علي نضافه … الحلقه الثانيه: كيف نبني مصر متعلمين من اخطاء الماضي

Cleaning_up_2

تعلمنا في الحلقه السابقه (مصدر ١) ان احد أولويات بناء مصر بعد زوال الانقلاب هو تكوين دوله تقوم علي العداله و اختيار الاصلح بدون واسطه. و رأينا ان إصلاحات المحسوبيه في بريطانيا و اليابان في القرن ١٩ هي التي أدت لتطورهم. 

في هذه الحلقه سنتعلم من الصين شيئ مهم جدا و هو من يقود النمو و التطور في الاقتصاد سيحدد شكل القادم. 

في مصر يقود التنميه منذ ثوره ٥٢ الجيش المصري الذي أزاح طبقه ملاك الاراضي التي قادت في السابق تقليديا عمليه التنميه في مصر. قبل ٥٢ كانت مصر تشترك مع معظم دول العالم الزراعي في مراحل التطور من حيث وجود طبقه ملاك اراضي تقليديه محافظه تتحول تدريجيا للتصنيع و الاستثمار. نتيجه للتحول التصنيعي في مصر الذي بدأ في المحله و غيرها و سبق ناصر بكثير، بالتالي ظهرت طبقه وسطي من عمال المصانع تحت طبقه ملاك الاراضي في تطور مشابه لما حدث في معظم دول العالم التي تحولت ديمقراطيا (مصدر ٢). لماذا يودي ظهور تلك الطبقات للتحول الديمقراطي؟ ببساطه كما أوضح فرنسيس فوكوياما أستاذ العلوم السياسيه في هارفارد فطبصهملاك الاراضي ترغب في سياده القانون للحفاظ علي أملاكها. بينما ترغب الطبقه الوسطي الناشئه نتيجه التصنيع في توسيع مشاركتها في الحكم. يودي التفاعل بين الطبقتين لظهور تمازج بين سياده القانون و انتشار الديمقراطيه و هو بالضبط ما حدث في معظم دول أوروبا الغربيه (مصدر٢). في عام ٥٢ قضي الجيش تماماً علي طبقه ملاك الاراضي و أزاحها و حل محلها في قياده التنميه. كما قام الجيش ايضا بعمليه تهجين الطبقه الوسطي المصريه التي تحولت عن المطالبه بتوسيع المشاركه الديمقراطيه الي المطالبه بامتيازات خاصه لها من الجيش. حدث هذا عندما نشأ في مصر نظام التوظيف لكل الخريجين و كانت تلك رشوه واضحه للطبقه الوسطي أدت لحدوث اختلال شديد في الدوله المصريه و اجهزتها حيث تدهورت الخدمات بشكل حاد (مصدر ٣). انشغلت الطبقه الوسطي المصريه بالصراع علي امتيازات التي يمنحها الجيش مثل الوظائف و الثلاجات و الشقق و غيرها عن المطالبه بالحريات. و تفرغت الطبقه الوسطي المصريه لعباده الزعيم الأوحد و تقديس الجيش في مقابل رشاوي اجتماعيه محدده من الجيش الذي كان فعليا يقود عمليه التنميه في مصر. 

كما رأينا لم يكن الجيش المصري مؤهلا في اي فتره من الفترات لقياده عمليه التنميه و ما زال غير مؤهلا. و هناك عده أسباب لذلك:

١- لا يلتحق في صفوف الجيش المصري نابغو الدراسه. بالعكس. يلتحق به من يتخلفون في التحصيل العلمي. 

٢- قياده عمليه التنميه في اي شركه او دوله تعتمد علي تبادل واسع للآراء. و بالذات في القرنين ٢٠-٢١ حيث تعتمد التنميه علي الأفكار الجديده و الحريات. و بطبيعه الجيش المصري بالذات فانه لا يقبل الأفكار المغايره و يعتبرها اهانه للقيادات. 

ادي ذلك لتعثر شديد في التنميه المصريه حتي من قبل حرب ٦٧. الحقيقه انه في عام ١٩٦٦ واجهت مصر ازمه اقتصاديه شديده بسبب تعثر معظم مشاريع الجيش التنمويه (مصدر ٤). و حتي هيكل اعترف بذلك (مصدر ٥). 

مع قدوم عصر السادات و مبارك بدأ دور الجيش في التراجع قليلا و ظهرت مجموعات من رجال الاعمال تشكل طبقه قياديه جديده تسعي في احيان للتنافس مع الجيش (مشروع جمال مبارك) و في احيان اخري للتعاون معه (مشاريع المدن الجديده حول القاهره لا تتم الا بموافقه الجيش لانه مالك الصحراء حول القاهره). لدي رجال الاعمال هؤلاء علاقات دوليه واسعه. و بالتالي قادوا عمليه التنميه في مناطق و اماكن محدده و ان كانوا تخطوا الحدود و احتكوا مع الجيش في مرات اخري (مصدر ٦). 

تباينت ردود افعال الطبقه الوسطي المصريه تجاه القيادات الجديده في مصر. فبعض الطبقه الوسطي المصريه كان منتفعا من رجال الاعمال و طالبا لمشروع جمال مبارك. و لكن الأغلب الاعم رفض مشروع مبارك و ان لم يرفض عوائد التنميه منه. و لم يكترث بكون التنميه من مشروع جمال مبارك تتوجه لفئات دون غيرها. اعتادت الطبقه الوسطي المصريه سياسات انتفاعيه يطلق عليها كلايننليزم بالانجليزيه. و معناها ان تطلب الطبقه منافع محدده و خاصه (و ليست عامه) في مقابل الدعم السياسي. أدت عمليه التخريب السياسي للطبقه الوسطي المصريه و رشوتها وقت ناصر في مقابل التدجين السياسي الي قبول الطبقه الوسطي في وقت مبارك الرشوه السياسيه في مقابل القمع الأمني و الأفقار لكل الطبقات الأخري. فليس مهما مثلا حزام العشوائيات حول القاهره او القمع الأمني لكل المعارضين طالما امتلكت الطبقه الوسطي فيلا في الساحل الشمالي. و لكن بدأ العقد في الانفراط مع دخول مشروع التوريث مراحله الأخيره في عام ٢٠١٠. حيث بدا واضحا ليس فقط ان الرشاوي السياسيه هي للطبقه الوسطي كلها. لا بل يجب ان يكون المرء ضمن حاشيه جمال مبارك ذاته كي يكون له نصيب في الرشاوي السياسيه. تم التحول عن سياسات ناصر في الرشاوي العريضه لقطاعات كبيره من الطبقه الوسطي ليصبح فسادا مقننا لمجموعات محدده و خاصه. بدأ عند هذا رفض الطبقه الوسطي المصريه للقيادات الاجتماعيه الجديده بالذات ان توريث جمال مبارك ساوي بين مصر و سوريا و اهان عند الطبقه الوسطي المصريه ما تبقي من نزعه التعالي. 

كان مشروع التوريث ليس فقط توريث جمال مبارك. بل ايضا توريث قياده الدوله للطبقه الجديده من رجال الاعمال. 

يمثل الاخوان المسلمون طبقه مختلفه و هي طبقه تحت المتوسطه. و هي طبقه بالأساس من الفلاحين الذين تعلموا و وصلوا لمراكز قياديه في العاده في الجامعات في مهن فنيه مثل الهندسه او الطب. و هي بالأساس طبقه مهمشه ذات نوازع دينيه محافظه. مع التطور الاجتماعي في مصر اصبحت تلك الطبقه و هي جزء عريض من السكان تطالب بحقها في قياده المجتمع. و لكن و هنا الأساس يري الجيش و رجال الاعمال و جزء كبير من الطبقه الوسطي في وصول الاخوان و ما يمثلونه للحكم تهديد مباشر لهم. اولا لان الطبقه تحت الوسطي تشمل قطاع كبير و متزايد من المصريين. و بالتالي من الصعب في عمليه ديمقراطيه منع نجاح الاخوان في ايه انتخابات قادمه. ثانيا. لأنهم يدرون تماماً ان هذا يعني نشوء أنماط تنميه في مصر لا تريدها طبقه رجال الاعمال و الطبقه الوسطي و الجيش ذات الاحتكاك المباشر مع الغرب و اسرائيل. 

لذا تحالف الجيش مع رجال الاعمال مع قطاع من الطبقه الوسطي المدجنه ضد الطبقه تحت الوسطي لإجهاض الديمقراطيه المصريه. 

من يقود التنميه في مصر الان؟

بالطبع يقودها الجيش (الذي تحول بالأساس لشركه احتكاريه) و رجال الاعمال. و هو تحالف به مشاكل عديده:

١- انه مضطر للقمع الأمني المستمر لتحجيم الطبقه تحت الوسطي عن المطالبه بالديمقراطيه (المطريه – عين شمس – بني سويف – الخ). 

٢- انه مضطر لتوجيه بعض عوايد التنميه للطبقه الوسطي متعلما من درس جمال مبارك. و الطبقه الوسطي بالتأكيد في انتظار عوايد التنميه. و هذه الطبقه الان علي استعداد للتخلي عن ابنائها مثل علاء عبد الفتاح مثلا في مقابل اي رشاوي تنمويه محتمله. 

٣- انه تحالف خدمي و لكن غير تصنيعي. بمعني انه مرتهن بالامارات و الخليج الذين ينظرون لمصر كسوق للتسويق و ليس كمركز تصنيعي. لذلك نري مشاريع المولات و الفنادق و لا نري ايه مشاريع تصنيعيه (مصدر ٧). 

لدرجه انه لا يوجد مصنع وحيد في “العاصمه الجديده”!

و بالطبع يطلق ذلك تشوهات جديده في التركيبه الاجتماعيه المصريه التي ستصبح اكثر خنوعا للسائح العربي (كما راينا في أغنيه مصر قريبه) و سيمنع قيام طبقه وسطي حقيقيه تطالب بالحريات. 

٤- عكس طبقه ملاك الاراضي قبل ٥٢، لا يوجد لدي رجال الاعمال اي رغبه في نشر القانون. لسبب بسيط ان عدم وجود قانون يعني ارباحا اكثر. مالك الارض يريد قانون لحمايه ارضه. مؤجر المول لا يريد قانون يفرض عليه أسعارا او يقدم للزبون حقوقا. 

٥- لم يتغير الجيش فهو ما زال يحتوي اناسا لم يحظوا علي قدر جيد من التعليم (الكفته اكبر مثال). كما ان رجال اعمال مبارك المحيطين الان بالسيسي هم ايضا وصلوا لما هم فيه عبر رشاوي و علاقات في الأغلب الاعم و ليس مثلا كبيل جيتس او ستيف جوبز. 

لذا فهي قيادات اجتماعيه عاجزه عن تحقيق تقدم حقيقي. هي قادره علي اثراء نفسها و اثراء المحيطين بها فقط. 

ماذا نتعلم من الصين؟

عندما ارادت الصين التقدم بعد احداث تيان ان مين و قمع الديمقراطيه (و هو موضوع تحب الطبقه الوسطي المصريه إبرازه كمسكن لها و علاج نفسي تبرر به مشاركتها في قمع الديمقراطيه في مصر عام ٢٠١٣ كأن قمع الديمقراطيه هو ما ادي لتقدم الصين بينما الحقيقه انه ما زال جرح غائر تحت السطح ينتظر الوقت المناسب)، اتخذت الحكومه الصينيه بقياده دينج سياو بنج قرارا في منتهي الاهميه. حيث أعطت للوحدات المحليه الصينيه حق انشاء مشروعات خاصه. كانت تلك المشروعات هي عجله التنميه الحقيقه حتي قبل دخول الشركات الأمريكيه الي الصين لاحقا. 

احتوت الوحدات المحليه في الصين علي بعض من افضل العقليات الهندسيه و الفنيه في الصين. كما انهم بسبب قربهم من أهليهم في القريه و المدينه التي يعيشون فيها كان الفساد شبه مستحيل و كانت هناك نزعه للخدمه العامه. 

إذن اقترنت الكفاءه بانعدام الفساد. و هي تركيبه مهمه للنمو. و كما نعلم هذه تركيبه غير موجوده في مصر الحاليه. فلا الجيش كفؤ و لا رجال الاعمال غير فاسدين. 

كيف نطبق هذا في مصر؟

الحقيقه ان الفساد و انعدام الكفاءه منتشران في مصر بشكل رهيب فمعظم العقول المصريه مهاجره و جل القيادات الاجتماعيه في مصر (جيش – رجال اعمال) فاسدون. 

كي نبني علي نضافه من المهم التفكير فيمن يقود التنميه. و المكانان الوحيدان الذان نري في مصر ان بهما كفاءه و انعدام فساد هما: الجامعات الحكوميه و المصريون بالخارج. 

علي نهج نمط التنميه الصينيه فان اول الواجبات بعد انهيار الانقلاب هو إعطاء اساتذه الجامعات المصريه بالذات الكليات الفنيه مثل الهندسه حق تشكيل شركات خاصه مدعومه من الدوله في البدايه و بمشاركه الطلاب علي ان تستعين كل شركه بخبرات من المصريين في الخارج و التركيز في مشاريع صناعيه و تكنولوجيه محدده. هذه هي الطبقه التي يجب ان تقود الدوله و عمليه التنميه. 

تقوم جامعه ام اي تي اكبر الجامعات الأمريكيه (مصدر ٨) بشيئ مثل هذا يطلق عليه انكيوباشن حيث تطلق الشركات من الجامعات لفتره معينه ثم تحصل علي تمويل من البورصه. و مثل هذا يجب ان يتم في مصر لاستغلال الثروه البشريه المصريه. 

هذه الطبقه القياديه الجديده التي يجب تشكيلها. لانها تجمع العلم (و ليس كفته الجيش) مع النزاهه (و ليس فساد رجال الاعمال الحاليين). 

يمكن مثلا للجامعات تكوين محطات تلفزيون لتحل محل الكذب الإعلامي الموجود حاليا و تكوين شركات لعمل كارتون للأطفال من خلال كليات الهندسه و الاعلام. 

الكثير يمكن تحقيقه لو تم هذا. 

و نتابع. 

المصادر:

——–

١- الحلقات السابقه من “علي نضافه”:

https://jawdablog.org/category/الإقتصاد/استراتيجيات-وحلول/

٢- التحول الديمقراطي في العالم: فرنسيس فوكوياما:

http://mobile.nytimes.com/2014/09/14/books/review/francis-fukuyamas-political-order-and-political-decay.html?referrer

٣- نظام التوظيف في مصر و تدهور خدمات الدوله:

http://www.hamptoninstitution.org/egyptunderempirepartthree.html

٤- تعثر عمليه التنميه في مصر عام ٦٦:

https://books.google.com/books?id=H_z0-8Cg8ZQC&pg=PA201&lpg=PA201&dq=egypt+1966+economic+crisis&source=bl&ots=ckFa5pAvE7&sig=wnQ2qdBvy6E3oAV-Ku8HubInfIU&hl=en&sa=X&ei=4E8KVfKjBNfVoASJkILQBw&ved=0CCAQ6AEwATgK

٥- اعتراف هيكل بتعثر التنميه قبل عام ٦٧:

الانفجار ١٩٦٧. صادر عن الأهرام. 

٦- طنطاوي رافضا مشاريع جمال مبارك:

http://www.gomhuriaonline.com/main.asp?v_article_id=210654

٧- مشاريع الخليج في مصر:

http://www.masrawy.com/mobile/News/News_Economy/details/2015/3/16/480066/بالأرقام-مصراوي-يرصد-حصيلة-مشروعات-المؤتمر-الاقتصادي-انفوجراف-

٨- حضانات الجامعات الأمريكيه:

http://gsl.mit.edu/

2 thoughts on “علي نضافه … الحلقه الثانيه: كيف نبني مصر متعلمين من اخطاء الماضي

  1. Pingback: عاوزين نبقي زي دبي و الدوحه: الاسطوره الخامسه و الأربعون | JAWDA

  2. Pingback: سكة الكواكبي … ازاي نقهر الاستبداد – ٣ | JAWDA

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s