!الاسطورة الواحدة و الثلاثون: الحجاب و ملابس السيدات

من العجيب ان هذا ربما اكثر المواضيع الشائكه في مصر. فهناك من ناحيه أعداء الحجاب الذين يظنون انه السبب في تخلف مصر. و هناك علي الجانب الاخر الذين ينظرون له انه مقياس الإيمان. و لان الجانب الاول هو الاعلي صوتا الان فسنفرد هذه الاسطوره لتبيان انه لا الحجاب و لا النقاب لهما اي علاقه لا من قريب و لا من بعيد بتخلف مصر او ايه دوله اخري. 

خرج علينا السيد حسنين هيكل منذ عده ايام في حديث دعا فيه للسيد السيسي بالتوفيق و السداد كما لو كانت خطبه جمعه او حديث الشيخ الشعراوي (المصدر الثاني) ثم انهي حديثه بالمقوله التاليه بالنص: “هذا كابوس… أمشي في الشارع لتري السيدات و ماذا يلبسن. مش ممكن. نحن عدنا لما قبل عصر محمد علي”. و ربط السيد هيكل بين ذلك و حكم الاخوان الذي استمر عام (و كما نعلم انهم لم يحكموا فعليا) ثم انطلق ليربط ذلك بجواز فرض نظام استثنائي في الدوله و ضرب الحائط بكل القوانين! 

و منذ عده أشهر خرج وزير الثقافه المصري ليقول بالنص (المصدر الثالث): “انا و انا طالب في الجامعه في ٦١ و حتي أوائل السبعينات لم تكن هناك و لا طالبه واحده محجبه”

حتي الان يقر حقيقه. فسأله المذيع: “طيب دي حاجه كويسه؟”

فتأتي الاجابه من وزير الثقافه: “طبعا حاجه كويسه”

و قبل عده سنوات خرج سابقه في وزاره الثقافه السيد فاروق حسني ليقول ان الحجاب تخلف. ثم يظهر الممثل الشهير حسين فهمي ليقول بالنص في حضور الوزير (المصدر الرابع): “انا مع الوزير. و طبعا تخلف. و اسرائيل دلوقتي بتعمل ما بعد المايكرو و طالعين بتكنولوجيا جديده بعد المايكرو و حيعملوا نحله تصور كل حاجه عندنا. و احنا جايين نتكلم و نعيش في تخلف” 

نحن لا نتكلم إذن عن افراد معادين للحجاب بسبب ان ذوقهم مختلف او لا يتماشي مع الموضه من وجهه نظرهم او حتي انهم معادون للحجاب (و هذا حقهم). نحن نتكلم هنا عن سياسه رسميه للدوله المصريه ممتده عبر عده وزارات ثقافه و عده وزراء و بينهم ثوره و طبقه كامله من المثقفين تربط بين الحجاب او النقاب و التخلف. هذه سياسه للدوله ينفق عليها من أموال المواطن المصري و لذا وجب علينا تفنيد تلك السياسه و كشف وجه الجهل فيها. 

الوضع في الهند

—————

في سبتمبر ٢٠١٤ و قبل ايام من حديث وزير الثقافه حول تخلف الحجاب، أطلقت الهند مركبتها الاولي بنجاح و أكملت دورتها حول المريخ. تداولت وكالات الانباء الصوره الاولي المرفقه و تحتها التعليق التالي (المصدر الخامس): “العاملون في وكاله أبحاث الفضاء الهنديه (اسرو) يتبادلون التهنئه بعد نجاح مهمه المريخ” 

تبادل ملايين الهنود تلك الصوره بعزه و كرامه. أظهرت الصوره مجموعه من النساء الهنديات العاملات في برنامج الفضاء الهندي و هن يرتدين جميعهن الزي الهندي التقليدي (الساري) و يتبادلن التهنئه داخل وحده التحكم الرئيسيه بينما التف حولهن جمع من الرجال الفرحين (المجتمع الهندي محافظ مثل المصري و لا يتقبل العناق مثلا بين الجنسين). 

ان انجح سيدات المال و الاعمال الهنديات يرتدين جميعا الزي التقليدي الهندي. و علي رأسهن السيده شانده كوتشهار رئيس بنك اي سي اي سي اي احد اكبر البنوك الهنديه. و المصدر السادس يحوي قائمه اهم سيدات الاعمال الهنديات و جميعهن بالساري الهندي. 

و من الطبيعي جدا في اي مكان عمل في الهند حتي لدي اكبر الشركات الأمريكيه (و كل الشركات الأمريكيه الكبيره لديها عماله ضخمه في الهند) و تجد الفتيات الهنديات ارتدين الساري او السروال قميص (و هو اكثر انتشارا لكونه اكثر عمليه و هو مماثل لزي الباكستانيات و عباره عن بنطلون و قميص طويل مطرز يصل للركبه) او زي غربي أيضاً لا يجد احد مشكله في تجاور تلك الأزياء. 

و كل نجمات السينما الهنديه لا يجدون غضاضه في التصوير بالساري بل يعتبر هذا شيئ طبيعي. بالعكس ظهر علي التطبيق بينترست (و هو احدث صيحه في عالم التطبيقات حيث يتابع الأفراد تمنيات بعضهم البعض و ليس ما يكتبونه كما في فيسبوك او تويتر) متابعات خاصه (المصدر السابع) للنساء اللواتي يرغبن في ارتداء ساري مماثل لنجمات مثل انوشكا شيتي و ضيا مرزا (و هي من أصل مسلم هندي). 

و ظهر في ذات سبتمبر ٢٠١٤ الفيلم الهندي دعوه عشق و فيه النجمه الهنديه “برانتييب تشوبرا” مرتديه الساري و السروال قميص (الصوره الثانيه). و أدت دورها المعروفه به انها “بنت الجيران” الحبوبه و اللطيفة. 

تظهر الصوره الثالثه صوره فوتوغرافيه لسيده هنديه تعود لعام ١٩٢٥ و تبدو تقريبا مثل سيدات الهند اليوم و مثل سيدات الاعمال الهنديات. 

إذن لا يوجد في الحقيقه تعارض بين التمسك بالأصل الديني و التقاليد و بين التقدم الصناعي و التقني. 

زي المرأه حول العالم

——————

و لا نعرف كيف يتحدث السيد حسين فهمي عن “ما بعد المايكرو تكنولوجي” و بالطبع هو لا يجد كلمه يقولها ،لانه يتحدث فيما لا يفقه لمن لا يعلمون امام جهله، و طبعا اسرائيل ليست احدي الدول الفاعلة في مجال النانو تكنولوجي لان استثمارات هذا المجال شديده الضخامه و احتمالات النجاح ضئيله لدرجه لا تقدر عليها سوي اقتصاد الولايات المتحده. و لا يعلم السيد فهمي ربما ان بعض من نساء اسرائيل او يهوديات امريكا شديدات التزمت و يرتدين ملابس يهوديه محافظه بالرغم أنهن يعشن في نيويورك مثلا (الصوره الرابعه). 

ترتدي الفتيات في تايلاند احدث صيحات الموضه الغربيه في شوارع و حارات بانكوك. بينما تسمح ماليزيا بتعدديه ثقافيه عاليه بين المسلمات المرتديات للحجاب (أغلبيه الماليزيات مسلمات) حتي الصينيات المرتديات للشورتات. و بالطبع فتايلاند شديده الفقر بينما ماليزيا دوله غنيه. 

كذلك فبنات فنزويلا معروفات بجمالهن و يرتدين في العاده ملابس مكشوفه. في حين ترتدي سيدات الغرب الأوسط الصناعي الامريكي ملابس محافظه. و فنزويلا فقيره (بالرغم من ثروه البترول) و الغرب الأوسط الامريكي هو أهم المعاقل الصناعيه. 

عوده للحاله المصريه

——————

ان هذا الرابط بين التخلف و الحجاب او بين الملابس التقليديه و الحجاب هو رابط أسطوري يوجد فقط في خيال منظومه الثقافه الرسميه المصريه. 

أثبتنا ان الهند وصلت لأعلي درجات التكنولوجيا و مع ذلك التزمت سيداتها بالتقاليد الهنديه دون غضاضه في ذلك. 

الغريب ان هذا ينطبق علي مصر أيضاً. تظهر الصوره الخامسه سيدات من حزب الوفد المصري في الثلاثينيات من القرن الماضي (المصدر الثامن) و قد ارتدت بعضهن الحجاب و أخريات الخمار و أخريات البرقع و أخريات حسرن عن شعرهن. و هذا تنوع طبيعي بحكم الاحتكاك بالعالم و تغير الثقافات. المثير ان هذه الفتره من تاريخ مصر هي ما يطلق عليها عصر التنوير. فالعقاد و طه حسين و حسين هيكل كانوا يكتبون و انشأ المصريون الجامعه المصريه عن طريق الاكتتاب (و ليس انتظارا لفوائد ماليه) و كان هناك حوار فعلي عن هويه مصر الاسلاميه الاوروبيه العربيه الافريقيه ذات التنوع الثقافي المحمود. و بالطبع انعكس الحوار علي تنوع المظاهر و الملابس. 

العجيب ان عصر الستينات الذي يحن له وزير الثقافه الحالي و الأسبق و انحسر فيه الحجاب هو عصر شهد هزيمه عسكريه ساحقه لم تشهدها مصر مطلقا في تاريخها كما انه العصر الذي ادي للجفاف الثقافي الحالي و انعدام التنوع الرهيب الذي تشهده مصر الان! 

و بالرغم من تواجد الاساتذه العقاد و محفوظ و حسين و غيرهم فانهم كانوا في الأفول وقتها و كانوا في نهايات أعمارهم غير ما يدعيه السيد حسنين هيكل انه من رباهم في الأهرام و ثابر علي دعمهم! بينما الحقيقه انهم كانوا فقط يودون تجنب انتقام صديقه ناصر عبر التودد لهيكل! 

تظهر الصوره السادسه حفل وداع احدي المبشرات المسيحيات في أصفهان بإيران و يظهر تلامذتها المسيحيات و كلهن ارتدين الحجاب. الواقع إذن ان الامر كان ثقافه عامه في المنطقه.

و تظهر الصورتان السابعه و الثامنة فلاحات مصريات و نظرائهن الفلسطينيات البدويات في أوائل القرن الماضي و لا يمكن التفرقه بينهن و لا بينهن و بين نظرائهن المصريات او الفلسطينيات او السوريات المعاصرات. تماماً مثلما لا يمكن التفرقه بين الممثله الهنديه المعاصرة ضيا مرزا و جدتها الهنديه في الصوره الثانيه عام ١٩٢٥. 

تماماً مثلما تظهر الصوره التاسعه سيده ايرانيه تعود لأوائل القرن الماضي. 

ان تخلف مصر في الحقيقه يعود في احد أسبابه لتلك الطبقه الطفيليه التي تطلق علي نفسها مثقفه و قادت مصر منذ ٢٣ يوليو حتي اليوم عبر تطوير علاقه نفعيه مع الجيش المصري! فهم يروجون لحكم الجيش في مقابل الامتيازات. و هم يملأون الصحف و الفضائيات بأفكار لا علاقه لها بأصول الشعب المصري بل هي اقرب ما تكون لطبقه المصريين التي استمالتهم الحمله الفرنسيه لتطويع الشعب المصري و تسهيل مهامها في مصر. 

من العجيب ان هؤلاء هم من قادوا و يقودون مصر كلها الي التخلف. ثم في النهايه يلقون بخطاياهم و أخطائهم و كوارثهم علي زي فتاه لانه لا يتماشي مع نظرتهم العلويه للشعب المصري!

ثم يختارون جمعيه تأسيسيه لما يسمي دستور ٢٠١٣ لا يوجد بها محجبه واحده في بلد جل نسائه محجبات! ثم يتحدثون انها تمثل نساء مصر!

لا توجد علاقه بين زي المرأه و التخلف. تخلصوا من الاساطير. 

المصادر:

——–

١- الاساطير السابقه كلها:

https://jawdablog.org/category/الأساطير-و-التابوهات-في-السياسه-المصر/

٢- حديث السيد هيكل في سي بي سي في ديسمبر ٢٠١٤ كاملا:

http://youtu.be/OXGoXCHIH1Q

٣- حديث وزير الثقافه المصري في اكتوبر ٢٠١٤ حول الحجاب:

https://m.youtube.com/watch?v=Z7ACRklb_IA

٤- وزير الثقافه الأسبق فاروق حسني و مداخله حسين فهمي حول الحجاب في مصر:

https://m.youtube.com/watch?v=3gzDLN6TXPA

٥- نجاح مركبه المريخ الهنديه:

http://m.bbc.com/news/world-asia-india-29357472

٦- سيدات الاعمال الهنديات بالساري:

http://www.indiamarks.com/indias-top-women-executives-their-academic-qualification/

٧- نجمات بوليود مرتديات الساري الهندي:

https://www.pinterest.com/kolkozy/indian-actress-in-saree/

٨- كتاب صور النساء في الشرق الأوسط:

Images of women in the Middle East

و هو اهم مرجع في تطور أزياء و عادات النساء في الشرق الأوسط و بالذات عند المسلمين. 

http://www.amazon.com/Images-Women-Graham/dp/0231068263 



Categories: الأساطير و التابوهات في السياسه المصريه

Tags: , , , , , , , , , , , , , , ,

1 reply

Trackbacks

  1. في السيلفي و الحجاب | JAWDA

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d bloggers like this: