نسبه المسيحيين في مصر و وضعهم الاقتصادي … الاسطوره الثالثه و الثلاثون

هذا موضوع من اعجب الأمور في مصر و تصرف الدوله و عامه المصريين فيه يكشف احد أسوء خصال المصريين و هي المبالغه و احد أسوء مشاكل الدوله المصريه و هي كتمان ما لا ضروره لكتمانه. فالمفترض ان نسبه الأقليات في مصر و وضعهم المادي هي أشياء معلومه للجميع. و هي بالطبع معلومه للدوله لان هناك تعداد يكشف بسهوله. و لكن حجبت الدوله معلومات الدين في تعداد ٢٠٠٦ و موهت الأرقام في تعداد ١٩٩٦! و هذه تصرفات غريبه من حكومه المفترض ان تمد المواطنين بالمعلومات. و ما يثير العجب ان الحجه هي الامن القومي و منع الفتنه الطائفيه. بينما هي ذات الدوله التي تفرض علي الجميع كتابه الدين في خانه في البطاقه الشخصيه مما لا يضيف شيئا لها و لا لحاملها، و هي ذات الدوله التي تقف عاجزه عندما نري أقساما في الجامعات يحتكر الاستاذيه فيها مثلا اما كلهم مسلمون او كلهم مسيحيون!

كما ان تصرفات المسلمين العامه غريبه أيضاً. فهم تاره يقولون ان المسيحين قله قليله. و تاره بل كثره كبيره و لذا يؤثرون علي الانتخابات و هم جل من نزلوا في مظاهرات بعينها.

و ذات التصرفات أيضاً تنطبق في حاله نقاش الوضع المادي للمسيحين. فتاره هم مثل كل شعب مصر و تاره هم يسيطرون علي الاقتصاد و علي تجاره الذهب و علي الصيدله و التليفونات، الخ.

و تصرفات المسيحين العامه و الكنيسه ذاتها لا تخلو من العجب. فالاثنان حريصان علي نفخ الأرقام عند الضروره ثم عند الحديث للغرب يكون الكلام ان الاقليه المسيحيه في الشرق في خطر.

الجميع يستغلون الفراغ الذي تركته الدوله و يملؤنه بما يناسب غرضهم و عرضهم ناسين تماماً ان هناك رقم واحد و محدد و ان هناك أطراف لا يمكن خداعها لان لديها الحقيقه الفعليه و ان كان يناسبها ان تترك المتحدث يكذب لانه يناسب أهدافها.

لذلك عندما نقول ان الدوله المصريه بشكلها الحالي عاجزه عن اداره وجود دينين في مصر فإننا نعني ما نقول لان تصرفات هذه الدوله تدفع دفعا للفتنه الطائفيه.

و بالطبع فإننا بفتح هذا الموضوع سنغضب الجميع: مسلمين و مسيحين. لكن قبل ان نبدأ نريد ان نقول انه حتي لو كان هناك مسيحي واحد في مصر، أليس له ذات الحقوق و الواجبات؟ و نقول أيضاً انه او كان هذا المسيحي الواحد يملك نصف شركات مصر و لكنه حصل عليها بكده و اجتهاده و يدفع ما عليه من ضرائب، أليس واجبنا ان نشجعه و نشكره و نجعله مثل للجميع مثلما بيل جيتس و ستيف جوبز أمثله ناجحه؟

فكر في هذه الاسئله و اجب عنها ثم اقرأ الموضوع. توكلنا علي الله.

اولا: العدد الحقيقي للمسيحيين في مصر

————————————

حجبت الدوله المصريه رقم الدين في تعدادي ٢٠٠٦ و ١٩٩٦ و هما التعدادن الأخيران. كما انها جعلت الحصول علي ارقام الدين في التعدادات السابقه عملا معقدا يتطلب الحصول علي موافقه لدخول و الاطلاع علي محتويات دار المحفوظات عن التعداد (المصدر الثاني).

و لكن قام باحثون مجدون بفعل ذلك. في عام ٢٠٠٥ قام بوتيشيني و ايكستاين بتتبع مهن اليهود في مصر و العالم (المصدر الثالث) عبر تتبع التعدادات و هو ما فتح الطريق امام علم احصاء أعداد المتدينين و ربطها بالسلوك الاجتماعي و الوضع المادي لهم عبر القرون.

في عام ٢٠١٢ قام د محمد صالح (و هو مصري درس الدكتوراه في الاقتصاد التاريخي من جامعه جنوب كاليفورنيا ثم استقر في فرنسا للتدريس في جامعه تولوز و تخصصه هو الاقتصاد التاريخي لمصر) بالحصول علي كل وثائق تعدادات أعوام ١٨٤٨ و ١٨٦٨ و ١٨٩٧ في مصر. و ما قام به هو عمل أسطوري بكل المقاييس. فالدولة لم تعطه ملخص نتائج التعداد بل كل استمارات التعداد بواقع استماره لكل مواطن. فقام بمسحهم جميعا علي الكمبيوتر و استخدام تقنيه التعرف الضوئي لتحويل الكتابه الي ما يفهمه الكمبيوتر (المصدر الرابع).

اهميه تعدادات ١٨٤٨-١٨٩٧ انها تمت في عهود مختلفه ما بين الخديو عباس و الاحتلال البريطاني. كما انها بعيده تماماً عن ايه تأثيرات سياسيه حاليه و بالتالي فهي ارقام يمكن الاعتماد عليها.

كشف البحث بوضوح ان أعداد المسلمين وقتها في مصر هم ٩١-٩٢٪. و ان أعداد الاقباط هم ٦٪ و ان غير المسلمين الآخرين هم ١-٢٪ (في الأغلب يهود و مسيحين غربيين و يونانيين) و ان من لا دين لهم ٠-٢٪.

الملاحظ ان هذه الأرقام ثابته تماماً عبر كل هذه التعدادات دون تغيير.

قد يقول قائل انه منذ ١٨٩٧ ربما حدث تغيير كبير في هذه النسب. مثلا يدعي البعض هجرات ضخمه للمسيحيين من مصر (ناسين ان الهجرات شملت المسلمين أيضاً بينهم مثلا د محمد صالح ذاته).

و لكن قام مركز أبحاث بيو مؤخراً في ٢٠٠٨ (المصدر الخامس) باستطلاع رأي علمي في مصر كما قام بالاطلاع علي نتائج التعدادات في تاريخ مصر كله حتي ١٩٩٦ (ناقصا تعداد ٢٠٠٦ الأخير لان الدوله لم تسمح لأحد بالاطلاع علي نسب الدين فيه). وجد بيو من استطلاع ٢٠٠٨ ان نسبه المسيحين في مصر هي حوالي ٥٪ بهامش خطأ حوالي ١٪.

بدراسه ارقام كل تعدادات مصر السابقه التي أتاحت الدوله المصريه لبيو الاطلاع عليها. وجد ان اعلي نسبه للمسيحين (أقباط و غير أقباط) في مصر كانت ٨,٣٪ في عام ١٩٢٧. و ان اقل نسبه كانت ٥,٧٪ في تعداد عام ١٩٩٦.

نحاول الان فهم هذه الأرقام.

– في أعوام ١٨٤٨-١٨٩٧ كانت أعداد المسيحيين في مصر ٧-٨٪ و منهم الاقباط ٦٪.

– في ١٩٢٧ ارتفع عدد المسيحين من ٧-٨٪ الي ٨,٣٪. في الأغلب هذا الارتفاع هو نتيجه هجرات اليونانيين و الإيطاليين و الفرنسيين الي مصر و استقرارهم فيها نتيجه الرواج الاقتصادي في مصر.

و نلاحظ ان الارتفاع من ٧-٨٪ الي ٨,٣٪ هو ارتفاع طفيف و محدود.

– انعكست تلك الهجرات و عاد هؤلاء الي بلادهم لاحقا و في الأغلب اضمحل عدد المسيحيين غير الاقباط في مصر بشكل كبير.

ان نسبه الاقباط في مصر في الحقيقه شبه ثابته. فهي ٦٪ في عام ١٨٩٧. و هي ٥,٧٪ في عام ١٩٩٦ (معتبرين ان نسبه المسيحيين غير الاقباط طفيفه جدا بدرجه يمكن إهمالها) و هي ٥,٣٪ وفق استطلاع رأي ٢٠٠٨ و هو ذو خطأ ١٪.

إذن كل الأرقام تشير ان نسبه الاقباط في مصر هي ٥-٦٪. و هي شبه ثابته لا تتغير و ان كانت تتجه بشكل بطئ نحو الهبوط. فهي هبطت منذ ١٨٩٧ حتي ١٩٩٦ اي في فتره ١٠٠ عام حوالي نصف بالمائه او اقل . و في الأغلب يرجع هذا لانخفاض الإنجاب بين المسيحين بالاضافه الي الهجره. و لكن كما نري فهي عوامل تفعل فعلها ببطء شديد جدا.

إذن عندما يتحدث البعض ان نسبه المسيحين في مصر ١٢٪ او ٢٠٪ (كما تقول احيانا الكنيسه بناءا علي ما تقول انه أعداد الأعضاء و ما دحضه علماء بيو ريسيرش – المصدر السادس) او ١٠٪ او ٢٪ (كما يدعي بعض المسلمين احيانا) فهذا كله كلام فارغ. النسبه الصحيحه هي ٥-٦٪. كذلك عندما يقول البعض ان هناك هجرات ضخمه للمسيحين فهذا كلام لا تثبته الأرقام. هناك هجره نعم. ضخمه لا. هناك تغير بمعدل حوالي اقل من نصف كل ١٠٠ عام. و هو تغير بطئ للغايه مقارنه مثلا بالتحول بين عام ٦٠٠ م و عام ١٢٠٠ م عندما تحولت مصر في ٦٠٠ عام من أغلبيه مسيحيه الي أغلبيه مسلمه بمعدل ربما ١٠٪ او أكثر كل مائه عام.

رددوا الرقم ورائنا: نسبه المسيحين في مصر ٥-٦٪. و هي شبه ثابته لم تتغير تقريبا علي مدي ١٠٠ عام. رددوها ٣ مرات حتي نحفظها جميعا.

يعني هذا ان عدد المسيحين في مصر تقريبا ٤-٥ مليون.

ثانيا: المركز المادي و الاجتماعي للمسيحيين في مصر

————————–

هل المسيحيون اغني في مصر؟

الحقيقه لا توجد احصائيات دقيقه عن الثروات. لانها ستتطلب ربط بيانات الضرائب ببيانات التعداد و هي دراسه مهمه و لكن بالطبع تضعها الدوله المصريه “الذكيه” في نطاق الامن القومي!

لذلك نعود لرساله الدكتوراه للدكتور محمد صالح. (المصدر الرابع). في استمارات التعداد كان هناك سؤال لكل شخص حول وظيفته و أملاكه. قام صالح بتحويل تلك الإجابات الي مقياس المستوي الاجتماعي. و هو مقياس من ١٢ درجه. أعلاها هي الدرجه ١٢ و هي قمه السلم الاجتماعي لأناس مثلا في قمه الهرم الوظيفي و يحصلون علي اعلي الدخول و لديهم أملاك ضخمه…في وقتها طبقه باشوات مصر و عائلاتهم.

قام صالح بدراسه العلاقه بين الدين و مقياس المستوي الاجتماعي بناءا علي بيانات تعداد ١٨٩٧. وجد صالح الآتي (صفحه ٤٠ من المصدر الرابع):

– في الريف لا توجد فروق إحصائيه بين المسلمين و المسيحين من حيث المستوي الاجتماعي او المادي. فمتوسط مقياس المستوي الاجتماعي للمسلمين هو ٥ بينما هو ٥,٨ للمسيحيين بانحراف معياري ١,٨. اي انه هناك فارق و لكن ليس بدرجه مهمه إحصائيا. نتمني ان تكونوا جميعا تتذكرون الإحصاء من الدراسه الثانويه. ان لم تتذكروها انظروا الصوره الثانيه التي توضح كل شيئ.

– علي العكس في الحضر فمتوسط مقياس المستوي الاجتماعي للمسلمين ٥,٤ بينما هو ٧,٧ للمسيحيين بانحراف معياري حوالي ٢.

معني ذلك انه في عام ١٨٧٩ كان المسيحيون في الحضر اغني من أقرانهم المسلمين في الحضر. بينما المسيحيون في الريف متساوون تقريبا مع أقرانهم المسلمين من الناحيه الإحصائيه.

بالطبع مع نمو و انتشار التعليم في مصر و الهجره من الريف الي الحضر ربما تغيرت الصوره فعلا. من الناحيه النظريه هذا ممكن فعلا. لكن معظم الدراسات الاجتماعيه الحديثه اثبتت انه في المتوسط فان الفقر و الغني متوارثان (المصدر السابع) بالذات في دول ذات تحول اقتصادي و اجتماعي بطيئان مثل مصر. بالعكس يتوارث الأجيال في مصر المهن ذاتها و ليس فقط الفقر و الغني.

[اسمحوا لنا ان تستطرد قليلا بعيدا عن الموضوع. بطء التحولات الاجتماعيه في مصر يحتاج لثوره. و مشروع توريث جمال مبارك الذي أسقطه الشعب المصري هو فقط قمه جبل الجليد العائم. الحقيقه ان كل مظاهر التوريث و المحسوبيه و “حاكلملك القاضي” و “حاكلم اللوا عباس” يجب ان تختفي مصر حتي يأخذ الفقير حقه و ليس الكلام الفارغ الذي يردده اشتراكيو و ناصريو مصر مثل حمدين صباحي حول ان نأخذ من الغني و نعطي الفقير. كل المطلوب ان نعطي الفقير الفرصه التي يستحقها و ليس ان نعطيه معونه او هبه]

لاحظ انه في عام ١٨٩٧ عاش ٦-٩٪ فقط من المسيحيين في المدن. بينما عاشت الاغلبيه الساحقه من الاقباط في الريف.

لذلك يمكن القول انه في طبقه ٦-٩ بالمائه المصريه (اغنياء الحضر) فالمسيحيون اغني بشكل إحصائي واضح. بينما في متوسط الشعب المصري (و معظمه ريفي و معظم المسيحيين في مصر من الريف أيضاً علي الأقل في عام ١٨٩٧).

هنا يكمن الداء المصري في ان يأخذ و يسمع كل طرف ما يريد و عندما يريد. فالبعض يمكن ان يقول المسيحيون اغني. و البعض يمكن ان يقول لا.

و الحقيقه هي انه بين طبقه اغنياء الحضر فالمسيحيون اغني. بينما بين طبقه أهل الريف لا يوجد تمييز يذكر!

و الحقيقه ان هناك أسباب لذلك. فالمسلمون الأوائل استعملوا أقباط مصر في اداره الدوله ووضعوهم في وظائف متميزه (المقدسي – المصدر الثامن) تعادل رياسه الوزراء الان. كما انه حتي في عصور الضغوط الاسلاميه علي المسيحين مثل وقت المماليك، استطاع اغنياء المسيحيين التهرب من الملاحقه و دفع الجزيه و كذلك دفع الرشاوي. سنتعرض لذلك في سلسله صفحات مخفيه من تاريخ مصر، لانه فعلا موضوع مهم حول كيف تحولت مصر لدوله اسلاميه.

ثالثا: الاستنتاج

————–

لا يوجد ادني شك ان نسبه الاقباط في مصر ٥-٦٪. و انه ان وجدت هجرات للأقباط فان تأثيرها محدود للغايه لان نسبه الاقباط في مصر عام ١٨٩٧ كانت ٦٪ أيضاً.

انه في الأغلب فان متوسط المستوي الاجتماعي للمسيحيين و المسلمين في مصر متقارب بالذات في الريف. ان أهل الحضر المسيحين اكثر غني من أقرانهم المسلمين. و في ذلك نفترض ان تعداد ١٨٩٧ ما زال ساريا و هو افتراض تؤكده الأبحاث العلميه الحديثه.

تخلصوا من الاساطير. الحقائق واضحه. طالبوا الدوله بالحقيقة. لا يمكن اداره العلاقه بين دينين بدون ان نعرف رأسنا من رجلينا. حقوق المسيحين في مصر ثابته و لا نتأثر بعددهم!

المصادر:

———

١- الاساطير السابقه:

https://jawdablog.org/category/الأساطير-و-التابوهات-في-السياسه-المصر/

٢- حجب معلومات التعداد:

http://cnsnews.com/news/article/number-coptic-christians-egypt-far-less-media-estimates-report-says

٣- بوتيشيني و ايكستاين. ٢٠٠٥. مجله التاريخ الاقتصادي. المجلد ٦٥. العدد الرابع. صفحه ٩٢٢-٩٤٨. “الانتقاء الوظيفي لليهود. هل هو بتأثير التعليم و الحدود ام اختيار من الأقليات؟”

٤- محمد صالح. رساله الدكتوراه في جامعه جنوب كالفورنيا.

http://federation.ens.fr/ydepot/semin/texte1213/SAL2012ROA.pdf

٥- استطلاع بيو لديموجرافيه مصر:

http://pewforum.org/uploadedFiles/Topics/Religious_Affiliation/Christian/Christianity-fullreport-web.pdf

٦- دحض بيو ريسيرش لادعاءات الكنيسه القبطيه حول أعداد المسيحيين في مصر:

http://cnsnews.com/news/article/number-coptic-christians-egypt-far-less-media-estimates-report-says

٧- هل الفقر و الغني متوارثان؟

http://www.jrf.org.uk/publications/persistence-poverty-across-generations

٨- احسان التقسيم في معرفه الأقاليم. ١٨٧٧. صدر عن دار نشر بريل.

3 comments

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s