل ده و اللي كانت وقتها الجرايد الاميريكيه بتنتقدها بشده عشان ازمه الأرمن. ده موضوع مختلف. ببساطه الشركات الاميريكيه بتلتزم بالقانون الاميريكي و طالما القانون لا يمنع انك تعمل شغل في بلد ما و البلد دي فيها فلوس فالشركات الاميريكيه حتدور علي مصالحها. و ده احنا شايفينه لحد دلوقتي. الشركات الاميريكيه بتشتغل في مصر و السعوديه مثلا و بقوه مع ان الاعلام الاميريكي معاد تماماً للبلدين دول و نظام الحكم فيهم. 

ويليام يال وصل دمشق و قعد فيها كام يوم بس. و بعدين طلع منها علي مهمته الرئيسيه في القدس. مهمته كانت من شركه سوكوني انه يقنع جمال باشا حاكم سوريا التركي انه يدي سوكوني امتياز التنقيب عن البترول في منطقه فلسطين. 

ويليام يال طلب مقابله جمال باشا في القدس و فعلا اتحدد له ميعاد المقابله. 

ويليام كان خايف جدا من جمال باشا. لذلك بدل ما يطلب امتياز التنقيب في كل المنطقه اللي سوكوني عاوزاها و مساحتها نصف مليون فدان، قرر انه يطلب بس الامتياز في ربع مليون فدان بس عشان ما يوريش جمال باشا انه طماع فيرفض الموضوع كله. 

جمال دخل علي ويليام يال و قاله بالفرنسية التي يجيدها:

– كيف حالك مستر يال. وريني كده الخرائط و الأوراق بتاعتك عشان نشوف انت طلباتك ايه. 

ويليام انبسط جدا ان جمال باشا دخل في الموضوع علي طول. و فعلا فرد الخرائط و وري جمال باشا المنطقه اللي هو عاوزها. و ابتدا يشرح التفاصيل. 

جمال باشا كان بيهز راسه بسرعه في أشاره انه عاوز يخلص. و فعلا قال لويليام:

– فين القرار بالمنطقه عشان أوافق عليه.

ويليام كتب في مذكراته بعدين انه ندم جدا انه موراش جمال باشا كل النصف مليون فدان لانها كانت فرصه رهيبه. 

جمال باشا وافق بسرعه لانه كان متخيل ان سوكوني حتطلع بترول علي طول يقدر العثمانيين يستخدموه في الحرب. طبعا سوكوني كان هدفها مختلف. كانت عاوزه بس تنقب عن البترول و تاخد الامتياز و بعد الحرب تطلع البترول. لانها ليه تحط استثمارات في بلد وقت حرب مش مضمونه؟ 

ويليام يال كتب في مذكراته انه ندم بعدين انه مشرحش الحكايه دي لجمال باشا. 

جمال كمان كان متشجع ان سوكوني كانت بتبيع بترول للعثمانيين من بلغاريا متجاوزه الحصار البريطاني و كان فاكر ان ده معناه ان امريكا معهاه و بتساعده. مش فاهم ان دي مسأله فلوس مش أكتر. 

لحد دلوقتي العرب كلهم بيعملوا نفس الخطأ بالضبط. و بياخدوا نفس القرارات بنفس الطريقه. كل المسئولين الامريكان و الشركات الاميريكيه عارفين انه مفيش داعي يضيعوا وقت مع مسئولين عرب صغار. انهم لازم يدخلوا علي الراس الكبيره مباشره و ياخدوا من الراس الكبيره اللي هم عاوزينه. غير كده تضييع وقت. و لحد دلوقتي الروس الكبيره في منطقتنا بياخدوا نفس قرارات جمال باشا. بنفس الشكل. و بنشوف واحد زي السيسي بيروح يتفاوض مع شركات امريكيه و يطلع يقول انا اخدت منهم تخفيضات! او يتباهي ان امريكا بتديله طيارات عشان سينا مثلا. 

ويليام يال خرج و معاه قرار جمال باشا بالامتياز و معاه كمان سريه من الجيش العثماني تساعده في التنقيب عن البترول في فلسطين. 

و كمان في يوليو ١٩١٥ قررت الدوله العثمانيه انها تدي كبار مسئولي سوكوني اعلي وسام في الدوله العثمانيه. و مش بس كده راحوا كلهم أخدوا الوسام ده في قصر دولمه باشا ذات نفسه من السلطان ذات نفسه. 

في نفس الوقت اللي الأرمن كانوا بيموتوا و الصحف في امريكا بتهاجم العثمانيين. 

ويليام يال بعد كده راح اشتغل في الخارجيه الاميريكيه. و ده جزء من النظام الاميريكي اللي الحدود بين الشركات و التجاره و البيزنس و الحكومه مش كبيره قوي. عكس ال سعود او الأفكار الكلاسيكية المصريه عن موظف الحكومه. عادي جدا ان واحد أميريكي يبقي رئيس شركه و بعدين يبقي وزير و بعدين يرجع البيزنس تاني. ديك تشيني مثال. عادي جدا. بالعكس ده جزء من حيويه النظام الاميريكي اللي هو في الأساس هدفه تعظيم ارباح امريكا و ارباح المواطن الاميريكي. 

و نكمل. 

#صفحات_مخفيه

#سايكس_بيكو

المصادر:

——–

١- الحلقات السابقه مجمعه من صفحات مخفيه:

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- مذكرات ويليام يال:

https://www.library.unh.edu/find/archives/collections/william-yale-papers-1916-1972

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s