الخلافة الاسلامية الحلقة الثانية

فى الحلقة الاولى من هذه السلسة أثبتنا أن لفظ “خليفة” هو لفظ أصيل جاء فى كلام رب العالمين و كلام سيد المرسلين صلى الله عليه و سلم. و هذ الأمر معروف من الدين بالضرورة فلفظ خلافة و خليفة ظل مستخدما من أيام ابوبكر رضى الله عنه و حتى عام 1924م. يعنى اكثر من 1300 سنة من تاريخ المسلمين.

وقلنا إن الخليفة او الإمام او الأمير هو الرجل الذى يقوم برعاية أمر الدين و الدنيا للمسلمين كافة. و قلنا أيضا ان مهنة الانبياء و الرسل هى إقامة الدين. و إقامة الدين فيه خيري الدنيا و الاخرة. فالدنيا لا تستقيم إلا بالحق و العدل و الأخلاق و الصدق و الفضائل و الرحمة و هذا ما أتى به الدين. و الدنيا أيضا لا تستقيم بدون الحزم و الشدة و الضرب على يد المفسدين و المجرمين. و هذا ايضا ما جاء به الدين.

هذا الكلام ملزم لأى مسلم يشهد أن لا اله إلا الله و أن محمد رسول الله. يعنى كل مسلم يحب الخلافة و يحب أن يكون هناك قوة و منعة و غلبة للإسلام و المسلمين و لا يبغض هذا أو يرجو عكسه إلا منافق. لكن لو كان قارئ هذا المقال غير مسلم او مسلم حديث عهد بالسلام لعله يتسائل فما هو الإسلام اصلا؟ يعنى لو صدقنا ان الخلافة هى اقامة الدين (الاسلام) و الدنيا، فالدنيا مفهومة لكن ما هو الدين؟ و لماذا يظن المسلمين ان دينهم هو الحق؟ و لماذا يريد المسملون خلافة تقوم بنشر هذا الدين؟ و لماذا نشر هذا الدين جزء اساسى من مهام الخليفة (او النبى أو الرسول)؟

المسلم يؤمن أن هناك إله واحد و هو من أرسل جميع الرسل ليبلغوا عنه و يعلموا العباد. فلا يوجد تنافس أصلا بين الانبياء و لا صراعات بينهم بل كلهم فريق واحد أرسله رب العباد لهدف واحد. فمثلا فى سورة الشورى نقرأ “شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”. نجد هنا ان الخمسة أولى العزم من الرسل مذكورين و أن ما اوحى الله به اليهم هو امرا واحدا. و يحذر الله تبارك و تعالى من التفرق و التحزب و الانشقاق. و هذا الامر مختلف تماما عن سائر الاديان. فاليهودى مثلا يؤمن بالعديد من الانبياء و الرسل لكن لا يؤمن بعيسى و لا بمحمد صلى الله عليهم و سلم. و النصرانى يؤمن بكل الرسل و لكن لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه و سلم. اما المسلم فهو من امن بكل الانبياء و كما قال رب العباد” إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ( 150 ) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ( 151 ) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما ( 152 ) “. (النساء).

المسلم لا يؤمن بان هناك اديان متعددة جاءت من رب العالمين بل هو دين واحد دائما ابدا كان اسمه الاسلام. كيف نستطيع ان نثبت هذا؟ فلننظر مثلا الى اليهودية. تعرف اليهودية ب (Judaism). اذا ذهبت الى الكتاب المقدس و بحثت فى الخمسة كتب الاولى من العهد القديم (او ما يسمى بالتوراة عندهم) لن تجد اصلا لفظ (Judaism). يعنى كيف يكون هذا هو الدين او الطريق و هو اصلا غير مذكور اسما فى كتابهم المقدس؟ و الباحث سيجد ان الاسم جاء عن رجل يسمى (Judah) و الذى كان يعيش ب (Judea) و بالتالى أصبح المنهج (Judaism). لكن تخيل مثلا أنك قابلت موسى عليه السلام و سألته: ما دينك يا موسى؟ هل تتوقع ان يرد عليك و يقول أنا اتبع يهوذا (Judaism)؟ و لنحاول ان نفعل نفس الشئ مع المسيحية. لو قرات الكتاب المقدس لن تجد فيه كلمة المسيحية. لكن ستجد فيه ان اعداء عيسى عليه السلام استخدموا لفظ “مسيحى” للسخرية من اتباع عيسى عليه السلام. اذن تخيل ان الكتاب نفسه الذى يدعو الى الدين لا يوجد فيه اسم الدين نفسه. ثم تخيل انك لاقيت عيسى عليه السلام و سألته: ما دينك يا عيسى؟ هل تتوقع ان يرد عليك و يقول مسيحى؟ يعنى يقول لك انا اتبع المسيح؟ يعنى الكتاب المقدس ذكر فى العديد من المواضع صلاة عيسى عليه السلام و مناجاته لربه و رجائه له. هذا يسمى دين. نحن نريد ان نعرف ما اسم هذا الامر.؟ ما اسم هذا الذى يفعل؟ و نستطيع ان نفعل نفس الامر بالبوذية و نحو ذلك.

اذن انظر الى هذا الفارق المهم: المسيحية منسوبة الى انسان (المسيح عليه السلام) و البوذية منسوبة الى انسان و اليهودية منسوبة الى انسان لكن الاسلام ما هو؟ النبى اسمه محمد صلى الله عليه و سلم لكن الدين اسمه الاسلام فما العلاقة و ما المعنى؟ الاسلام هى كلمة تعبر عن علاقة بين الانسان و رب العالمين و هو لفظ ليس منسوب لشخص. الاسلام يعنى الخضوع و الاستسلام لامر رب العالمين. و لذلك المسلم يؤمن تماما انه لو لاقى ابراهيم او نوح او عيسى او موسى او محمد عليهم صلوات الله و سلامه و سأل احدهم ما دينك؟ سيقول ببساطة الاسلام. يعنى انا اسلم امرى كله لله. طيب يبقى السؤال: هل لو ذهبت الى القران سوف أجد أنه يقول أن الإسلام هو الدين و هو الطريق الصحيح أم أنى لن أجد الكلمة اصلا كما هو الحال بالنسبة للنصرانية و اليهودية؟ فى الحقيقة سوف تجد كلام سهل و بسيط مثلا ” إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ” سورة ال عمران.

و هنا أمر مهم المفروض أن المسيحى يحب المسيح عليه السلام حبا شديدا و يتبعه. و بالتالى فالمفروض أنه عندما يعلم أن المسلم أيضا يحبه حبا شديدا فان هذا يساعد على الألفة و من الطبيعى أن يحب المسيحى المسلم لان بينهم هذا الشئ المشترك. و لو صدق المسيحي فى حبه للمسيح لاتبع الإسلام لانه دين المسيح نفسه. يذكر الكتاب المقدس فى أكثر من موضع أن المسيح كان يضع وجهه على الارض و يصلى و معظم المسلمين يفعلون كذلك و لكن معظم النصارى لا يفعلون ذلك. فسبحان الله المسلم لا يحب المسيح عليه السلام فقط بل و يتبعه اكثر من المسيحي. فلو صدق المسيحي فى حبه لله تبارك و تعالى (رب المسيح) لاهتدى الى الاسلام و لعبد الله تبارك و تعالى كما عبده المسيح عليه السلام. و نقول نحو هذا لليهودى الذى يحب موسى و إبراهيم. و لو صح القول ان نقول أن المحبة هى ان تحب كل الانبياء و الرسل فأى دين يدعو الى المحبة؟ اى دين يدعو الى محبة الجميع؟ و لو كانت الخلافة الاسلامية تدعوك لتكون مسلما و تحب رب العباد و كل انبيائه فما الشر فى هذا؟ و اذا قابلت رب العالمين يوم القيامة ايهم افضل: تقابله و انت تحب موسى و تكره محمد و عيسى؟ ام تقابله و انت تحب موسى و عيسى و تكره محمد؟ ام تقابله و أنت تحب كل انبياءه و رسله و لا تفرق بين احد منهم لانك تحبهم لانهم رسله تبارك و تعالى فأنت تحب كل ما يأتيك من رب العباد. ايهم فضل؟

ملخص هذه الحلقة عن الخلافة الاسلامية كان لتوضيح لماذا يرى المسلمون أن دور الخليفة هو نشر الاسلام فى الارض. و ذلك لأن ببساطة الاسلام هو دين رب العباد الذى أتى به كل الانبياء و مارسوه و علموه للعباد.هو دين الحق و الخير و الخلق والعزة و الكرامة. هو الدين الذى يعلو و لا يعلى عليه. هو دين موسى و عيسى و محمد و ابراهيم و نوح و ادم صلوات ربى و سلامه عليهم. هو دين الذى يجعل العبادة لله وحده و ليس لأحد غيره. و قد قال الله ” هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ؟ سورة الصف. هذا و بالله التوفيق و نكمل الحلقة القادمة ان شاء الله.

المراجع:

https://jawdablog.org/2015/04/01/islamic_khilafa_1/

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s