شاهد على العصر… الحلقة الثالثة: “مع د. المسيري رحمه الله”

ahmed_sallam_3_with_Dr_Miseery

شاهد على العصر: العالم المصري #أحمد_سعيد_سلام 

الحلقة الثالثة: “مع د. المسيري رحمه الله”

رحلة التعريب كما تقاطعت مع المسيري

كنت أعمل على مكتبي في عام ٩٣ بصخر عندما رن جرس التليفون، ورفعت السماعة فوجدت صوتا يقول لي، مهندس أحمد سعيد، فقلت أيوة يافندم، فرد الصوت وقال معاك عبد الوهاب المسيري، 

وقص علي د. عبدالوهاب حاجته لشراء كمبيوتر، والطريف أنه أخبرني بالمواصفات وبالميزانية وبنوع الكمبيوتر وكان يريد أحدث شيء من آبل ماكينتوش، ،

فقلت له: لكن حضرتك الميزانية لا تسمح بالمواصفات المطلوبة. فقال لي: ما هو عشان كده بإتصل بيك، لأن قالولي (يقصد من دكتورة هبة رءوف وآخرون من المعهد العالمي للفكر الإسلامي) إنك بتفهم في الحاجات دية. 

واتفقنا نتقابل. 

وكان لي صاحب يعمل في توكيل آبل بالأسكندرية، وحكيت له ما يريد دكتور عبد الوهاب وانتهينا بشراء كمبيوتر مستعمل لكن بحالة جيدة جدا من التوكيل. وفرح دكتور المسيري وقال لي إني الوحيد اللي وجدت حل مثالي وسريع لمشكلته. 

ومن اللطيف، أنني حين قلت له التكلفه بداية، فطلب فاتورة، وبعد حساب كل شيء، قاللي يا باشمهندس دي خدمة لكن موش لي لكن لمشروع الموسوعة، وذكر لي بعض نوعية التمويل، وقال يعني موش حدفعلك أجرك، لكن حدفع كل المصاريف. ولو ده ما ينفعشي معاك يبقى نلغي الموضوع. 

فضحكت وقلتله لأ ينفع حضرتك. وكان وجهه جادا رحمه الله في النقاش. 

وبالنسبة لي، كان الأمر مبهجا فقد كنت أجلس في غرفة مكتبه حيث الأوراق والكتب وشرائط الفيديو والكاسيت، ونتفاوض في شراء الكمبيوتر.

ومن هنا بدأت علاقتي بدكتور المسيري. 

وكان له لقاء إسبوعي راقي مفتوح مع الشباب في منتصف الإسبوع. فبدأت أحضر له. وهناك تعرفت على كثيرين، وكان نوع الحاضرين والمواضيع كلاهما مبهرا لي.

كان الحضور من الطبقات الأعلى والأغنى والأكثر معرفة بالحضارات الإنسانية عموما. ولم يكن الإسلام أو العروبة هما المحور الرئيسي للنقاش بل كان النقاش يدور حول حقيقة الإنسان والحياة والعلم والحضارة.

وقتها، كنت مهتما بشدة بأن آخذ عناوين كل هذه المواضيع الجديدة وأحاول فهمها ولكن بطريقتي. يعني مثلاً، المثالية الأخلاقية، والبراجماتية العلمانية، والتحيز المعرفي، 

وكان دكتور المسيري يتكلم من منطلق المثقف غزير المعرفة من الشرق والغرب. بينما كنت أنا أبحث عن الإجابات البسيطة والسلسلة. ولم يكن لدي وقت فقد كنت عاشقا لعملي بالتعريب ولا أحب أن يعطلني عنه شيء.

ثم بدأ أشعر بالملل من نوعية النقاشات، وكنت أشعر أن الحضور ينتمي للفئة المرفهة التي يمكنها أن تجلس للنقاش لأيام وساعات للحوار بينما كنت موظفا مسئولا وعلى النوم مبكرا وبذهن صاف للعمل فتوقفت عن الحضور.

ولاحظ دكتور المسيري تغيبي، فأتصل بي، وسألني لماذا غبت ولم أعد أحضر؟ فقلت له بتلقائية لأن النقاش يطول ويطول والمواضيع لا تغلق وأنا دايما عندي شغل ولازم أنام بدري. 

فشرح لي بصورة مطولة الفارق بين عقلية المهندس العملية وعقلية المثقف المتسعة. 

المهم أني إختلفت معه وقلت ما معناه : المهندس ترى إنتاجه وتفهمه في الكباري والعربيات والحاسبات وكل شيء بينما المثقف لا تشعر بقيمته إلا حين تجالسه أو تقرأ كتبه. 

فقال لي: إنت غلباوي وإنتصرت عليا طيب نعمل إتفاق جديد: إيه رأيك تجيلي ونقعد لوحدينا في الجلسات الخاصة. 

فقلت له: يعني إيه خاصة؟ 

قاللي يعني بابقى قاعد مع واحد أو إثنين بالكثير. 

فقلت له : زي مين؟ قاللي: زي أي حد بيشتغل في أي حاجة تحتاج للعقل. فعجبتني الإجابة، واتفقت على الحضور. 

وكان أول لقاء بحضور سيد حجاب.

اللطيف أن وقتها كان فارق العمر مع دكتور المسيري أربعين عاما، وكان يتكلم بثقة تصل للعجرفة، ولكن يستمع لك كالطالب بالمدرسة. وكنت أستمتع بهذا التغير لديه، فحين يتكلم يرفع رأسع لأعلى وحين يستمع يخفضها لأسفل. ولو كان الكلام جديدا عليه يستمر في الهمهمة وكأنه يحثك على الكلام.

وكانت هبة رءوف عزت تحثني على الحضور وقتها، وكنا نتقابل في فعاليات ثقافية آخرى، وكنت وما زلت أعتبرها بمنزلة الأخت الكبرى. ولا زلت أذكر أطفالها بذاك الوقت في التسعينات.

وكان ما شدني في د. المسيري، نقطة التركيز على الإنسان وهذا ما دفعني للبحث عن الإنسان في القرآن ومناقشة ذلك مع دكتور المسيري مرات. 

وقد تعلمت من المسيري أن العلم طبقات والعقل مستويات وأن من المهم أن أعرف مستوى عقلي وأتعامل في الحياة على هذا الأساس. وكان الأمر جديدا تماما علي. ولكنه دفعني للإبداع في مجال التعريب والتفكير فيه بصورة أعلى ممن حولي.

كان د. المسيري له لغة وقاموس خاص به. ولن تفهمه حتى تفهم ذاك القاموس ولن تحب المسيري كشخص حتى تراه وهو ينصت لك بكل تواضع وإهتمام.

وكان المسيري مهتما بتعريف كل شيء وماهيه كل شيء. وأتذكر كيف هاجمني حين عرفت هندسة تعريب الحاسبات، ونبهني للأبعاد الثقافية والإدراكية والسلوكية.

وعند المسيري فابلت أحمد بهجت، وكتاب آخرين ، وقابلت علماء مصريين من الخارج يمرون على بيته. وانكسر في صدري حينها حاجز الخوف والإنبهار بمن هو أكبر مني أو أكثر مني علما. 

فكما علمني المسيري قد أكون أقل علما ولكن أكون أعلى وأرفع عقلا. 

ولهذا استطعت أن أكون مقربا من دكتور نبيل علي بعد ذلك داخل صخر.

وما أريد قوله أن مهنة التعريب لم تكن مهمة هندسية بل كانت مهمة معرفية وإجتماعية قبل كل شيء. 

رحم الله المسيري وللحديث بقية.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s