فورين بوليسي: عرض افتتاح القناة غريب حقًّا

Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi  waves as he arrives for the opening ceremony of a new waterway at the Suez Canal on August 6, 2015, in the port city of Ismailiya. Sisi staged a lavish ceremony to unveil a "new" Suez Canal, seeking to boost the country's economy and international standing by expanding the vital waterway.  AFP PHOTO/ KHALED DESOUKI        (Photo credit should read KHALED DESOUKI/AFP/Getty Images)

ترجمة موقع ساسة بوست

لَكَم من الملائم أنَّ «هدية مصر للعالم»؛ «قناة السويس الجديدة»، تُنشئ من الممر الذي يصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط طريقًا سريعًا ذا حارتين. فكل شيء آخر في مصر يسير في اتجاهين معاكسين، ولم تختلف الاستجابة لمشروع القناة كذلك، إذ كانت مستقطَبة وملتفة حول المشكلة الحقيقية، مثل السُفُن الحربية المخبولة.

أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في زيارة للولايات المتحدة في عام 2014 أنَّ مصر تنوي نفض الغبار عن خططٍ لمشروعٍ سيوسِّع من منطقة قناة السويس التي ظلَّت مدفونة منذ عهد حسني مبارك. بُنِيَت قناة جديدة موازية للقناة الأصلية طولها حوالي 25 كيلومترًا، كما حدث توسيع وتعميق لـ23 كيلومترًا من القناة الأصلية بالإضافة إلى ذلك. تزعم الحكومة المصرية أنَّ هذا قد «قضى على» زمن انتظار حوالي 50 سفينة يوميًّا.

كان للمشروع في البداية جدول زمني مدته ثلاث سنوات، ولكن طالب السيسي بحماسٍ في مشهد مسرحي بتخفيضه إلى سنةٍ وسط عرض الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس للمشروع أمام شخصيات بارزة بالحكومة والجيش. قال السيسي مبتسمًا: «سنة واحدة! سنة واحدة وسينتهي المشروع» وهو يرفع إصبعه ثم يضع كفيه سويًّا. وأجاب مميش: «سنة واحدة وسيُنفَّذ يا سيدي». والآن قد حدث ذلك.

في الفترة السابقة على حفل الافتتاح الذي أُقيم يوم الخميس، كان الحديث كله في كل مكان عن السيسي والقناة لأيامٍ، وظهرت الأعلام المصرية في كل مكان فيما يشبه عدوى فطرية قومية. نُشِرَت بالونات منتفخة غامضة على شكل دببة في ميدان التحرير قبل أن تختفي مع تنامي الزخم. وأُصدِرَت أغاني وطنية إلزامية لا يمكن التفريق بينها تقريبًا. أُعيد طلاء خطوط المرور العاكسة في الميدان الرئيسي المحلي الذي أسكن فيه، وكُشِف عن ملصق كبير عن هدية «أم الدنيا»؛ كما يصف المصريون كثيرًا بلدهم، للعالم. ظهر في الصفحة الرئيسية بأكملها في جريدة الأخبار المملوكة للدولة يوم الأربعاء رسم كاريكاتوري للسيسي (كان يشبه سيلفيو بيرلسكوني قليلًا) ممسكًا بدفَّة سفينةٍ مُحاطًا بنُسَخٍ متطابقة من المواطنين المبتسمين. ثم أُعلِن عن إجازةٍ رسمية يوم الخميس كما يليق بحدثٍ بهذا الحجم، ممَّا جلب المزيد من السعادة للمواطنين المبتسمين فعلًا، خاصةً بما أنَّ هذا يعني عطلة نهاية أسبوع من ثلاثة أيام.

أُعلِن عن عرضٍ لافتتاح القناة مدته ثلاث ساعات، بدأ بموكبٍ رئاسي واستعراض بحري، تضمَّن ارتداء السيسي بدلة عسكرية احتفالية ونظارة شمسية داكنة، على طراز بينوشيه أو عيدي أمين، ووقوفه على السطح العلوي ليختٍ يجوب القناة، وفحصه للمشهد وتلويحه عن بُعدٍ لأشياءٍ؛ ربما يكون بعضها بشرًا. حلَّقت الطائرات المقاتلة بالأعلى (اشترت مصر مؤخرًا شحنةً من طائرات رافال وإف16 ويبدو أنَّها تأخذها في جولةٍ).

أمَّا أولئك الذين كانوا يشاهدون في المنزل – كان عرض الافتتاح الاحتفالي معروضًا على كل قناة تليفزيونية في مصر فعليًّا- فقد تداخلت لديهم الأغاني الوطنية مع التعليق المُنمَّق بالعربية الفُصحى الصادر على ما يبدو من غرفة صدوية، لتُشكِّل الموسيقى التصويرية. كان الأمر مثل الاستماع إلى الصوت المدوِّي المجهول في ساحر أوز، هناك رجال ضخام يرتدون أزياء ذات طراز فرعوني وينفخون الأبواق مع إبحار سفينة السيسي الجيدة. كان مميش في هذا الوقت قد انضم للرئيس، بالإضافة إلى قبعة البيسبول البحرية التي يحب ارتداءها عندما يكون على متن مركبةٍ ما. أبحر الرجلان نحو المنطقة المُخصَّصة لإجراءات الافتتاح، وكان زئير الطائرات مسموعًا عاليًا، ودارت القوارب الصغيرة في دوائر على نحوٍ جنوني مثل الأطفال الذين يزداد نشاطهم بعد تناول الحلوى، وصرخت الأبواق الفرعونية. ثم أعلن ساحر أوز أنَّ الأقلام والألسنة «ستعجز عن وصف هذا المشهد التاريخي»، على الرغم من أنَّني قد فعلتُ للتو.

انزلق المُعلِّق إلى اللهجة العامية المصرية وأعلن أنَّ هذه «قصة شعب نهض من أجل الكرامة، أمة ثارت، ورفضت أن تحكمها جماعة إرهابية».

بعد وصول السيسي إلى الشاطئ، اختفى ليُغيِّر زيه سريعًا ويرتدي بدلة مدنية (يبدو أنَّ البروتوكول العسكري يتطلَّب ارتداءه للبدلة الاحتفالية على متن اليخت). ظهر الضيوف؛ وهم مجموعة من المسؤولين الحكوميين ونخبة من الأجانب والمشاهير المحليين، يحتشدون في منصة مراقبة أسفل مظلة عملاقة منصوبة خصيصًا من أجل هذه المناسبة.

علَّق أحد المُغرِّدين على صورةٍ لمجموعة كبيرة من الضيوف السعوديين تخرج من الطائرة قائلًا: يشير ذلك إلى الزوار الخليجيين الذين يقضون الصيف في مصر والذين غالبًا ما يوجَّه كرمهم إلى الشحاذين في شوارع مصر.

خُصِّص مقعد ضيف الشرف بجوار السيسي للرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند الذي حضر الاحتفال بفصلٍ جديد لقناةٍ طوَّرها في الأساس الفرنسي فرديناند ديليسيبس، وظلَّ أغلب الوقت متململًا وينظر إلى الكُتيِّب الخاص به. وظهر الكثيرون من العامة يُلوِّحون بالأعلام في نشوةٍ مرتدين قبعات بحرية أنيقة.

ألقى السيسي خطبته بينما شفته العُليا تكافح العَرَق، وخرج عن النص كعادته لكي «يتحدَّث معنا بصفته مواطنًا مصريًّا»، وشرح موضوع الحضارة المصرية وما قد قدَّمَته للعالم على مدار 7000 عام قائلًا: «سيذكر التاريخ لمصر أنَّها تصدَّت وجابهت أخطر فكر مُتطرِّف إرهابي… المصريون تصدُّوا لهذا الفكر». قال السيسي لضيوفه إنَّ القناة قد بُنِيَت بينما كافحت مصر الإرهاب وتستمر في مكافحته، مُضيفًا: «سننتصر في النهاية بالتأكيد»، وانهال التصفيق.

أوضح الرئيس أنَّ «فرحة المصريين تؤكِّد أنَّهم كانوا بحاجة إلى التأكيد لأنفسهم وللعالم أنَّهم ما زالوا قادرين»، مُقترحًا أنَّ القناة تُمثِّل شكلًا من العلاج الجماعي بالإضافة إلى كونها كل الأشياء الأخرى التي تُمثِّلها والأكثر من مُجرَّد ممر مائي. وفي منتصف خطاب الرئيس، قاطعه صهريج، نفخ بوقه الهائل عند إبحاره بجوار الرئيس، وانفجر الجمهور في التصفيق والتهليل (كان الأمر كله جزءًا من السيناريو، إذ أثبت أنَّ القناة تعمل).

تُمثِّل قناة السويس في ذاتها رمزًا مشحونًا للغاية، رمزًا لمقاومة الاستعمار الأجنبي، ولاستقلالية مصر، وترتبط بانتصار مصر وجمال عبد الناصر على العدوان الثلاثي عام 1956. كان ناصر في نظر مؤيِّديه بطلًا قويًّا استعاد كرامة مصر وسحق الإخوان المسلمين، وقد يُعتبَر السيسي في نظر معارضيه مُقلِّدًا لناصر. كان بعض معارضيه من جماعة الإخوان المسلمين ينتقدون خطة القناة بشدة بالتأكيد، وصرَّح الإسلامي الثرثار وجدي غنيم الذي يُقدِّم خُطَبًا ساخرة على قناته على موقع يوتيوب أنَّ «طَشت والدته البلاستيكي» أوسع من قناة السويس الجديدة التي طولها ميل، ممَّا دفع المذيع التليفزيوني الثرثار بذات القَدْر وخادم الحكومة أحمد موسى إلى الرد عليه يوم الخميس بالسؤال عن صحة طَشت والدة غنيم البلاستيكي.

طرح محمد مرسي الذي عزله السيسي في 2013 خطته الخاصة لتطوير مركزٍ صناعي واقتصادي على شواطئ القناة خلال فترته القصيرة في المنصب. كانت الخطة تعتمد على قرضٍ بـ8مليار دولار من قطر، واتَّهمه معارضوه ببيع قناة السويس للدولة الخليجية.

أصبح الجميع في مصر خبيرًا في الشحن البحري بين ليلةٍ وضُحاها، وتثور النقاشات المستقطبة والمدفوعة بالانحياز على مواقع التواصل الاجتماعي. يُصر مؤيِّدو السيسي أنَّ القناة ستُغيِّر من اقتصاد مصر، ويقول معارضوه إنَّها إهدار للمال، ورقة توت يحاول النظام تغطية نقائصه بها. حتى الآراء وسط صناعة الشحن نفسها تتنوَّع ما بين الحماسية إلى المُتشكِّكة، وهكذا فيبدو أنَّه من المستحيل التأسيس لأي يقين بما إذا كان لتخطيط الحكومة المصرية بأن تُزيد قناة السويس الجديدة من عوائدها من 5,3 مليار دولار إلى 13,3 مليار بحلول عام 2023 أي أحقية.

سواء كان لديها أي أحقية أو لا فهو أمر خارج عن الموضوع، فهذا نظام يهتم باللفتات الكبيرة (هل هناك لفتة أكبر من عزل رئيس من السُلطة؟) ولم يُحقِّق حتى الآن سوى القليل من التقدُّم في مشاكل مصر الاقتصادية الاجتماعية المتعدِّدة عسيرة الحل، بينما يستمر في تضييق الخناق على الحريات المدنية، بدعمٍ عامٍ واضح على نطاقٍ واسع.

دائمًا ما تكون اللفتات الكبيرة مُقامرةً، يبدو أنَّ هذه المُقامرة قد نجحت، حتى الآن على الأقل. ولكن حتى وقتٍ قريبٍ للغاية كانت الدولة تحاول إخفاء السقطة التي تسبَّب فيها الزعم الهزلي والمُحتفَى به كثيرًا (في البداية على الأقل) بأنَّ الجيش المصري قد اكتشف علاجًا للإيدز وفيروس سي، ولكن مثل هذه الأمور تُنسى، وربما تُسامَح، وسط العاصفة اليومية من التقارير الصحفية عن القتل والتفجيرات الإرهابية.

المصدر:http://foreignpolicy.com/2015/08/07/sisi-dredges-the-depth-egypt-suez-canal-boondoggle/

ترجمة موقع ساسة بوست : http://www.sasapost.com/translation/sisis-canal-extravaganza/

ملحوظة من فريق جودة: الهدف من ترجمة هذه المقالات من المجلات العالمية والمشهود لها بالمصداقية هو توعية وتثقيف المواطن وإخراجه من العزلة عن العالم وتوضيح رؤيته وتحليله عن ما يحدث في مصر. هي محاولة بسيطة لإظهار بعض الحقائق بدون تزييف أو بروباجندا أو تطبيل للزعيم الأوحد كما يقوم الإعلام المصري الآن …

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s