كيف تحولت مصر للإسلام و لماذا يخشي المسيحيون الشريعه الاسلاميه … الحلقه الخامسه من صفحات مخفيه من تاريخ مصر

عرفنا في الحلقات السابقه (المصدر الاول) ان عمرو بن العاص لم يحرق مكتبه الاسكندريه بل حرقت خلال عصر الفتن المسيحيه بتأليب من الانبا كيرلس او سوريال و ان رمسيس الثاني لم ينتصر في قادش بل أنقذه اما افراد من الشعب او الفلسطيني كونوا فرقه غامضه تسمي نعاريم و رأينا ان عصر اخناتون تميز بحريات أدت لتطور تكنولوجي و ثقافي ضخم في مصر و رأينا ان استقبال المصريين للفاتحين العرب كان مقاربا لاستقبالهم للفرس قبلهم بسنوات.

نصل اليوم لصفحه تم إخفاؤها بنجاح من كتاب التاريخ المصري الحكومي و هي كيف تحولت مصر من دوله ذات أغلبيه مسيحيه لدوله ذات أغلبيه مسلمه. و نحن هنا سنزعج كلي من المسلمين و المسيحيين. و هذا الموضوع مثال علي احد عيوبنا كمصريين، و هو اخذ الجانب الذي يعجبنا او يمالي رغباتنا في اي موضوع و ترك كل الجوانب الأخري بالرغم انها تمثل الحقيقه. و للاسف فالكتاب الحكومي المصري ترك فراغا تملؤه الإشاعات و الاساطير.

الحقيقه ان تحول مصر للإسلام كان عمليه معقده تمت عبر عده قرون و عبر عديد من الطرق. المسلمون مثلا يظنون ان التحول للإسلام كان بكامل أراده أقباط مصر دون ضغط و هذا ليس صحيحا في المجمل. و المسيحيون كذلك يظنون ان تحول مصر للإسلام كان نتيجه هجرات من الجزيره العربيه و هذا ليس صحيحا في المجمل. الحقيقه ان كل هذه العوامل و اكثر فعلت فعلها في تحول مصر للإسلام. كما ان الحقيقه ان الاقباط قاموا لاحقا بعده ثورات ضد الحكام المسلمين و تم قمعها الا انها غيرت في منظور المسلمين لمصر و أدت لتسريع تحول مصر للإسلام، في مفارقه غريبه. و الاعجب ان كتاب التاريخ الحكومي الذي يدعي الوطنيه المصريه يأتي عند هذه الفتره و لا يدرس الا تاريخ الأمويين و العباسيين، و هو امر مهم لا شك كجزء من تاريخ الحضاره الاسلاميه و لكن كان يجب ان يفهم المصريون أيضاً التحولات الضخمه في بلادهم ذاتها و يناقشونها في اجواء من الصراحه و العلم و الاحترام.

اولا: نعم حدثت هجرات من الجزيره و الشام نحو مصر بعد الفتح و لكن من المستحيل ان تكون بأعداد كافيه لتحويل أقباط مصر لاقليه

بعد الفتح العربي مباشره هاجر بعض العرب نحو مصر لإدارتها و الدفاع عنها و هكذا مثلا بنيت الفسطاط. كان هؤلاء يعتبرون الأرستقراطية و اتسموا بأنهم مقاتلون. و بنوا و عاشوا في الثغور و الحصون (المصدر الثاني). و الحقيقه انهم لم يكونوا شديدي الاهتمام بتحويل مصر للإسلام. كما رأينا في السابق حدث اتفاق بين عمرو بن العاص و المقوقس علي الجزيه و ان هذه الجزيه كانت مقاربه لما كان يدفعه المصريون للرومان و لكن مجمل الضرائب كانت اقل عن زمن الرومان لان الرومان لم يقتصروا علي ضريبه الفرد (٢ دينار علي كل فرد) بل حصلوا ضرائب اخري. و كان اهتمام العرب المسلمين في مصر منصبا علي تحصيل الجزيه و علي الدفاع عن مصر (المصدر الثالث). و الحقيقه ان المراجع تجمع علي ان أقباط مصر استمروا بذات نظام تجميع الجزيه حيث يقوم ذات الملتزم القبطي في كل قريه بتجميع الجزيه وفقا لما يقرره عمده القريه القبطي كذلك. كما أقر عمرو بن العاص و من لحقوه في البدايه علي الأقل بإعفاء الفقراء من الجزيه.

حتي المصادر المعاديه للإسلام مثل المصدر الثاني تجمع علي انه في البدايه لم يكن المسلمون مهتمون باسلمه مصر. و ان اعتمدوا علي نظام يسمي نظام الموالي و هو أشخاص يظن المسلمون بهم ظنا حسنا و يعملون علي تحويلهم للإسلام.

سنرصد بعد قليل كل حجم الهجرات العربيه لمصر. و لكن قبل ان نفعل ذلك يجب ان نطل علي الصوره بأكملها. وفقا للدراسه الجامعه التي أجراها ج راسيل في ١٩٥٨ (المصدر الرابع) و أكدها المصدران الخامس (دراسه د محمد صالح للدكتوراه في جامعه جنوب كاليفورنيا – الصفحه الثامنة) و السادس (دراسات جامعه شيكاجو الأمريكيه حول المماليك في مصر)، فان عدد سكان مصر وقت الفتح الاسلامي كان ٢,٥ مليون. و ان عدد سكان الجزيره العربيه كان مليون واحد. و ان تقديرات سكان الشام و العراق كانت حوالي ٤ مليون و ٩ مليون. و هذه التقديرات تعتبر دقيقه لان حمله نابليون في مصر في ١٧٩٨ قدرت عدد سكان مصر كذلك بحوالي ٢,٥ مليون. كما ان اعلي تقديرات سكان مصر وقت يوليوس قيصر وفقا لتلك المراجع هو ٤,٥ مليون (و هو الرقم الأقل دقه بسبب الزمن و تخلف وسائل الحصر). إذن حتي اذا هاجر كل سكان الجزيره و الشام و العراق الي مصر يستحيل ان تتحول مصر لدوله ذات ٩٢٪ مسلمين و ٦٪ أقباط كما كان الحال في تعدادات القرن التاسع عشر (انظر بحث جوده حول اسطوره أعداد المسيحين في مصر – المصدر السابع). حتي يحدث ذلك تحتاج مصر ان يهاجر لها علي الأقل ٢٥-٣٠ مليون عربي و هو رقم ببساطه غير موجود أساسا و لا حتي نصفه بفرض ان كل الجزيره العربيه و كل الشام و كل العراق برجالهم باطفالهم بنسائهم هاجروا لمصر و تركوا بلادهم خاويه تماماً.

كذلك هذه التعدادات بالمناسبه تدحض ما يردده المسيحيون في مصر ان أعداد من عاشوا في مصر قبل الفتح العربي و وقت الرومان كانت اكثر من تعداد مصر حاليا و ان مصر كانت وقتها قادره علي اطعامهم بينما هي غير قادره الان بسبب انحسار البركه. و هذا كلام تدحضه كل الدراسات العلميه فعدد سكان مصر عبر الفراعنه و حتي زمن نابليون تراوح بين ٢ و ٥ مليون علي افضل التقديرات .

إذن من المستحيل ان يكون أقباط مصر الحاليين هم سكان البلاد الأصليين فقط. و هذا ما توصلت اليه المصادر الخامس و السادس بشكل واضح.

و لكن هل حدثت هجرات؟ نعم حدثت هجرات من الجزيره العربيه و الشام بالذات و استمرت منذ الفتح و حتي القرن التاسع الميلادي تقريبا.

سجلات الديوان (و هو سجل حركه الجنود في الامبراطورية الاسلاميه) و تاريخ الكِندي يظهران بسهوله ان هناك هجرات و نورد بعض أمثلتها الاولي كالتالي (المصدر الثامن و التاسع):

– بعد الفتح مباشره تم ترحيل ثلث قبائل الاكلاب و قضاعه من الشام نحو مصر للدفاع عنها و لزياده عدد العرب في مصر و تقليل حده الاختلافات القبليه في الشام.

– أرسل معاويه بن ابي سفيان ٢٧ الف جندي الي مصر للاقامه في الفسطاط و تأمينها. و كان واضحا من سجلات الديوان انه سمح لهؤلاء و عائلاتهم بتربيه الخيول و الرعي. اي انهم لم يكونوا فقط جنودا بل استقروا في مصر.

– في عام ٧٢٥م قام المسيحيون بثوره احتجاج ضد تغيير نظام الجزيه الذي اقره الخليفه الأموي هشام. تم إحباط الثوره بفعل الجنود العرب في مصر و لكن بقيت تأثيراتها فبعدها بسنتين و في عام ٧٢٧ قام الخليفه هشام بنقل ٥٠٠٠ أسره من قبيله القيسيين الي مصر و سكنوا في شرق الدلتا (الشرقيه الان – و هو موقع استراتيجي يسمح بالتواصل مع الجزيره العربيه و في ذات الوقت يشرف علي مصر كلها) و احتكروا التجاره مع الجزيره العربيه عبر ميناء القلزم (السويس الحاليه). و لذا أصبحوا اغنياء. و الثابت في المصدرين التاسع و السادس ان هذا كان تحولا في اداره الأمويين لمصر. و ان انتفاضة الاقباط الاولي عام ٧٢٥ و التي تلتها اخري عام ٧٣٨ كانت نقطه تحول في نظره الخلفاء لمصر انتهت بها المرحله الاولي التي لم يهتم فيها العرب كثيراً بتحويل مصر للإسلام. اي ان هذه المرحله استمرت تقريبا مائه عام منذ ٦٤٠ حتي ٧٤٠ تقريبا.

استطراد مهم: يجب ان نلاحظ ان انتفاضة الاقباط ضد الجزيه كانت بقياده نخبه الاقباط المسئوله عن تجميع الجزيه. و السبب في ذلك ان حكام مصر عام ٧٢٠ أرادوا تركيز تجميع الجزيه في يد الدوله و ليس في يد العمده او الملتزم القبطي (و هم نخبه مصر في ذلك الوقت). لذلك ثارت تلك النخبه لان هذا التركيز يعني تهاوي تحكمهم في الفلاحين الاقباط. و كان من تأثير تلك الثورات هو اقرار الدوله لنظام المزاد لتجميع الجزيه حيث يحدث مزاد و من يربحه يقوم بتجميع الجزيه في المحافظة المسئول عنها. و استمر هذا النظام حتي إلغاء نظام الجزيه عام ١٨٥٥ (المصدر الخامس). إذن في رغبه نخبه الاقباط للسيطره علي تجميع الجزيه انتهي الحال بأنهم فتحوا الباب لتحويل مصر لدوله اسلاميه! و سيتكرر هذا لاحقا حتي الان و نري شواهده يوميا!

إذن لم تكن الهجرات هي العامل الوحيد إذن. و لكن ما هو تأثيرها الحقيقي؟ هل مثلت مثلا نصف المسئوليه عن تحول المصريين للإسلام ام ثلاثه أرباع ام اقل ام اكثر؟

قام د محمد صالح أستاذ الاقتصاد التاريخي في فرنسا بدراسه هي الاهم علي الإطلاق (صفحه ٤١ من المصدر الخامس) حيث درس كل الهجرات العربيه لمصر و مجموعها ٢٩٦ هجره من واقع تاريخ الكندي و سجلات الديوان. و درس موقع استقرار كل من ال ٢٩٦ هجره. و اكتشف ان هناك ٤٢٪ من مقاطعات مصر استقبلت علي الأقل موجه هجره عربيه واحده. معني ذلك ان ٥٨٪ من مقاطعات مصر لم تستقبل هجرات عربيه علي الإطلاق (محافظات الصعيد الأوسط مثل المنيا و أسيوط هي مثال). و مع ذلك فانه وفق تعداد ١٨٩٧ شكل المسيحيون ٢٠٪ فقط من سكان تلك المقاطعات (صفحه ٤٠ من المصدر الخامس).

لذلك توصل د محمد صالح و أجمعت المصادر الثاني و الخامس و السادس و هي دراسات كثيره و مهمه في جامعه لندن و جامعه شيكاجو و جامعه تولوز ان الهجرات العربيه كانت عامل مساعد حيث سهلت التحول للإسلام عن طريق الزواج او الاحتكاك او حتي عن طريق الترهيب كما سنري لاحقا. لكنها يستحيل ان تكون عدديا عامل كبير. و انها فقط عوضا ان تكون مصر ٢٠٪ أقباط كما في تلك المقاطعات التي لم تستقبل اي هجره عربيه، اصبحت مصر ٦٪ أقباط. اي ان الهجرات تفسر فقط ١٤٪ من تحول مصر للإسلام.

ثانيا: دور الجزيه في تحول مصر للإسلام

بوصولنا لعام ٧٤٠ بدأت مرحله جديده في تحول مصر للإسلام يجمع المؤرخون انها المرحله الثانيه من ثلاث مراحل للتحول. كانت الاولي التي استمرت ١٠٠ عام تقريبا وقتها لم يهتم فيه العرب كثيراً بتحويل مصر لدوله اسلاميه. مع الانتفاضات القبطيه ضد الجزيه بدأ فعل ممنهج لتحويل مصر للإسلام و رأينا ان الخليفه هشام كما ذكر الكندي نقل قبائل لمصر بغرض زياده أعداد العرب فيها و من ثم بدأت المرحله الثانيه من تحول مصر نحو الاسلام.

علي غير ما يظن المسلمون لعبت الجزيه دورا مهما و مؤثرا في المرحله الثانيه و دورا حاسما في المرحله الثالثه و الأخيره من تحول مصر للإسلام كما سنري لاحقا. و سنري أيضاً ان هذا الدور لم يكن عفويا و لا بالصدفة بل كان ممنهجا من قبل الخلافه الاسلاميه لتحويل مصر لتصبح دوله اسلاميه و ليس كما يعتقد المسيحيون المصريون انه عمل عشوائي.

يظهر الشكل المرفق (الصوره الثانيه) نسبه الجزيه للدخل في مصر عبر العصور. من الواضح انه في المئتي سنه الاولي كانت نسبتها للدخل عاليه للفقراء. و انها اعلي من ربع العشر الذي تقضي به الزكاه. و انه في غياب إعفاء الفقراء من الجزيه كما كان الوضع في البدايه و في غياب دفع الكنيسه للجزيه نيابه عن الفقراء يصبح الفقراء فعلا تحت ضغط للتحول للإسلام.

السؤال إذن متي بدأ تطبيق الجزيه علي الفقراء و متي بدأت عمليه سحب الأوقاف من الكنائس؟ لانه في غياب الاثنين يمكن بسهوله تصور الضغط الاقتصادي علي الفقراء نتيجه الجزيه.

بدأ هذا التحول في سياسه الخلافه الاسلاميه تجاه مصر مع مجئ عمر بن عبد العزيز (خامس الخلفاء الراشدين و عنوان المسلسل التلفزيوني الشهير!). و استمرت تلك المرحله الثانيه (من ثلاث مراحل لتحول مصر نحو الاسلام كما ذكرنا) حوالي ١٠٠ عام و انتهت تقريبا تلك المرحله

وفقا لابن سعد (المصدر العاشر) فان الخليفه عمر بن عبد العزيز امر ببرنامج ممنهج لتحويل مصر للإسلام. و عندما كتب له والي مصر قائلا ان هذا سيقلل خراج الجزيه رد عليه عمر بن عبد العزيز قائلا: “ان الله أرسل محمدا داعيا لا جابيا“. و من هنا بدأ برنامج شامل لتحويل مصر للإسلام زاد من وتيرته الانتفاضات القبطيه ضد الجزيه (و ربما ان الانتفاضات حدثت نتيجه التشدد في فرض الجزيه فالأمر في الأغلب موصول و اعتقادنا ان الجدل حول ماذا سبب الأخر هو جدل عقيم).

و يورد ابن سعد في تاريخه ان حاكم مصر بناءا علي تعليمات عمر بن عبد العزيز قام بزياده الجزيه و اصدر أمرا بإعفاء كل من يتحول للإسلام من الجزيه، و كان هذا أمرا جديدا حيث قبل ذلك كان المسلمون المصريون أيضاً يدفعون الجزيه (و هذا تحول في غايه الاهميه لانه بدونه لا يوجد حافز اقتصادي للتحول).

هذا عن المصادر الاسلاميه. نري ذات الامر في المصادر المسيحيه. فمثلا يروي كتاب تاريخ بطريركية الاسكندريه (المصدر الحادي عشر و هو المرجع الاهم لتاريخ القبط في مصر) التالي: “في عام ٧٢٧ قام ٢٧ الف مسيحي بترك ديانه المسيح خوفا من الجزيه”. و كانت هذه المره الاولي التي يذكر فيها هذا الكتاب تحولا دينيا بهذا المقياس.

و بعد وصول العباسيين للحكم استمرت تلك السياسه. قام الحاكم العباسي الاول لمصر بزياده الجزيه ووعد تارك المسيحيه بالاعفاء منها و أورد ذلك ابن سعد. ثم نري فورا اثر ذلك في كتاب تاريخ بطريركية الاسكندريه حيث نري تحول كثيرين للإسلام في عام ٧٥٠ م و يقول الكتاب القبطي ان التحول شمل الفقراء و الأغنياء.

مع حلول عام ٧٥٠ تظهر الكتابات المسيحيه “الاعتذاريه” (المصدر السادس). فنري مثلا المسيحين المصريين في أدبياتهم يدافعون عن ديانتهم ضد اتهامات عباده الأصنام و الأفراد و عدم التوحيد. كذلك يظهر كتاب غريب اسمه “ابوكالبتوس سودو اثناسيوس” او “التنبؤات التشاؤمية المشابهه لعهد اثناسيوس” (المصدر الثاني عشر) و يظهر في الشام كتاب مشابه يسمي “ابوكالبتوس سودو ميثودس”. و يتنبأ الكتابان بالاتي:

“بعد وصول هؤلاء الطغاه لأراضينا لن يبقي احد هنا علي دين المسيحيه.”

إذن من الواضح ان الامر لم يقتصر علي مصر بل كان ممنهج في الشرق الأوسط كله.

طبعا هناك عديد من الاثار مثلا في كتابات الانبا يوحنا من نيقيه (المصدر الثالث عشر) عام ٧٠٠ م عن تحول مبكر نحو الاسلام بدأ قبل عام ٧٢٠. و هناك قبر لامرأه مصريه تدعي عبسه مدفونه في أسوان الحاليه و تحولت للإسلام و ماتت في عام ٧٠٠. لكن هذه التحولات الاوليه كانت محدوده و مجرد إرهاصات للمرحله الثانيه.

انتهت المرحله الثانيه في نظرنا عام ٨٣١ م. و هو العام الذي شهد اخر انتفاضة للقبط ضد السلطان المسلم. كان الخليفه وقتها هو الخليفه العباسي الشهير المأمون. يروي المقريزي (المصدر الرابع عشر) ان المأمون قمع انتفاضة القبط بنفسه و يقول:

“من هنا إذن ذل القبط. و لم يقدر احد منهم بعدها علي الخروج علي السلطان. و غلبهم المسلمون بعدها في عامه القري”.

و اثارت جمله المقريزي ان المسلمين غلبوا القبط بعدها في عامه القري الجدل الأكثر اهميه بين المؤرخين. هل يعني ذلك التفوق العددي ام التفوق السياسي و العسكري فقط؟ لا زال هذا الجدل دائرا في الدوائر العلميه و ربما سيصعب حسمه و لكن المؤكد انه لم يكن تغيير سياسي فقط بل كان جزء مهم منه عددي أيضاً.

لكن من المؤكد ان تغيرا حاسما حدث خلال تلك الفتره. مثلا يورد المصدر الخامس عشر احصائيات الجزيه في مصر:

– ١٢ مليون دينار بعد الفتح.

– ٩ مليون دينار في عام ٦٦٠.

– ٤ مليون في ٧٤٣ م.

– ٣ مليون في ٨١٣.

نري بسهوله التحول المتسارع و الذي لا يمكن تفسيره الا بحدوث انخفاض شديد في عدد أقباط مصر. مما يؤكد مره اخري ان الهجرات العربيه كانت عاملا مساعدا و ليس أوليا كما ذكرنا في الجزء الاول.

ركزنا في المرحله الثانيه علي الجزيه كاداه للتحول. و لكن الحقيقه انها لم تكن الاداه الوحيده. رأينا الضغط العقيدي. يذكر المصدر السادس الزواج بوضوح عامل مؤثر. فابناء القبطيه أصبحوا مسلمين. و لكن لا توجد ادله او تعداد يمكن اي باحث من التعرف علي التأثير النسبي لكل عامل.

يبقي عامل وحيد لم نتعرض له هنا و هو تأميم ممتلكات الكنيسه. لا توجد ايه ادله انه تم تأميم ممتلكات الكنائس في مصر الا في عام ١٣٥٤ م و هو امر متأخر جدا. و سنتعرض له في الجزء المرحله الثالثه من تحول مصر نحو الاسلام. و هي مرحله استمرت طويلا و شابها الكثير من العنف.

الذي لا شك فيه ان الجزيه استخدمت كسياسه ممنهجه لتحويل مصر للإسلام منذ عصر عمر بن عبد العزيز. و استمرت تلك السياسه مائه عام علي الأقل.

ثالثا: هل تم استخدام الترهيب و العنف ضد المسيحيين لإجبارهم علي الاسلام؟

الاجابه نعم. و هنا ندخل المرحله الثالثه و هي استمرت من ٨٣١ م حتي القرن الرابع عشر الميلادي. اي انها فتره طويله جدا من الزمن و تمثل فتره تحول بطئ و لكن شابه العنف و الترهيب.

و الواقع ان كل التحولات في العالم تتبع منحني يشبه حرف اس الانجليزي. حيث تبدأ بطيئه و هي المرحله الاولي و التي انتهت و مازالت المسيحيه الدين الأساسي لمصر. ثم تسارعت في المرحله الثانيه و التي أخذت مائه عام اخري و انتهت باخر انتفاضة قبطيه عام ٨٣١ التي انتهت و مصر دوله ذات أغلبيه مسلمه. ثم تباطؤ في التحول مع المرحله الثالثه التي عاده مت يطلق عليها تغير اسمبتوتي او اسيمتوتيك باللغه الانجليزيه.

و قبل ان نتعرف علي احداث المرحله الثالثه يجب ان نفهم اولا طبيعه المرحله. هذا وقت المغول و الصليبيين. و كان ملوك مصر من المماليك. و المماليك أمهاتهم مسيحيات من دول مثل جورجيا و القوقاز. إذن امام المصريين المسلمين يوجد مسيحيون يريدون غزوهم و يحكمهم حكام مشكوك في ولائهم للإسلام و بينهم طائفه مسيحيه يسهل الشك في ولائها للإسلام كذلك. و هذا درس مهم من التاريخ حيث يزيد العنف في فتره الاضطراب و الغزو و انعدام الشفافية. و نحن ندعو ان تكون تلك الفتره محور دراسه في مدارس مصر. لان الجميع اخطأ مسلمون و مسيحيون. و دخلت مصر في صراع طائفي مستمر حتي اليوم. و السؤال هو ماذا نتعلم منه؟

وفقا للمقريزي (المصدر الرابع عشر) في عام ١٣٢١ نشأت اضطرابات في عموم مصر. و حرق المسلمون ستين كنيسه. فقامت مجموعه من الرهبان القبط بحرق جوامع القاهره في حريق استمر عده ايام. و يقول المقريزي ان السلطان رفض في البدايه تصديق قيام المسيحيين بذلك قائلا انهم لا يملكون القوه و لا الأقدام لفعل عمل كهذا. و بالطبع نتج عن ذلك عنف شديد ضد المسيحيين في مصر. و قامت الحكومه بمنع المسيحيين من ركوب الخيول و فرضت عليهم ملابس محدده. كما ان المقريزي حافل خلال القرن الثالث عشر بمطالبه العامه بتطبيق الشريعه الاسلاميه كامله و عدم السماح لأي مسيحي بتقلد المناصب العليا في الدوله، بل حتي بمهاجمه من تحولوا للإسلام مدعين انهم ليسوا مسلمين فعلا بل تزلفا.

و كان السلاطين المماليك كما يروي المقريزي غير راغبين في هذه النعرات لكنهم أيضاً كانوا في وضع ضعيف و مخلخل و لذلك استجابوا لضغط العامه.

و انتهي الامر في عام ١٣٥٤ بفتنه طائفيه جديده أدت لإصدار السلطان أمرا بمصادره كل ممتلكات و أوقاف الكنيسه و كانت ٢٥ الف فدان (و هو رقم غير كبير في بلد بها ملايين الافدنه).

النهايه:

نحن نجزم ان قليلين في مصر يعرفون وقائع هذا التاريخ. و للاسف ان جامعات لندن و شيكاجو و جنوب كاليفورنيا تعني بدراسته بينما لا تعني اي جامعه مصريه بذلك.

الاسوء هو ان طلبه المدارس في المرحله الاعداديه مثلا يدرسون الشعوبيه في ايران خلال الفتره العباسية بينما لا يدرسون تاريخ مصر.

الأكثر سوءا هو اننا ان لم ندرس تلك الفتره سنكرر كل اخطاء الماضي و هي تتكرر امام أعيننا.

و هناك أسئله مهمه نريد لطلبه المدارس ان تجتهد في مناقشتها كما يناقش كل العالم تاريخه، بما فيه من جيد و قبيح:

١- اما و ان مسيحي مصر يدافعون عنها كما يدافع مسلموها، لماذا لا تستعيد الوثيقة العمريه و تعهد عمرو بن العاص للمقوقس مع إلغاء الجزيه؟

و هذه تعهدات ملزمه و جزء من التشريع الاسلامي.

و لاحظ ان عمرو بن العاص لم يمنع المسيحيين من بناء الكنائس. بينما تمنعها دوله مبارك التي تدعي الحفاظ علي الأقليات! و هو تكرار سمج للمماليك الضعاف.

و من يدعي ان هذا شيئ عفا عنه الزمن لا يعلم ان هذا نقاش لا زال جاريا و ان التشريع حلقه موصوله لا تنقطع.

و في رأينا انه في غياب شرعيه الخلافه فالجهه المنوط بها ذلك هي مجلس أمه منتخب باراده المصريين الحره و يعبر عن كل اتجاهاتهم في وجود أزهر مستقل و حر و ليس تابعا للدوله و يتم تهديده من رئيس كما الحال الان، ثم يطرح الامر لاستفتاء حر. و لكن هذا نقاش يجب ان يحدث.

٢- في وجود تهديد خارجي، ما السبيل لتجنب الفتن الطائفيه؟ ما هي طلبات المسلمين و ما هي طلبات المسيحين؟

مع ملاحظه ان الحل لا يكون بالعناق و كلمات من نوع ان المصريين أيد واحده او وطن يعني حضن او اي من هذا الهراء. هناك مشاكل حقيقيه و يجب التعامل معها بشكل ممنهج و امام الشعب و برضاه و ليس بالغمز للمسيحيين كما يحدث الان.

٣- درس مهم: الحكومه المشكوك فيها تساوم! و ينتج عن هذا الفتن الطائفيه. المماليك مثال. مبارك مثال. السادات مثال. و السيسي مثال قادم. و هذا موضوع درسه الغرب و اهتم به و هو في صلب أسباب دراسه الغرب لتلك الفتره في مصر.

الشرعيه لا تشتري و لا تستحدث من العدم. الشرعيه هي قبول كل المصريين الطوعي ان الموجود يمثلهم. هل الموجود الان يمثل كل المصريين؟

٤- لقد قام المسيحين باستخدام العنف ضد كل من خالفهم في مصر كما رأينا في الحلقات السابقه. و المسلمون أيضاً استخدموا العنف. اما و قد حدث كل هذا و نحن الان هنا، هل من المقبول استخدام العنف ضد كل من لا يعجبنا؟ ما هي حدود استخدام العنف؟ و كيف؟ و من؟

٥- ان المسيحين ليسوا ملائكه. كما ان المسلمين أيضاً ليسوا ملائكه. كيف يتعايش بنو آدم؟ اكتب دروسا من الماضي و دروسا من حول العالم و ناقشها في الفصل.

٦- هل من الضروره ان يتفق المسلمون و المسيحيون علي مبادئ دينهم؟ ام الاولي ان يتفقوا كيف يتعايشون؟ كل العالم به مجتمعات يري مكوناتها ان الآخرين كفار. كيف يتعايشون؟

٧- ما هي الحكمه ان تصر الدوله علي كتابه الدين في بطاقه الرقم القومي؟

٨- ما هي الحكمه من تدخل الدوله في قصه حب فقط لان طرفيها مختلفا الديانه؟ هل هذا هو الموضوع الأكثر اهميه لانفاق عوائد الضرائب عليه؟ و لماذا تظن الكنيسه انها وصيه علي قصص حب الشعب المصري؟ هل لانه شعب ناقص الآهليه؟

٩- هل فعلا يظن المسلمون ان تحول شخص لأي دين هو امر يستحق الاهتمام؟ و قد حدثت تحولات للمسيحيه عن الاسلام مثلا في ايام الاسلام الاولي بعد هجره الحبشه. ماذا حدث؟ لا شيئ. ان مسلمي اليوم ينطبق عليهم القول انهم أذكياء في المليم و لكن أغبياء في الجنيه!

١٠- التعدديه: ما العيب ان يعيش أبناء ثقافات و أديان متعددة في وطن واحد؟ العثمانيون كان لديهم تعدديه كبيره: مسيحيون، يهود، و غيرهم. و كانوا الأقوي. التعدديه قوه اذا احسن استغلالها.

المصادر:

——–

١- الحلقات السابقه:

https://jawdablog.org/category/التاريخ/صفحات-مخفيه-من-التاريخ/

٢- بدايات العصر الاسلامي في مصر:

http://answering-islam.org/history/islamization_egypt.html

٣- اهتمامات العرب المسلمين الأوائل في مصر:

https://books.google.com/books?id=gJv8Zx2efjkC&pg=PA38&lpg=PA38&ots=fXsN1PpP0Q&focus=viewport&dq=economy+of+egypt+600+ad&output=html_text

٤- ج راسيل: “تعداد سكان الشرق الأوسط في العصور الوسطي و القديمه” فيلادلفيا. الجمعيه الفلسفية الأمريكيه. صفحه ٨٩.

٥- رساله د محمد صالح للدكتوراه في جامعه جنوب كاليفورنيا:

http://federation.ens.fr/ydepot/semin/texte1213/SAL2012ROA.pdf

٦- دراسه جامعه شيكاجو الأمريكيه: مصر في عهد المماليك. المجلد العاشر. البحث الثاني. صفحه ٢٠٠٦.

http://mamluk.uchicago.edu/MSR_X-2_2006-OSullivan.pdf

٧- اسطوره عدد المسيحيين في مصر:

https://jawdablog.org/2015/01/10/egypt_taboo_33_christians_numbers_in_egypt/

٨- تاريخ الكِندي و به محفوظات الديوان و حركه الجنود المسلمين في الامبراطورية الاسلاميه.

٩- الموسوعه الثمينة. توطين العرب في العصر المملوكي.

١٠- ابن سعد.

http://muslim-library.blogspot.com/2011/09/tabqaat-ibn-e-saad.html

١١- تاريخ بطريركية الاسكندريه.

http://www.tertullian.org/fathers/severus_hermopolis_hist_alex_patr_01_part1.htm

١٢- ابوكالبتوس سودو اثناسيوس.

http://www.academia.edu/2165029/The_Antichrist_is_coming…_The_making_of_an_apocalyptic_topos_in_Arabic_Ps.-Athanasius_Vat._Ar._158_Par._ar._153_32_

١٣- الانبا يوحنا من نيقيه:

http://en.wikipedia.org/wiki/John_of_Nikiû

١٤- المقريزي:

https://archive.org/details/histoiredessulta01maqr

١٥- كورباج و فارجوس: “المسيحيون و اليهود تحت حكم الاسلام” صفحه ١٥-١٦.

http://www.amazon.com/Christians-Under-Islam-Youssef-Courbage/dp/1860642853

4 comments

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s