تعالوا نتحدث في الاستراتيجيه … خيارات السيسي و السعوديه في المنطقه

Sisi_and_Saudi_Strategy_1

نتابع في هذه السلسله تحليل المواقف الاستراتيجيه في المنطقه. درسنا في الحلقه السابقه (مصدر ١) علاقه ملكيات و مشايخ الخليج بالثوره المصريه و توصلنا لحتميه كره الخليج بصفه عامه، و حكام السعوديه بصفه خاصه، للثوره المصريه و هي حقيقه تاريخيه و واقع نعيشه. لذلك فكل من يقول مثلا ان الملك سلمان يحمل فكرا جديدا و انه سيعيد د مرسي او انه كان مؤيدا صامتا للثوره المصريه و غيره هو كلام لا أساس له و لن يحدث. سنتعرف في هذه الحلقه علي لماذا و ظواهر ذلك و الخيارات المحتمله امام كلي من السيسي و السعوديه.

تهديدات تواجه السعوديه:

بدايه يجب ان ننظر لموقف السعوديه بشكل اشمل. تري السعوديه انها تواجه تهديد استراتيجي من عده جهات بعضها معلوم و بعضها خفي غير واضح:

١- التهديد الإيراني. و هو تهديد سيتزايد مع انتشار ايران في سوريه و العراق و اليمن و لبنان. و هي كلها مواقع هيمنت عليها السعوديه بشكل كامل في الثمانينات مثلا. ففي وقت من الأوقات كانت المنطقه ترتكز علي ما سمي وقتها محور “فهد – صدام” بالاضافه لتمويل السعوديه لقوات الردع السوريه و هي قوه الجيش السوري في لبنان.

تضاف لقوه التهديد الإيراني في المنطقه اتفاقها النووي مع الغرب الذي يزيح عن كاهل ايران العقوبات و يجعلها شريك اقتصادي ضخم للغرب. و تخوف السعوديه ان تتحول الشراكه الاقتصاديه مع الغرب بمرور الوقت لشراكه استراتيجيه.

و بالطبع فالاقليات الشيعيه في الخليج و بالذات في المنطقه الشرقيه السعوديه الغنيه بالبترول هو مما تستطيع ايران استغلاله.

٢- الصعود التركي: في الثمانينات كانت تركيا تتجه نحو الغرب و أعطت ظهرها للشرق. اختلف الامر الان. اصبحت تركيا تمثل نموذجا جذابا لملايين من الشباب العرب الذين يرون فيها تطبيقا عمليا للتمازج بين الاسلام و قيم الغرب الديمقراطيه. و في هذا تهديد للسعوديه دون شك فهي مسأله وقت ليس الا قبل ان يطالب الشباب السعودي بتجربه تركيا.

٣- الصعود الإماراتي و القطري: و هذا تهديد لا يفكر فيه الكثيرون. فبينما اغتنت الامارات و قطر بطفره لا مثيل لها، فالفقر في السعوديه ازداد كما ازداد الفساد. نظره واحده علي الفروق في متوسطات الدخل بين تلك الدول تظهر بوضوح ان متوسط دخل الاماراتي او القطري هو اكثر من ضعف مثيله السعودي (مصدر ٢).

دون شك ينظر كثير من الشباب السعودي العاطل نحو أقرانهم في الامارات و قطر بحيره و حسره.

كذلك يمكن القول انه ربما يسعي حكام الامارات و قطر لوراثه العرش السعودي حيث يري بعضهم ان امكاناته و طموحاته اكبر كثيرا من حجم ابي ظبي او قطر. و ربما يري حكام السعوديه ذلك و يرون فيه تنافسا و غلا و حقدا و غيره بين الأمراء. و ربما يكون حكام ابي ظبي الأوضح في إظهار رغبتهم في السعوديه حيث يقوم مثلا ربيبهم ضاحي خلفان بانتقاد السعوديه بشكل دوري. و السعوديون يرون ذلك و ربما يفسر هذا سوء استقبال حكام ابي ظبي خلال جنازه الملك السابق عبد الله.

٤- تراجع اسعار البترول. و هو تراجع تري السعوديه و خبراء العالم انه ليس تراجعا مؤقتا بل سيبقي لفترات طويله (مصدر ٣). حيث توصلت الولايات المتحده لتكنولوجيات متقدمه لاستخراج النفط الصخري و زياده كفاءه السيارات في العالم و احلال الغاز محل البترول كوقود نظيف في توليد الكهرباء، مما قلل من الطلب و زاد من الانتاج. كذلك فرفع العقوبات عن ايران يعني ببساطه دخول تكنولوجيات انتاج جديده لإيران و زياده إنتاجها و تصديرها مما سيقلل اكثر من سعر البترول.

انخفاض سعر البترول لفترات طويله و اعتماد اقتصاد المملكه عليه يعني ان اهميه السعوديه في المنطقه تتراجع.

٥- الربيع العربي: حيث يتملل الشباب العربي و بالرغم من القمع السائد الان فالحركة تحت السطح لا تتوقف. و بدون أفق سياسي و بدون نمو اقتصادي فالثورات ستتجدد دون شك.

٦- ازمه توريث الحكم في السعوديه و الصراع داخل الاسره الحاكمه السعوديه بين السديريين و غيرهم و ارتفاع سن ملوك السعوديه. و السديريون هم الأمراء الاشقاء أبناء ام واحده من قبيله السديري احد اهم قبائل السعوديه و منهم الملك الحالي سلمان.

٧- اعتمدت السعوديه لعقود علي ضمان أمني من الولايات المتحده امتد ليشمل تأمين السعوديه و طرد العراق من الكويت خلال حرب الخليج. رأت السعوديه كيف تخلت امريكا بسرعه عن مبارك. ثم كيف أدارت امريكا المفاوضات النوويه مع ايران دون اعلام السعوديه و حتي اسرائيل بتطورات تلك المفاوضات. ثم يسمع حكام السعوديه ما يتواتر اليهم عن النقاشات داخل اروقه الحكم الأمريكيه حول عدم حاجه امريكا لبترول السعوديه و ان السعوديه هي من تحتاج امريكا و هكذا. و كلها نذر شؤم بالنسبه للسعوديين.

لاحظ غياب اسرائيل تماماً عن معادله التهديدات. بالعكس اسرائيل قد تكون حليف مهم في مواجهه ايران لانها تري ذات الخطر الإيراني.

خيارات السعوديه الاستراتيجيه و خطوات سلمان :

اولا: بدأ سلمان بترتيب الموقف داخليا حيث جعل محمد بن نايف وليا للعهد و محمد بن سلمان ابنه وليا لولي العهد. بالطبع محمد بن نايف كما هو معلوم هو رجل الولايات المتحده في السعوديه (مصدر ٤) و في هذا تطمين كبير لامريكا. كما انه سديري و لا اولاد له و بالتالي يضمن ذلك استقرار الأمور للسديرين. تبدو الأمور و كأنها استقرت و لو مؤقتا داخليا. و سيبقي الاهم هو ما سيقرره محمد بن نايف عندما يصبح ملكا حيث اثبتت التجربه انه في النهايه يمكن لأي ملك جديد ان يلغي كل ما فعله سابقه مثلما اطاح سلمان بمقرن بالرغم من إصدار عبد الله قبل وفاته مرسوما بعدم جواز تغيير ولي العهد او ولي ولي العهد.

ظهور محمد بن نايف و محمد بن سلمان يعني ايضا تحجيم تاثير محمد بن زايد او غيره سواء في الامارات او دبي. بالنظر لبزوغ تاثير محمد بن زايد علي السعوديه في أواخر ايام عبد الله و علاقته الحميمه مع رئيس مكتب الملك التويجري، في الأغلب سنري جفاءا محدودا تجاه الامارات و تعزيزا للعلاقات مع قطر. لا يعني هذا ارتفاع تاثير قطر في السعوديه بل هو نوع من رغبه السعوديه في احداث توازن بين العدوتين قطر و الامارات، و هو توازن يجعلهما يتسابقان علي الحظوه لدي السعوديه. من المستحيل ان ينقلب الجفاء تجاه الامارات لعداوه كما ان التصالح مع قطر لن ينقلب لحلف ضد الامارات، بل الهدف الاستراتيجي فقط هو ضمان سيطره ابقاء الأصدقاء قريبين و الأعداء اكثر قربا.

لذلك ينبغي الا يهلل كثيرون في مصر للتقارب السعودي-القطري و الا تذهب خيالاتهم لبعيد.

ثانيا: بالنسبه للسعوديه فالتهديد الإيراني حال و صارخ و مباشر و قوي بينما التهديد التركي مؤجل و ناعم و بعيد. ايران لها ساحل مباشر علي الخليج و لها قوه عسكريه في سوريا و العراق و لبنان و لها اقليات في السعوديه، كل هذا لا تملكه تركيا.

لذلك فحساب السعوديه هو ان تتعاون مع تركيا لمواجهه المد الإيراني، ثم بعد ذلك لكل حدث حديث.

يفسر هذا التقارب التركي – السعودي. و في حساب تركيا فتقاربها مع السعوديه يعطي تركيا قدره ضخمه علي التأثير في الشرق الأوسط. كما انه يجعل النموذج التركي اكثر جاذبيه للعرب مما يزيد من قوه تركيا الناعمه حيث تتجنب الحملات الدعائيه السعوديه ضدها.

ثالثا: ستختلف تركيا و السعوديه استراتيجيا حول مصر و هو ما ذكره رجب اردوغان في حديثه للصحفيين عند عودته من السعوديه (مصدر ٥). تركيا تريد ديمقراطيه حليفه. لا تريد السعوديه ديمقراطيه عربيه كما ذكرنا في مصدر ١. وفقا لأردوغان قال سلمان ان السعوديه تريد “الاستقرار” في مصر و ان هذا الاستقرار لا يتحقق الا بحكم رجل من الجيش. “مصر لا يحكمها الا الجيش”. و هذا بالضبط ما توقعناه سابقا. و قد ذكر هنري كسينجر ذات الامر في كتابه الأخير (مصدر ٦). و يعزي كسينجر ذلك ان السعوديه تفضل ان تكون كل أمورها خلف ستار. وجود حكم عسكري في مصر يتيح لها عقد صفقات خلفيه. وجود ديمقراطيه في مصر يعني ان كل العلاقه مع السعوديه تصبح علي المشاع او ان تقلل السعوديه علاقتها مع مصر و هو امر مستحيل.

و قد راينا بعضا من هذا في حرب اليمن. فمصر تشارك في حرب سعوديه في اليمن دون حتي ان يدري الشعب المصري! مستحيل هذا في وجود ديمقراطيه.

رابعا. ستعمل السعوديه علي مواجهه التهديد الإيراني. و لكنها تواجهه في حاله ضعف استراتيجي. فالمظله الأمريكيه مشكوك فيها. و لذلك تحاول السعوديه استجلاب حلفاء من تركيا و من باكستان و من حتي ماليزيا و السنغال. و هذا اعلان للضعف. فالسعوديه متردده في اليمن و عاجزه عن الحسم. و هي ان حسمت بمساعده الأتراك خسرت استراتيجيا امام تركيا علي المدي البعيد لان تركيا سيكون لها مطالب تبدأ بمصر و لا تنتهي بها. و ان فشلت بغير مساعدتهم فإنها فشلت استراتيجيا امام ايران. و السعوديه غير راغبه في دخول شعبها في حرب بمفردها مع ايران بدون مظله اعتادت عليها و هي حرب ان خسرتها انتهي العرش السعودي. و هذا يفسر التردد السعودي. فتاره اعلان حرب ثم اعلان توقف ثم اعلان العوده للقتال و هكذا!

و هناك من يدفع السعوديه للاستمرار في هذا لانه يؤجج الحروب في المنطقه كما انه يبقي اسعار النفط مرتفعه.

و القيادات السعوديه متردده بين الشباب الذين يشعرون بامكانيه الحسم بمفردهم و الشيوخ الذين لم يعتادوا العيش دون مظله امريكا. و الملك ذاته متردد بين الاثنين.

خامسا. و هنا يأتي السيسي. فهو يري ضعف السعوديه الاستراتيجي. و هو يبتزها. و السعوديه تعلم انه يبتزها. و تهديد عمرو اديب مثلا باشعال حرب اهليه ان فكر احد في أزاحه السيسي غير موجه للإخوان و لا الشعب المصري الذي يعاني فعلا من حرب اهليه و قمع. فالتهديد موجه بالأساس للسعوديه ان فكرت في أزاحه السيسي.

و السعوديه ربما تري ان اي تنازل ضخم لتركيا قد يقود لتنازلات اخري. و في ذات الوقت تري السعوديه ان قمع السيسي يزيد من احتماليه ثورات اخري في مصر.

و لذلك في تصورنا ربما تتمني السعوديه لو يأتي جنرال اخر اقل قمعا و اكثر تسامحا و يعطي أفق سياسي يمتص غضب المصرين بتكلفه اقل من إعطاء مصر مساعدات لا تنتهي و بشكل يجعل القلق من ثوره جديده اقل حده مما هو عليه الان.

و وفقا لمصدر ٥ هناك فعلا جنرالات مصريون يعرضون أنفسهم علي امريكا و السعوديه كي يكونون من يحل محل السيسي.

و الحمله الحاليه في الاعلام ضد السيسي هي وسيله السعوديه للتأكيد انها تستطيع. فمعظم الاعلام المصري الحالي يرتزق من السعوديه و دول الخليج. حتي هؤلاء المحسوبون علي رجال اعمال مصريين يعرفون ان رجل الاعمال المصري لا يستطيع ان يقول لا لطلب سعودي. و الصراع الذي نراه حاليا من تسريبات و صراع مخابرات هو صراع حقيقي بين موالين للسيسي (و يعملون علي ابتزاز السعوديه و استخدام القمع) و اخرين موالين لنظام حسني مبارك (و هم اقل في القمع و اقل في الابتزاز)!

سادسا. ان الخطأ الأكبر الذي وقع فيه السيسي هو انه قلل خياراته بشكل كبير جدا. فاعتماده الأساسي هو علي القمع الداخلي، الاعلام الموجه، و مساعدات الخليج، و تأييد اسرائيل.

تأييد اسرائيل سيتجه لأي جنرال مصري طالما فشل السيسي في ضبط سيناء. الاعلام يمكن رشوته من السعوديه. و القمع الداخلي يقلق السعوديه. و مساعدات الخليج تجعله في علاقه ابتزاز معه. لذلك فكل خيوط السيسي و خياراته تصب في السعوديه. و هو قد حاول مع امريكا و وجدها موصده الا من فتحت له اسرائيل بابه و فقط للحصول علي سلاح في سيناء. ثم حاول مع روسيا و ليس لديها ما تعطيه (مصدر ٧) و اعترضت السعوديه علي ذلك بشده.

النهايه:

لذلك فخيارات السعوديه الاستراتيجيه في مصر تنحصر في تليين الأمور في مصر و السيطره عليها. ربما سيقررون انه حان الوقت لانتخابات رئاسيه في مصر و ان الديكتاتور يجب ان يرحل ليحل محله جنرال اخر اقل جنونا و اكثر رحابه يمد الأفق السياسي في مصر. و قد يكون هذا الجنرال هو احمد شفيق. و السيسي يعلم او وبما يحس بذلك. و ربما يكون جنرال اخر في الجيش المصري. هذا خيار امام السعوديه. الخيار الاخر هو الإبقاء علي السيسي و تليينه. في مقابل ذلك فلا يوجد خيار امام السيسي سوي ثنائيه العلاقه مع السعوديه و الخليج. و هو ربما لعب علي خلافات قطر مع السعوديه مع الامارات و لكن مع ظهور جيل سعودي جديد من الصعب تكرار مثل تلك الألعاب. لذلك امام السعوديه اكثر من خيار. لا يوجد امام السيسي الا خيار واحد.

Sisi_and_Saudi_Strategy_2

المصادر:

——–

١- الخليج ما له و ما عليه:

https://jawdablog.org/2015/03/22/national_security_and_gulf/

٢- متوسط الدخل في دول العالم:

http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_countries_by_GDP_%28PPP%29_per_capita

٣- اسعار البترول و توقعاتها:

http://www.forbes.com/fdc/welcome_mjx.shtml

٤- علاقه محمد بن نايف الحميمه بالولايات المتحده:

http://www.washingtonpost.com/world/middle_east/meet-the-saudi-royal-familys-rising-star-mohammed-bin-nayef/2015/01/23/2af68108-a308-11e4-91fc-7dff95a14458_story.html

٥- الخلاف التركي السعودي حول مصر:

http://www.middleeasteye.net/columns/does-sisi-retain-support-his-top-generals-1452666191

٦- النظام العالمي – هنري كسينجر:

http://www.amazon.com/World-Order-Henry-Kissinger/dp/1594206147

٧- ليس لروسيا ما تعطيه:

https://jawdablog.org/2015/03/22/egypt_taboo_42_russia/

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s