‏التحول_الديمقراطي_في_البرازيل‬ الظهير السياسي المطلوب للحراك الشعبي … الحلقه ٢

lessons_from_world_how_brazil_became_democratic_country2_1

شرحنا في الحلقه ١ اهميه فشل الجيش البرازيلي في اداره الاقتصاد كأحد اهم العوامل التي أدت للتحول الاقتصادي في البرازيل (مصدر ١).

لكن العامل الاقتصادي وحده هو عامل ضروري لكنه ليس كافيا لحدوث تحول ديمقراطي. العامل الاقتصادي يحرك العامه بالذات لكن في غياب وجود ظهير سياسي يسند و يقود حركه العامه تصبح تلك الحركه هوجه مثل تظاهرات الخبز في يناير ٧٧ مثلا و يمكن ترويضها بسهوله.

اذن كيف حدث الظهير السياسي في البرازيل؟

——————————————

هناك مجموعه من التحولات السياسيه حبلت بها البرازيل في الفتره بين انقلاب ١٩٦٤ و التحول الديمقراطي في ١٩٨٥. يمكن ايجاز تلك التحولات في ثلاثه تحولات رئيسيه:

١- تفكك تحالف الجيش مع الكنيسه و رجال الاعمال و الطبقه الوسطي الذي قاد الانقلاب. 

————————————————————–

فذات المجموعات من الكنيسه الكاثوليكيه البرازيليه و رجال الاعمال الكبار في ساو باولو مثلا و الطبقه الوسطي الذين ساعدوا الجيش البرازيلي و تظاهروا بالملايين من أجله في ١٩٦٤ هم ذاتهم الذين قادوا المظاهرات ضد الجيش البرازيلي في ١٩٨٤.

لماذا فعلوا ذلك (مصدر ٣)؟

اعتمد نظام الانقلاب البرازيلي في شرعيته لدي حدوث الانقلاب علي ما اطلق عليه الضدات الثلاثه: ضد الشيوعيه، ضد الفوضي، ضد الفساد.

(ذات الامر بالضبط في انقلاب مصر. فالسيسي يستمد شرعيته بالأساس لدي اتباعه من انه ضد التطرف الاسلامي – الاخوان- ، ضد الفوضي، و ضد الفساد.)

لكن مشكله ان اي نظام يستمد شرعيته من كونه ضد شيئ انها ما يطلق عليها شرعيه سلبيه. و مشكله الشرعيه السلبيه انه يحدث امر من اثنين. اما ان يختفي الفساد و الشيوعيه و الفوضي و بالتالي تنتفي الحاجه للانقلاب. او ان يبقي الفساد و الشيوعيه و الفوضي و بالتالي لماذا نؤيد انقلاب فاشل فيما جاء من اجله؟

و بالتالي مع انتقال السلطه من جنرال الانقلاب كاستيلو برانكو الي خلفه ارتور دا سيلفا ثم إيميليو ميديتشي ثم إرنستو جيزيل في السبعينات بدا واضحا ان الاعتماد علي الشرعيه السلبيه غير كاف. و بدأ الانتقال لنوع جديد من الشرعيه هو شرعيه الكفاءه. تعتمد شرعيه الكفاءه علي ان الجيش هو افضل من يدير الاقتصاد و الدوله.

(بدأ السيسي و نظامه التحول نحو شرعيه الكفاءه بسرعه. فالمقوله التي تتردد ان الجيش هو مؤسسه عظيمه قوي يا أستاذ ابراهيم. و قد كتبنا في مصدر ٢ ان هذا كلام غير حقيقي).

مشكله الاعتماد علي شرعيه الكفاءه انه في اللحظه التي يتبدي فيها انعدام كفاءه النظام يفقد شرعيته. عكس الشرعيه الديمقراطيه التي تعتمد علي إجراءات متفق عليها و حتي لو انعدمت الكفاءه بقيت الشرعيه حتي حلول انتخابات جديده.

(و السيسي تحول لشرعيه الكفاءه الان. و لكنه يعتمد علي جهاز إعلامي قوي يظهر للمصريين حتي “وكساته” في صوره نصر. و لذلك من المهم جدا ابقاء اتباعه الحاليين تحت ضغط أفهامهم الحقيقه. صدقونا بمرور الوقت سيتحولون متي تبدي العجز واضحا أمامهم. فليس هناك احد يريد ان يرهن مستقبله مع عديمي الكفاءه. و هذا انطلق علي الكنيسه الكاثوليكيه في البرازيل التي رأت ان مستقبلها لا يجب ان يرتهن بقيادات الجيش الفاشله. كذلك رجال الاعمال في ساو باولو الذين رأوا ان الاقتصاد يتهاوي و بالتالي تتراجع أرباحهم بسبب قياده الجيش الغشيمه للاقتصاد. و ذات الحال في الطبقه الوسطي من الموظفين و الاساتذه و القيادات الذين رأوا ان الجيش سيضر بدخلهم بشكل مباشر.)

و العجيب ان الكنيسه و رجال الاعمال تحالفوا مع القيادات اليساريه مثل لولا دا سيلفا (احد قيادات العمال و رئيس البرازيل لاحقا) التي قام انقلاب ١٩٦٤ ضد ذات اليسار!

هذا مثلما نقول في مصر ان الاخوان سيتحالفون مع رجال الاعمال و الكنيسه و رجال الازهر ضد الجيش!

كان المطلب الرئيسي في البرازيل الذي جمع كل الأضداد في البرازيل هو “ديريتاس يا” او بالعربي “الانتخاب المباشر”.

كانت الانتخابات في البرازيل عمليه غير مباشره. ينتخب الناس مجمع انتخابي ينتخب المرشحين من العسكر. طالب الشعب البرازيلي بالملايين في ١٩٨٤ بوجود انتخاب مباشر.

(في حاله مصر فالتوحد السياسي حول مطلب مهم جدا. و التيار الاسلامي واهم ان كان يظن انه يستطيع الوصول للحكم الان بمفرده. و ما يطلق عليه التيار الليبرالي واهم انه يستطيع ترويض الجيش و القفز للحكم.

و التيار الاسلامي في مصر عاجز عن التواصل مع العالم لشرح قضيته. و التيار الليبرالي عاجز عن تكوين شرعيه له في الشارع المصري و لكنه ناجح في التواصل مع العالم. اذن اما ان يتواصل التيار الاسلامي مع العالم و يصل للحكم كما فعل اردوغان. او يتحالف مع الليبراليين مثلما فعلت حركه النهضه في تونس.

فالجيش يستغل الخلافات بينهما للبقاء في الحكم. و احد اهم عبر ثوره يناير انها نجحت بتحالف الجناحين المدنيين في مصر ضد الحكم المباركي العسكري حتي استغل الجيش الجناحين ضد بعضهما و قتل الاول و انفرد بالثاني.

ذات الحال في البرازيل حيث نجح التحول الديمقراطي بتحالف اليسار (مثيل الاخوان في مصر) مع ذات من تحالفوا ضده في الانقلاب. )

كذلك نلاحظ انه بالرغم ان لولا داسيلفا و ديلما روسوف (رئيسه البرازيل الحاليه) كانوا من اليسار الذي قام انقلاب ١٩٦٤ ضده. الا انهم لم يكونوا من القيادات الشهيره وقت الانقلاب.

(لذلك نصيحتنا للإخوان ان يدفعوا بقيادات جديده قادره علي التفاعل و التواصل. و كتبنا ذلك من قبل في مصدر ٤).

يظهر في الصوره الأعلى  لولا دا سيلفا رئيس البرازيل السابق و احد قيادات الحركات العماليه اليساريه في البرازيل خلال مظاهرات ١٩٨٤ التي أدت للتحول الديموقراطي (بقيه الصور).

lessons_from_world_how_brazil_became_democratic_country2_2

lessons_from_world_how_brazil_became_democratic_country2_3

lessons_from_world_how_brazil_became_democratic_country2_4

٢- انقسام قيادات الجيش البرازيلي ذاته. 

——————————————-

كل مره تحل انتخابات الرياسه يحدث انقسام داخل الجيش البرازيلي. فكل جنرال يسعي للرياسه (مصدر ٣ و ٦).

(لذلك من المهم جدا الدفاع باستماتة عن تحديد رياسه السيسي لمدتين فقط. و ليس المهم ان ينجح السيسي في تمديد فترات الرياسه او لا. و توقعنا انه سيحاول الغائها حتي يستقر الامر له و يتجنب تقسيم الجيش. و هو سيحاول. و اذا مر الامر دون مقاومه سيستقر الامر له في الجيش. و لكن المقاومه ستجعل عناصر داخل الجيش تظن ان لها شعبيه بصرف النظر عن حقيقه هذا. و سيكون من ذكاء تيار الشرعيه و الديمقراطيه ان يبدو انه يؤيد جنرال اخر حتي يزيد من الانقسامات داخل الجيش . و هذا مهم فالهدف هو ان يزداد الانقسام بينهم. و اذا نجح السيسي و مدد الرياسه فقد ظهرت قيادات جديده ضده بالجيش. و اذا تراجع اذن فمعارك الرياسه القادمه بينهم ستزيد من الانقسام. في الحالتين سينتصر معسكر الديمقراطيه المصريه. و قد يكون هذا المطلب هو مماثل لمطلب “الانتخاب المباشر” الذي وحد كل طوائف المجتمع البرازيلي).

في اي دوله يتقدم الجيش ليقود الحكم فيها يحدث صراع داخل الجيش بين هؤلاء الجنرالات الذين يقودون الحكومه و هؤلاء الذين يريدون التركيز في مهام الامن القومي.

(الوضع في مصر اصعب من البرازيل في هذه النقطه بالذات. فالذمم في مصر تشتري من عوايد مشاريع الجيش و هذا لم يحدث في البرازيل التي رأي جنرالاتها منذ نهايه السبعينات ان حكمهم للبرازيل لن يستمر للأبد و بالتالي بدأوا في سياسه الابرترورا او الانفتاح. مثل هذا غير موجود في مصر. فنظام حوافز جنرالات الجيش المصري يجعلهم يتمسكون بالحكم. فالجيش المصري اصبح اقل وطنيه كثيرا عن نظيره البرازيلي بعد عقود من الإثراء تحت حكم مبارك. كذلك فالجيش في مصر يحكم من خلف ستار و ان كان رقيقا. فالجيش لا يظهر كوزير و لكن يحتل ما هو اهم من الوزاره و هو معظم وظائف المحافظين و المحليات. و الشعب المصري تعلم ان الوزير هو اهم وظيفه بينما الحقيقه ان وزير التعليم مثلا غير مؤثر خارج نطاق وزارته و المدارس كلها تخضع للمحافظات. لذلك يجب التركيز علي إبراز دور الجيش في المحافظات و تقليل التركيز علي الوزراء فهولاء في الأغلب الاعم امعات للجيش.)

٣- بقاء واجهه ديمقراطيه!

———————-

بالرغم من حدوث الانقلاب في البرازيل كان الجيش البرازيلي يريد دوما الظهور امام العالم بمظهر ديمقراطي (مصدر ٣). لذلك استمر في اجراء انتخابات دوريه في الكونجرس البرازيلي. و بالرغم ان الجيش كون في البرازيل حزب معارض من صنع يد الجيش، الا انه كان حريصا علي وجود شكل من الاستقلاليه لهذا الحزب. في ذات الوقت الذي كان يتم قمع و قتل المعارضه اليساريه (مثيل الاخوان و التيار الاسلامي في مصر) دون هواده!

(كثير من الناس يرون ان انتخاب برلمان ٢٠١٥ في مصر لا لزوم له. و هو فعلا برلمان ديكور دون شك. لكن وجود رجال اعمال فيه سيفتح صراعهم مع الجيش و هو ضروري. كذلك من المهم بقاء أنماط التقاليد الديمقراطيه في مصر مستمره حتي يوجد تقليد يمكن الرجوع له – مصدر ٦ – فالتحولات الديمقراطيه لا تلغي كل شيئ و تبدأ من جديد. بل تبني علي ما سبق من امتداد لتقاليد ديمقراطيه مصريه تعود للقرن ١٩. و مع وجود التزوير بشكل سافر ينكشف ضعف النظام امام الشعب الذي يعزف عن الانتخابات مما يقوض شعبيه و شرعيه النظام. كذلك فان الأداء السيئ للبرلمان و انعزاله عن مشاكل الناس و سخريه الشعب منه و من قياداته يزيد من تقويض شرعيه النظام. لذا فالبرلمان مهم للتحول الديمقراطي).

كذلك بقيت في البرازيل نقابات المحامين و الصحفيين فعاله بالذات في كشف التعذيب ضد المعتقلين في البرازيل.

(مثل هذا موجود في مصر و يجب الحفاظ عليه حتي بالرغم من خلافنا مع هذه النقابات في مصر. الا ان تواجد فعاليات علي سلم نقابه الصحفيين للكشف عن احوال المعتقلين مهم حتي لو حضرها ١٠ أشخاص مثل الفعاليات الحاليه.

كذلك وجود حزب مثل مصر القويه يتحدث ضد السيسي و القهر بشكل علني مهم ايضا في مصر. بالرغم ان الكثيرين لا يحبون الان عبد المنعم ابي الفتوح. الا ان بقائه علي الساحه متحدثا افضل كثيرا من صمته لانه يبدو امام العالم ان شخص من داخل مصر يهاجم النظام مما يعني انه نظام معيب فعلا و انه ليس فقط ضد التطرف الاسلامي كما يروج النظام في الغرب. و هو موضوع ما زال يثير النظام و يدوشه. لكنه لا يستطيع فعل شيئ معه حتي الان سوي التهديد.)

مع انطلاق مظاهرات ١٩٨٤-١٩٨٥ لجأ المتطرفون في الجيش البرازيلي للتخويف و انطلقت حمله تفجيرات في البرازيل هدفها إفهام الشعب البرازيلي ان خروج الجيش من الحكم معناه الفوضي. لكن ادي هذا لإصرار البرازيلين علي موقفهم و كان التطرف العسكري في البرازيلي قد تبدي عاجزا. و اضطر الجيش البرازيلي لتسليم السلطه لرئيس مدني.

الملخص في وضع مصر:

—————-

الوضع الاقتصادي المصري يتجه بشكل سريع للوضع الذي ادي للتحول الديمقراطي البرازيلي ربما في غضون سنوات. و هذا هو العامل الاول الذي درسناه الحلقه الماضيه. لكن مصر ما زالت بعيده جدا عن اصطفاف المعارضه السياسي المطلوب لإعطاء ظهير سياسي قوي لخروج الناس في الشوارع بكثافه. قليل من العقل مطلوب هنا.

في الحلقه القادمه سنشرح العامل الثالث و هو انفراط تحالف الانقلاب البرازيلي الخارجي و توقف دعمه من العالم.

المصادر:

———–

١- الحلقه ١ من التحول الديمقراطي في البرازيل:

 https://jawdablog.org/2015/12/13/lessons_from_world_how_brazil_became_democratic_country/

٢- الاسطوره ٦٧ … الجيش رخيص لانه خال من الفساد:

https://jawdablog.org/2015/12/11/myth67_military_is_cheaper_because_not_corrupt/

٣- دراسه معهد كيلوج عن التحول الديمقراطي في البرازيل:

https://kellogg.nd.edu/publications/workingpapers/WPS/066.pdf

٤- وضع الاخوان في المستقبل:

https://jawdablog.org/2015/11/20/next_step_and_muslim_brotherhood_situation/

٥- سلسله جوده عن الحكم العسكري في البرازيل:

jawdablog.org/category/الانقلابات-العسكرية/الحكم-العسكري-في-البرازيل/

٦- محددات التحول الديمقراطي في العالم:

https://books.google.com/books/about/Determinants_of_Democratization.html?id=V8sTVEtzG9IC&printsec=frontcover&source=kp_read_button#v=onepage&q&f=false

٧- انفجارات البرازيل ١٩٨٤-١٩٨٥:

https://books.google.com/books?id=Y4G2AgAAQBAJ&pg=PT289&lpg=PT289&dq=april+1981+bombing+brazil&source=bl&ots=6i3q5vQrFP&sig=4EiqEGoeonhZIQ5W0UtXdEaQPHY&hl=en&sa=X&ved=0ahUKEwie39brjtTJAhVCqHIKHcx3Bv8Q6AEIIzAB#v=onepage&q=april%201981%20bombing%20brazil&f=false

One thought on “‏التحول_الديمقراطي_في_البرازيل‬ الظهير السياسي المطلوب للحراك الشعبي … الحلقه ٢

  1. Pingback: النموذج البحريني الذي تريده السعوديه لمصر … دراسات استراتيجيه | JAWDA

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s