شاهد على العصر… الحلقة التانية: “صخر ونزول بورصة ناسداك”

ahmed_sallam_2_Sakhr_in_Nasdaq

شاهد على العصر: العالم المصري #أحمد_سعيد_سلام 

الحلقة التانية: “صخر ونزول بورصة ناسداك”

ما زلنا نتكلم عن الأحلام، الأحلام الكبيرة، والأحلام قد تكون من صنعك وقد تمر بطريقك فتتعلق بها وتسعى خلفها. والأحلام قد تكون فردية وقد تكون جماعية، وهذا الموضوع كان حلما تشابك وتقاطع معي خلال فترة حيوية بعملي بصخر. وتفاصيله تحمل درجة كبيرة من الفخر بمجموعة الشباب المصري والعربي الذي كان يعمل بصخر بالقاهرة في ذاك الوقت مع ثراء في التجربة.

كان ١٩٩٦، عاما ملهما في تاريخ صخر، وقتها بدأت الشركة في التركيز على الإنترنت، وكان هناك رؤية كبيرة لصناعة حزمة من تقنيات الإنترنت العربية والتي تعمل معا بصورة متشابكة لتوفير مجموعة من الخدمات المتعددة أساسها اللغة العربية. وكان من هذه التقنيات التي توفرت وقتها المتصفح العربي، البحث العربي، البريد الإلكتروني العربي، والدليل العربي.

وكان هناك بعض العوائق الأساسية منها أنه لم تكن هناك مواقع عربية كافية بحيث توفر المحتوى العربي الذي يجعل هناك فائدة ملموسة من تطوير خدمات مثل البحث والدليل العربي. وكان لصخر سبق التخطيط والحركة لإصدار مواقع عربية عديدة، تراوحت ما بين الإسلامية واللغوية والإعلامية. وأعطت هذه المواقع دفعا كبيرا حقيقيا للمحتوي العربي لكنها لم تخاطب فئة الشباب بالضرورة بل طوائف مختلفة من المتخصصين لذا كان تأثيرها محدودا.

في هذا العام والذي يسبقه طورت بنفسي ومع فريقي الخاص عدة تقنيات في إطار التعريب منها نسخة جديدة من تعريب نوافذ ٣.١١ ونوافذ ٩٥ وإصدار أول نسخة متكاملة لتعريب المتصفحات من نتسكيب وميكروسوفت.

وكانت رؤيتي واضحة وهو أن الهدف ليس التعريب وفقط، بل لابد من توفير خدمات آخرى وأهمها content analytics والمقصود بها معالجة المحتوى والتحكم فية وكذلك سرية رسائل البريد وكذلك سرية وخصوصية التصفح.

حينها طورت مع فريقي تقنية مضافة للمتصفح تسمح بتحليل صفحات الإنترنت ومنع المحتوي الجنسي الصريح خاصة الذي يحمل صورا أو فيديوهات أو يحاول الحصول على بيانات خاصة وشخصية من المستخدم أو يتصنت عليه.

وكانت التقنية فذة وكان من أهم قدراتها هو ال content redirection بمعنى تحويل إنتباه المتصفح من صفحات يبحث عنها لصفحات بديلة نعرضها له. مثلا تكتب عنوان صفحة إباحية فتظهر لك صفحة آخرى تتحدث عن خطورة تلك المواد. وطبعا كان التصميم وعظي في بدايته، لكن هدفي كان توفير محتوى بديل يهم القاريء بعد تحليل تاريخ المواضيع التي يتصفحها على الإنترنت وهو أحد التقنيات التي تعتمد عليها فيسبوك حاليا.

وكنت قريب الصلة من د. نبيل علي، فقد عاد لشركة صخر بعد قطيعة عامين مع رئيس الشركة وكان مكتبه مقابلا لمكتبي وكنت شديد الإحترام لرؤيته المستقبلية وكان يعمل مثلي بدأب وجد رغم عمره المتقدم عنا كشباب حينها. وفي ذلك الوقت كان بيني وبين د. نبيل حوارات مطولة لتكوين رؤية مستقبلية للشركة وللتقنيات العربية على الإنترنت. 

وكان د. نبيل على يتحدث عني يومها على أني كنز ينبغي رعايته والحفاظ عليه بما أثار حقد وحسد الكثيرين بلا داع فقد كنت حينها شخصية هادئة شديدة التواضع تميل للصمت والإستماع بإنصات مع الرفق في التعامل عموما، ويظل لدكتور نبيل علي فضل على لا أنكره وقتها.

وكان فريق دكتور نبيل مشغول بتطوير تطبيقات معالجة لغوية تسمح بالترجمة الآلية وتسمح بتحويل الكلام لنصوص منطوقة وهكذا. وكانت نقطة تلاقينا هي إمتلاكي تقنيات تسمح بدمج كل هذا التقنيات تلقائيا داخل نظام التشغيل وداخل المتصفح وداخل التطبيقات الشهرية مثل ميكروسوفت أوفيس. في ذلك الوقت رسمت مع دكتور نبيل عدة نمازج تصميمية لهذه البرامج على الورق وأتفقنا على الإحتفاظ بها وعدم عرضها حتى يحين الوقت المناسب. وأتذكر أنه عرض بعضها على أحد لجان جامعة الدول العربية المتخصصة.

وبما أنني ذكرت دكتور نبيل علي فلابد أن أذكر عدة نقاط حوله، دكتور نبيل يعتبر الأب الروحي لشركة صخر بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معان، ولكنه ليس الأب الروحي للتطبيقات ذاتها، بمعنى أن قدراته الفنية والهندسية كانت قاصرة على المجال اللغوي بالأساس. وكانت شخصية دكتور نبيل عنيدة مع شدة في الإعتداد بنفسه، وكان لا يحبذ القيود الإدارية ويريد حرية مفتوحة للإبداع وكان لكل هذا جانب سلبي في تأخر إصدار التقنيات وعدم وضوح وثبات التصميمات النهائية لهذه البرامج. بمعنى أننا لم نكن نعرف حقيقة ماذا ومتى سينتج دكتور نبيل وهل ستكون القدرة والكفاءة مطابقة للمعايير الفنية المقبولة أم لا. بمعنى آخر، كان دكتور نبيل قادرا على الإبهار ولكن ليس بالضرورة بنفس القدرة على إنهاء المشاريع المفتوحة في حيز زمني معلوم مسبقا. ولكنه كان ربما أكثرنا ذكاءا وموهبة ورؤية.

وقتها تطورت العلاقة مع دكتور نبيل علي بحيث صار يوجهني في حياتي الخاصة، وكنت أسمع له بحب ورفق ولكن بالنهاية ألتزم بأفكاري وتوجهاتي وأستفيد من كلامه. وكانت علاقتي بدكتور نبيل سببا لتطور العلاقة إيجابيا مع صاحب الشركة أبو فهد، فقد كان دكتور نبيل أكثر الناس بصخر قدرة على تفهم أحلامي وقدراتي وكان ينظر لي كأب بلا غيرة أو حقد أو حسد.كل هذه مقدمة لازمة لفهم مسار الأحداث والتجربة.

وبعد الشهرة الهائلة التي حازتها صخر في الربع الثاني من سنة ١٩٩٦ ، بدأ أبو فهد محمد الشارخ يتكلم بطموح هائل عن بناء إمبراطورية صناعية مالية إعتمادا على ما بنيناه من تقنيات حول الإنترنت. وحينها بدأ أبو فهد يكلمنا عن رغبته في نزول بورصة ناسداك. وكان يستعمل شركة نيتسكيب كدليل، فقد كانت تنتج متصفحا فقط ومع ذلك كانت قيمتها بالبورصة الأمريكية ربما تصل للثلاثة مليارات دولار وقتها. وكان موقع الشركة تحديدا netscape.com من أكثر المواقع تصفحا بالعالم. وكنا نريد لموقع صخر العربي أن يكون بوابة العرب للإنترنت وكنا نطور معالجات لغوية متطورة.

هذه الفترة كانت من أكثر أوقاتي في صخر ثراءا، فتم تكوين فريق مصغر للعمل على هذه الفكرة وكان الهدف الإتفاق على رؤية ثابتة تقنية للشركة مع خريطة لكل الإمكانات الحالية والمستقبلية. 

وقام أبو فهد بخطوات جادة في هذا الإطار، فقام بالتعاقد مع شركة IDC الأمريكية لتقييم الشركة وأحضر لنا العديد من مراكز وهيئات الإستشارات العربية المتخصصة بتقييم الشركات. وبدأت هذه المؤسسات في الحضور لتقييم الشركة وتقييم الأفراد.

في ذلك الوقت قضيت أوقاتا مطوله مع السيد آل مكفرسون وكان نائب رئيس شركة IDC وكان يسأل أسئلة عميقة حول دورة إنتاج البرامج وأساس التقنيات المتوافرة لدينا وكان الرجل أمريكيا أسودا بمنتصف الخمسينات. وكان جادا ولا يسأل أسئلة شخصية ولا يهتم بأفكارك الخاصة.

ثم بدأنا بالتواصل مع موظفي الشركات الإستشارية العربية وكنت ألحظ تفاوتا في التعامل معهم ومع السيد مكفرسون. فقد كانوا يتطلعون أكثر لكيف نلبس وكيف نتكلم وأين نعيش وما هي خلفياتنا الثقافية أكثر من التركيز على ما نبني. وكانت نسبة منهم مسيحيين من الشام. وكان من اللافت أنهم مثلا إعترضوا معي على تقنيات تحليل المحتوى ومراقبة المواقع الإباحية وكانوا يروا أن مشاهدة هذه المحتويات حق للجميع ولا دخل للشركة بها.

وجاءت التقارير تباعا، وكان محمد الشارخ / أبو فهد، يرسل لنا التقارير بعلامات منه على النقاط الهامة.

وكان أهم التقارير التي تلقيناها كاملة تقرير IDC وكان ملخص التقارير:

– الشركة تمتلك أصول لتقنيات كثيرة لكنها غير مكتملة وبلا رؤية واضحة للإنهاء.

– الشركة لا تملك هيكلا إداريا محفزا للموظفين.

– الشركة لا تملك خطة متكاملة وموحدة للبرمجة.

– الشركة تملك عناصر هندسية شديدة القوة لكنها لا تعمل بالنمط الأمريكي المرتب.

– الشركة تعتمد على قوة الرؤية والعلاقات المباشرة أكثر من إعتمادها على قوة المنتجات ورضا المستخدم.

– لا بد أن تنطلق الشركة نحو التقنيات الغير عربية حيث الأسواق أكبر.

ووضع السيد مكفرسون خطة عميقة لإعادة ترتيب الأوراق داخليا تسمح بالحفاظ على الأفراد الأساسيون مع التركيز على خطط التوجة للآسواق، go to market strategy.

وكان الأهم أنه أعطى لنا تقيما حده الأدنى أتصور بحدود ال ١٥٠ مليون دولارا وحده الأعلى ٣٥٠ مليون دولارا بناء على التقنيات العربية المتوافرة وأشار أننا يمكن أن نكسر الحواجز لو إستطعنا الدخول في الأسواق غير العربية. وكانت هذه النقطة تحديدا هامة بالنسبة لي، فعلى عكس تقنيات المعالجة اللغوية التس تستغرق أعواما بالتطوير، كنت قادرا على إنتاج تقنيات هندسية متطورة في إطار التحكم في التطبيقات وأنظمة التشغيل بسرعة وكفاءة مذهلة. وهنا بدأ حلمي في الدخول في أسواق جديدة مثل إنتاج الأجهزة المحمولة وبرامج حماية المستخدم والأجهزة على الانترنت وكذا تقنيات حماية البرامج بل كنت أطمع في صناعة أول تلفزيون مرتبط بالإنترنت ويمكن برمجته آليا.

وسأتوقف هنا لأقول شيئا، كان الفريق الذي تجمع بصخر في ذلك الوقت من أفضل الشباب المصريين خلقا وعلما وكنا نركز بشدة على مواصفات من نعينه. وأعتقد أن هذا الفريق تبعثر بعد ذلك في ظل العشوائية والشللية والتدخلات الخارجية في العمل مع تزايد المؤامرات الداخلية التي دافعها الحقد والحسد مع الطبقية والعجرفة التي إتسم بها بعض من كانوا بمراكز القيادة.

من المثير أن أحد تقارير الإستشاريين العرب كما عرضها على أبوفهد جاء سطحي وشكلي وشخصي وهزلي فركز مثلا سلبيا على أفكاري بخدمة العرب والمسلمين وأعتبرها دليل على التحيز وعدم المهنية. كما تحدث عن عدم قبولنا بفكرة أن الغربي أكثر تطورا عنا، وأننا رغم تخلف مجتمعاتنا لا نرى الحقيقة الكبرى وهي أننا لم نتخرج من جامعات كبرى ونأتي من أسر متوسطة وهكذا. بإختصار كان تقرير طبقي ولكنه إعتمد على كلام بعض موظفي صخر ممن كانوا ينتموا للطبقة الأغنى بمصر التي كانت تنظر لموظفي الأقاليم بصورة مختلفة عن النظرة لأهل المدينة والأحياء الراقية.

والحديث يطول وينبغي له أن يستمر حول فشل صخر في إدراك العالمية وتفويت فرصة هائلة لا تعوض، ولذلك أسبابه الواضحة داخليا وخارجيا.

لكن ما أريد قوله، بعيدا عن ذلك، أننا كفريق إتسم بالإخلاص والعمل الجاد والمهنية كما كنا نفهمها حققنا نجاحا هائلا بذلك الوقت وكانت برامجنا بكل مكان، وكانت تجربتنا مثمرة بدرجة كبيرة. وكان لدينا رؤية واضحة وموهبة وإصرار على العمل مع روح الفريق التي كانت تسود أغلب الأقسام بلا تفرقة. فلم تكن بعد ظهرت الأطماع والأحقاد والخلافات الشخصية.

واليوم وهو الأهم يستطيع الجيل الجديد من الشباب العرب أن ينطلق خاصة والعالم يشهد تحولات تقنية هائلة تفتح الباب من جديد للأفكار المبدعة وقناعتي أن المطوريين المصريين والعرب يمكنهم بناء تقنيات بحدود ال ٣٠ مليار دولار في خلال سبعة سنوات لو توافرت رؤية وقيادة واعية وخطط حقيقية وطموحة.

ومع إنخفاض دخل البترول لحد ال ٣٦ دولارا ينبغي أن تفكر الدول العربية الرئيسية مثل السعودية والكويت في مستقبلها في ظل تدهور أسعار النفط.

وقد قدر لأمثالي المشاركة في وظائف تنفيذية بشركات دولية دخلها بالمليارات من الدولارات ونعلم صعوبة مجال تطوير البرمجيات والتقنيات، لكن من ناحية آخرى هناك مساحات واسعة للإبداع وهناك قادة بارزين عرب بهذا المجال تدربوا بالغرب لعقود ولديهم العقل والعلم والخبرة اللازمة لبناء مؤسسات راسخة لكنهم لن يشاركوا بدون مشروعات قوية ومساحات مستقلة للعمل.

وأتصور أن دخل البترول المفقود يمكن تعويضه بالصناعات التقنية المتطورة ويمكن أن يصل الدخل بالتخطيط الدقيق والعمل الدئوب حتى حد ال ١٥٠ مليارا من الدولارات في خلال ١٠ إلي ١٥ عام.

ولابد من مناخ عام يسمح بهذه النهضه تسوده العدالة والشفافية وقيم العمل والإنتاج وروح الفريق مع الرغبة الحقيقية في نهضة المجتمعات العربية.

وأعتقد أن البديل القوى والمتاح حاليا هو العنف بهدف الإنتقام وبدافع الغضب وبدافع الجهل والمرض والفقر، وما يدفعني لكتابة هذه الأفكار هو خوفي الحقيقي من إنقسام المجتمعات العربية وتوجه الشباب نحو العنف كبديل مع الصدام المتكرر المحتمل ما بين الجيوش والشباب العرب.

أكتب هذه الصفحات مخلصا لله وحده مع رغبة أصيلة في حقن الدماء ومنع بعثرة الجهود مع أمل يصل لحد اليقين بالفرص الحقيقية المتاحة للعرب وللمصريين تحديدا. 

والتنافسية في عالم اليوم عنيفة وشديدة ، والتجارب السطحية ستنتهي دائما بالفشل، وكما قلت كان لدى صخر الرؤية والأمل والعمل ولكن لم نكن مستعدين وجادين في المهمة التي كانت على عاتقنا وكانت القيادة غير مستوعبة للأحداث وهوائية وغير مخلصة لرؤية الشركة مع عدم إستعداد للتضحية الشخصية ولو مؤقتا في سبيل تحقيق الأهداف الكبرى.

أرجو أن تعاد الحسابات وأرجو أن يعود الأمل وأرجو أن تعود الأحلام وأرجو أن تحفظ الدماء والأعراض

وللحديث بقية

والله من وراء القصد

أحمد سلام

كبرتينو، كاليفورنيا

١٩ ديسمبر ٢٠١٥

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s