صفحات مخفيه من تاريخ مصر … دخول العثمانيين لمصر

hidden_history_Ottoman_ruling_in_Egypt_1

كثير من التاريخ الحقيقي لمصر لم يكتب او تم تشويهه لاهداف سياسيه. في هذه السلسله نعيد كتابه تاريخ مصر بالمراجع و نكشف التشويه المتعمد في كتاب التاريخ المدرسي المصري (الحلقات السابقه منذ الفراعنه في مصدر ١).

وصلنا في الحلقه السابقه لصلاح الدين الأيوبي. اليوم نتعرض لحمله التشويه الضخمه التي طالما تعرض لها العثمانيون في كتاب التاريخ المدرسي المصري. و في الحقيقه ان الامبراطورية العثمانيه كأي امبراطوريه، شهدت عصور ازدهار ثم انحطاط و تفسخ. و هي دون شك قد اضافت الكثير للإسلام و المسلمين مما يغفله كتاب التاريخ المدرسي المصري، الذي ينتقل فجأه من كون العثمانيون رعاه و مزارعين في الأناضول الي فتحهم لمصر و يركز علي إعدامهم لسلطان المماليك علي باب زويله!

يغفل الكتاب المدرسي المصري قصه فتح القسطنطينيه مثلا علي يد السلطان محمد الفاتح الذي فتحها و هو ما زال شابا صغيرا بعد عده محاولات استخدم في اخرها تكنولوجيا جديده في الاقتحام قام فيها بتفكيك السفن و نقلها برا حتي يستطيع استكمال حصار القسطنطينيه و دخولها (مصدر ٢). و هي قصه يجب ان تكون مصدر الهام كبير للشباب المصري و العربي و المسلم. و لكن لا يرد لها ذكر في مصر. و قد يقول قائل هذا كتاب تاريخ مصر فلماذا يورد تاريخ فتح القسطنطينيه. و هذا العجب فعلا فالكتاب المدرسي المصري يورد تاريخ الأمويين (بتفاصيل كل ملوكهم واحدا واحدا بما فيهم الصالح و الطالح و يحفظ الطلبه تاريخ بدء ولايه و نهايه كل ملك أموي في تفاصيل لا لزوم لها!) و العباسيين و حروب الرده و الفتنه الكبري بين الشيعه و السنه بإغراق في التفاصيل و يغفل تماماً توضيح كيف انتشر الاسلام في مصر في ذات الفتره!

و السبب قطعا سياسي فكتاب التاريخ المصري كتب في زمن عبد الناصر و كان الاتجاه قومي عربي. و الأمويون و العباسيون عرب لذا يتم التركيز علي تاريخهم. و بالطبع يتم التركيز علي الفتنه الكبري (و هو موضوع هام لا شك و لكن الهدف ما زال سياسيا) لاستغلالها ضد الشيعه و ايران التي عاداها عبد الناصر و بالطبع اغفال نجاحات العثمانيين لان عبد الناصر كان علي عداوه مع الأتراك. و بصرف النظر هل العداوه مع ايران و تركيا و غيرهما مبرره سياسيا ام لا. الموضوع هو ان التاريخ يجب ان يعتمد علي الحقائق و لا يتم تشويهه سياسيا.

أصل الموضوع يبدأ في القرن ١٤

————————–

يقول كتاب التاريخ المدرسي المصري ان العثمانيين استغلوا مصر اسوء استغلال و انهم نقلوا كل الحرفيين المصريين المهره لإسطنبول و تعاملوا مع مصر بشكل عنيف و افتقرت مصر في عهدهم.

الحقيقه انه قبل دخول العثمانيون لمصر بحوالي ١٥٠ سنه انتشر وصل وباء الطاعون لمصر عبر طرق التجاره مع أوروبا (مصدر ٣). كانت مصر في تلك الفتره هي مركز تجاره رئيسي عبر طريق الحرير من اسيا نحو أوروبا. حيث كانت المراكب تأتي من الصين او الهند و تنزل حمولتها في مصر ثم يتم نقلها نحو البندقية و هي مركز التجاره الاوروبي الرئيسي في ذلك الوقت او تأتي التجاره برا عبر وسط اسيا لتصل الشام و كانت وقتها تحت سيطره المماليك ثم يتم نقلها بالسفن نحو أوروبا او العكس. و قد تربح المماليك كثيرا هذه التجاره (مصدر ٤). انتشر وباء الطاعون في أوروبا و انتقل لمصر و الشرق الأوسط عبر طرق التجاره. في عده سنوات قضي الطاعون تقريبا علي نصف سكان مصر (مصدر ٥). كان هذا في منتصف القرن ١٤ قبل وصول العثمانيين بحوالي ١٥٠ سنه و كانت هذه فتره وصول ابن بطوطه لمصر من المغرب و قد أرخ هو بدقه لهذه الفتره و وصف حاله الفقر و المرض و الانهيار في مصر (مصدر ٦). و طبعا يغفل كتاب التاريخ المصري كل هذا.

و الواقع ان مصر لم تتعافي من وباء الطاعون هذا لفتره طويله. فما ان استطاعت مصر تعويض خسران نصف سكانها (كانت مصر وقتها اقل سكانا بكثير عن اليوم و عن قدرات وادي النيل علي الاستيعاب) و السيطره علي وباء الطاعون كان القرن الخامس عشر في عنفوانه و هو قرن اكتشاف طرق الملاحه الجديده و اكتشاف العالم الجديد. بدأت قوه الأوروبيين في البزوغ بعد اكتشاف طرق الملاحه الجديده. بدأ البرتغاليون في تشكيل قوه بحريه ضخمه كان هدفها الاستيلاء علي طرق الملاحه و التخلص من المماليك. اصبح هذا هدفا استراتيجيا لغرب أوروبا (البرتغال، اسبانيا في البدايه ثم هولندا و بريطانيا لاحقا) التي ارادت الا تدفع ضرائب للتاجر المملوكي او البندقي الوسيط بل ارادت ان تصل مباشره للهند و الصين دون وسيط.

بعد الطاعون و كانت مصر لم تتعافي كليه بعد دخل المماليك في نهايه القرن ١٥ و بدأبه القرن ١٦ في حروب ضد الاسطول البرتغالي الذي اراد السيطره علي جزيره جاوا في الهند (الخريطه) و علي مدينه ديو الهنديه. و كلتاهما مواقع رئيسيه علي طريق التجاره بين أسيا و أوروبا. بالسيطره علي تلك المواقع يتمكن البرتغاليون من توجيه التجاره نحو راس الرجاء الصالح عوضا عن البحر الأحمر. و حتي اليوم من يتحكم في الهند يستطيع عسكريا توجيه التجاره ايما شاء اما شمالا نحو البحر الأحمر او جنوبا نحو راس الرجاء الصالح (و هذا يفسر التحالف الاستراتيجي بين امريكا و الهند – مصدر ٧). فكل طرق التجاره من الصين لاوروبا و افريقيا و العكس يجب ان تمر في مضيق سنغافورة (انظر الخريطه) و منها نحو جنوب الهند و لا يوجد طريق اخر.

hidden_history_Ottoman_ruling_in_Egypt_2

بسبب تدهور حاله مصر وقتها و عجز المماليك و افول دولتهم و عدم اهتمامهم ببناء أسطول انهزم المماليك في موقعه ديو البحريه عام ١٥٠٩. بالرغم من عداء العثمانيين للماليك الا انه يجب ان يذكر انهم ساعدوهم و تحالفوا معهم ضد العدو البرتغالي المشترك. (مصدر ٨)،بالطبع في حدود ما يمكن تقديمه من مسافه الاف الاميال حيث كانت كل الشام و مصر و الحجاز تحت سيطره المماليك. و هذا دون شك مما يحسب لهم و مما يغفله كتاب التاريخ المدرسي.

بانهزام المماليك في ديو اصبحت كل طرق التجاره تحت سيطره البرتغاليين الذين دخلوا البحر الأحمر و هددوا جده و مكه ذاتها و طردوا المماليك من كل البحر الأحمر.

لذا فأمن مصر القومي الحقيقي يبدأ عند جزيره جاوا في الهند و عند مضيق سنغافورة. لا عند مضيق باب المندب. حيث من يسيطر علي طرق التجاره في سنغافورة و تايوان (لذلك تتحكم امريكا في تايوان مثلا و تكره الصين ذلك) و جاوه هو المسيطر الفعلي و يصبح موضوع باب المندب هو فقط قوه بوليس محليه هدفها تأمين التجاره ليس الا ضد هجمات القراصنه. فتدبر فيما تسمعه في الاعلام المصري الكاذب و المضلل.

في ذات السنه انهارت الخزانه المصريه بسبب تحول طرق التجاره و هي مصدر الدخل الرئيسي. و لم يكن للحرفيين في مصر ما يصنعونه. فالمواد الخام لا تأتي كما ان التصدير قد توقف. فتوقف الحرفيون عن العمل.

hidden_history_Ottoman_ruling_in_Egypt_4

دخول العثمانيين لمصر

——————–

و هنا اصبحت مصر و الشام سهله السقوط في يد العثمانيين الذين أرادوا احياء الامبراطورية الاسلاميه و أعاده أمجادها. فدخل السلطان سليم الاول القاهره. و بالفعل اعدم السلطان المملوكي للتخلص منه. و الغريب ان كتاب التاريخ المدرسي الذي يمجد مذبحه القلعه بل و يقول السيد المسلماني مستشار “رئيس الجمهوريه”، لاحقا انها عمل مجيد أتاح تكوين مصر الحديثه (مصدر ٨)، هو ذات الكتاب الذي يدين إعدام السلطان المملوكي في حين ان العثمانيين أبقوا المماليك و أبقوا نظم الاداره القائمه بل و أتاحوا لها النمو و التطور (مصدر ٩). و هو ما كان من الممكن ان يجعل مصر تتطور من الإقطاع نحو التصنيع بشكل ديمقراطي مماثل لما حدث في أوروبا من تطور النظام الاقطاعي تدريجيا قبل ان يقوم محمد علي ثم عبد الناصر بإجهاض التطور الطبيعي لمصر و السيطره علي كل أدوات الانتاج.

hidden_history_Ottoman_ruling_in_Egypt_3

استلم العثمانيون مصر و هي مفلسه (مصدر١٠) و دون تجاره و مهزومه من البرتغاليين. و كانت طرق التجاره قد تحولت فعليا و اصبح الاسطول البرتغالي مهيمنا في كل المحيط الهندي. لذا عوضا عن الدخول في قتال مع البرتغاليين في مواقع بحريه هي نقطه ضعف للعثمانيين اثر العثمانيون نشر الاسلام عن طريق الفتوحات البريه في أوروبا بالتمدد غربا و قهر الأوروبيين في عقر دارهم في فيينا. و كان تقدير العثمانيين ان سقوط فيينا كان سيؤمن القسطنطينيه و ممتلكات العثمانيين في البلقان. كان من تاثير ذلك التركيز هو طبعا تحول البوسنه و الهرسك و ألبانيا نحو الاسلام. و هي كلها نتائج يغفلها كتاب التاريخ المصري و لا يذكرها الا في معرض أصل محمد علي الالباني فقط لان عبد الناصر كان يري نفسه خليفه محمد علي، و هي علاقه غريبه مع مؤسس الملكيه التي اقصاها ناصر ذاته.

مع توقف التجاره و افلاس مصر اصبح الفتح العثماني لمصر مصدر ربح للتجار المصريين فازدادت التجاره مع العثمانيين و مع الأوروبيين عن طريق اسطنبول ذاتها. و انتقل الحرفيون و التجار المصريون الي اسطنبول حتي يكونوا اقرب لطرق التجاره و الربح. و كان هذا الوقت الذي كان انتقال اي فرد بين الأقطار الاسلاميه المختلفة هو عمل طبيعي مماثل لتنقل الأفراد اليوم بين دول الاتحاد الاوروبي. و بالطبع عوضا ان يتحدث كتاب التاريخ المصري عن التعاون بين شعوب المنطقه فانه يؤجج وطنيه مصريه تكره من حولها الا من شاء الحاكم.

بالطبع نقل العثمانيون بعض الممتلكات نحو مركز الخلافه في اسطنبول. كان أهمها هو خبيئه الرسول صلي الله عليه و سلم و هي مجموعه من شعر الرسول و بعض ممتلكاته اقتناها حكام المماليك في مصر نتيجه سيطرتهم علي الحجاز. و نقلها العثمانيون لقاعه خاصه في قصر طوبكابي في اسطنبول و استنوا عاده ان يقرأ القرآن في تلك القاعه دون انقطاع (مصدر ١١). و علي مدي اكثر من خمسه قرون لم تنقطع قراءه القرآن في تلك القاعه حتي خلال قصف البريطانيين لإسطنبول خلال الحرب العالميه الاولي (كان الجيش المصري مع البريطانيين خلال تلك الحرب و كانت مصر ساحه مهمه للجيش البريطاني و استغلها اسوء استغلال ضد مصالح مصر القوميه ذاتها و لم يرد ذكرها في كتاب التاريخ المصري. و هي اكبر عمليه تزوير في وعي المصريين و سيرد ذكرها في الحلقات القادمه).

المصادر:

———

١- الحلقات السابقه من صفحات مخفيه:

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- محمد الفاتح:

http://islamstory.com/ar/محمد-الفاتح-فاتح-القسطنطينية

٣- وصول الطاعون لمصر:

http://www.saylor.org/site/wp-content/uploads/2011/06/Black-Death.pdf

٤- طرق التجاره وقت المماليك:

http://www.metmuseum.org/toah/hd/vmos/hd_vmos.htm

٥- وفيات الطاعون في مصر:

https://goo.gl/04cDMQ

٦- رحلات ابن بطوطه:

http://al-hakawati.net/arabic/civilizations/10.pdf

٧- التحالف الاستراتيجي بين امريكا و الهند:

https://www.foreignaffairs.com/articles/asia/2007-11-01/americas-strategic-opportunity-india

٨- المسلماني يمجد مذبحه القلعه:

http://arabic.jadaliyya.com/pages/index/16009/يا-أهلا-بالمذابح

٩- ابقاء العثمانيين علي نظام الاداره المصري:

http://www.cemml.colostate.edu/cultural/09476/egypt02-08enl.html

١٠- وضع مصر وقت الفتح العثماني:

https://goo.gl/pv2ZnL

١١- قراءه القرآن في قصر طوبكابي في اسطنبول:

http://www.altawhid.org/2012/10/25/متحف-آثار-الرسـول-عليه-الصلاة-والسلام/

One comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s