الأسطورة التاسعة :هل كان محمد علي فعلا حاكما جيدا؟

Mohammad_Ali
بالرغم من كل الأساطير حول محمد علي و التي درسناها كلها في المدارس كونه مؤسس مصر الحديثه و ابي الوطنيه المصريه فالحقيقة بعيده عن ذلك كما اثبتت دراسات التاريخ الحديثه.

ندحض هنا الأسطورة التاسعة في سلسله محاولتنا دحض الكثير من الأساطير و التابوهات الحاكمه للسياسه و العقل المصريين.
تقول الأسطورة ان محمد علي بني القناطر و الترع و أسس الجيش المصري و أرسل الطلاب للتعليم في الخارج و انه بهذا أسس مصر الحديثه التي عمادها هو جيش محمد علي و انه بفضل هذا الجيش حقق نجاحات اسطوريه لم تنته بالفشل الا بسبب تآمر بريطانيا عليه و علي مصر، في قصه ستتكرر بعد ذلك مع عبد الناصر.الواقع ان هذه النجاحات حدثت بتكاليف انسانيه عاليه جدا و أسست لدوله من القمع و الاستبداد كان لا بد ان يكون مآلها هو الفشل.

لنأخذ مثالا ترعه المحمودية. بدأ المشروع في ابريل ١٨١٧ و استمر ثلاثه أعوام. تطلب المشروع تسخير مئات الآلاف من العمال و تهجيرهم من الصعيد. وصل عدد العمال في مارس ١٨١٩ الي ٣٠٠ الف. يقول الجبرتي ذاته مؤرخ الفتره ان عدد القتلي في المشروع تراوح بين ١٢٠٠٠ و حتي مائه الف نتيجه لأساليب الحفر شديده بدائية. اسس هذا لنظام سخره ما يزال يستخدم مع عساكر الجيش و الأمن المركزي في مصر.

الحقيقه كذلك انه من العجيب ان يتحدث البعض عن كون محمد علي مؤسسا للوطنيه المصريه و القوميه العربيه في حين انه لم يتحدث مطلقا بالعربيه و كان كل كلامه بالتركية. لا بل اطلق علي المصريين وصف “فلاد العرب” او اولاد العرب باللغه التركيه. طلب ابراهيم باشا من محمد علي ان يسمح للمصريين بالترقيه حتي رتبه ملازم (ملازمي بالتركية). رفض محمد علي ذلك و أصر الا يترقي فلاد العرب فوق رتبه شاويش تقريبا و الا يقود أحد منهم اي مجموعه اكبر من ٢٥ فرد.

بالرغم ان الروايه المصريه الرسميه في كتب التاريخ تتحدث عن سعاده المصريين بالخدمة في الجيش المصري الجديد للدفاع عن الحدود و الوطن، كانت الحقيقه ابعد ما تكون عن ذلك. كره الفلاحون التجنيد الإجباري. في ابريل ١٨٢٤ انتفض الصعيد ضد التجنيد الإجباري. حاولت السلطات المصريه في القاهره القضاء علي تمرد الصعيد بوسائل التخويف و الإرهاب. في النهايه اضطر محمد علي ان يرسل الجيش لمحاربه المتمردين. كان ذلك قرارا خطيرا حيث تم لأول مره إرسال جنود مصريين لمحاربه أهلهم في الصعيد. استخدم محمد علي كل وسائل الحفز الديني لجنوده و تم إطلاق لفظ مجانين علي المتمردين. كان القتال صعبا و انفصل حوالي ٧٠٠ جنديا مصريا و انضموا للمتمردين. في النهايه نجح عثمان بك في القضاء علي الفتنة في قنا. في خلال أسبوعين مات اكثر من ٤٠٠٠ مواطن. اسس ذلك لاستخدام الحكومه المصريه للقمع و القتل ضد مواطنيها.

استخدم الفلاحون كذلك وسائل الهرب من قراهم قبل قدوم فرق التجنيد. كان طبيعيا ان تجد فرق التجنيد قراً بأكملها خاويه. من الغريب ان يتهم الفلاحون بانعدام الوطنيه بينما في الحقيقه كانوا يتهربون من التجنيد لارتباطهم بالأرض التي يزرعونها. لذلك جعل محمد علي المسئوليه علي شيخ البلد ان يرسل عددا محددا كل سنه للتجنيد. مازال ذات النظام معمول به في مصر. كان شيخ البلد يتهرب من ذلك بان يرسل اسماء فلاحين من قري اخري!

تنبهت الحكومه المصريه لذلك فبدأت في تطبيق نظام التذكرة و هي ان يحمل كل مواطن في مصر تذكره تثبت محل إقامته و بالتالي عندما يتنقل بين القري المختلفة محاولا الهروب من التجنيد يتم إيقافه و إعادته لقريته. كذلك بدأت السلطات المصريه في تطبيق التعداد لمحاوله معرفه عدد من سيصلون لسن التجنيد في كل قريه. كان كل هذا هو من اجل خدمه جيش محمد علي. لا زالت كل تلك النظم معمول بها و هدفها هو التحكم و تطويع المصريين من اجل خدمه الجيش.

لجأ الفلاحون بعد ذلك لقطع أصابعهم او اخرق احدي أعينهم للتهرب من التجنيد. تنبهت السلطات المصريه لذلك أيضاً و كان يتم الحكم بالسجن مدي الحياه علي اصحاب الأصابع المقطوعة.

بالرغم من الحديث في المدارس المصريه عن النهضة الصناعيه فالواقع انها كانت جلها لخدمه جيش محمد علي و كانت في الحقيقه شديده البيروقراطيه و قله الكفاءه. تبدي جليا في صيف ١٨٣٢ ان جيش ابراهيم باشا سيقضي الشتاء في صقيع شمال سوريا و تركيا، أرسل ابراهيم باشا طالبا ثيابا مناسبه للشتاء. مع حلول الشتاء لم تستطع المصانع المصريه او نظاره الحربيه في القاهره إرسال الملابس المطلوبه. في ديسمبر ١٨٣٤ كانت فرقه المشاه رقم ٢٠ تطلب ملابس شتويه بإلحاح و قال قائدها ان بعض الجنود كانوا شبه عرايا في البرد. كانت بعض الفرق المصريه تصل للمعركة بدون سلاح و بدون خيول مما اضطر ابراهيم يكن باشا ان يستولي علي الخيول من السوريين علي سبيل الضريبه.

تم كذلك إرساء نظام بيروقراطي شديد نتيجه للخوف من الحاكم الأوحد محمد علي و نتيجه لرغبه محمد علي في التحكم في كل شيئ. خلال معركه قونيه في تركيا طلب ابراهيم باشا معدات من القاهره. أصرت القاهره انه بدون وجود إيصال رسمي باستلام المعدات فإنها لا تستطيع إرسالها. كان رد ابراهيم باشا علي ذلك عنيفا و طلب من نظاره الحربيه ان يكتبوا بأنفسهم وصل استلام و يسلموه لأنفسهم حتي تبدو الأوراق سليمه. كل هذه خصال تأصلت تماماً في الجهاز الاداري المصري و لازالت مستمره حتي اليوم.

كتب ابراهيم باشا لوالده كذلك ان المهندسين الفرنسيين يحاولون بناء السفن بالطرق الفرنسيه بينما كل ما يريده الان هو سفينه ذات مدفع و انه عوضا عن المهندسين الفرنسيين يجب الاستعانة “بالحاج عمر” لإنهاء الامر بسرعه. طبعا كلنا نعلم ان الحاج عمر لازال موجودا حتي يومنا هذا و تطور حتي اصبح يكتشف علاج الإيدز و يمهد الطرق في المريخ و الإسماعيلية و أماكن اخري كثيره.

في النهايه كثر الحديث عن نجاحات الجيش المصري في عهد محمد علي. الحقيقه انها كانت ضد الامبراطورية العثمانيه المتراجعه و في النهايه عجز عن مواجهه الأسطول البريطاني المتفوق الذي حاصر الدلتا و لم تنجد فرنسا محمد علي فاضطر للاستسلام.

تجري الروايه الرسميه المصريه في كتب التاريخ انه لولا المؤامره البريطانيه لأصبحت مصر دوله عظمي. هذه الحجه مثل فريق الكره الذي يخسر بسبب ان الفريق الاخر احرز هدفا! لقد تآمرت بريطانيا ضد الولايات المتحده ذاتها في حرب ١٨١٢ و تحالفت مع الهنود الحمر ضد حكومه الولايات المتحده ذاتها و قصف الجيش البريطاني واشنطن و احرق البيت الأبيض و مع ذلك قاومت أمريكا و انتصرت بفضل تطويرها لسفن سريعه مقاتله تفوقت علي نظيرتها البريطانيه و مضت لتصبح قوه عظمي.

لقد فشلت تجربه محمد علي لانها لم تقم علي اقتناع الشعب المصري و لا علي اختياره الحر. فشلت لانها كانت ظالمه أرست قواعد الاستبداد و انعدام العداله.

المصادر:
——–
كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة
المؤلف:المؤرخ خالد فهمي
https://www.facebook.com/jawda.org/photos/a.585846424818908.1073741844.524906364246248/636509319752618/?type=1&relevant_count=1

ترعه المحمودية.
الجبرتي. عجائب الاثار. الجزء الخامس. صفحه ٣٠١.

ترقيات المصريين في عهد محمد علي
خالد فهمي. صفحه ٩٤-١٠١.

تمرد الصعيد:
دار المحفوظات و الوثائق المصريه. وثائق ارقام s/1/47/7/331 في ملف 2 n 1239/1 مايو ١٨٢٤.

تهرب الفلاحين من التجنيد:
خالد فهمي. صفحه ١٠٠-١٠١.

مراسلات ابراهيم باشا من سوريا و تركيا:
دار المحفوظات المصريه. S/1/48/4/111 في ملف 21 S 1248/14 بتاريخ يناير ١٨٣٣.

معاهده بالتا ليمان التي أنهت تجربه محمد علي:
http://en.m.wikipedia.org/wiki/Treaty_of_Balta_Liman

تآمر بريطانيا ضد أمريكا في حرب ١٨١٢:
http://en.m.wikipedia.org/wiki/War_of_1812

One thought on “الأسطورة التاسعة :هل كان محمد علي فعلا حاكما جيدا؟

  1. Pingback: الاستبداد و تأثيره علي الأخلاق … الحلقه ٢١ من سكه الكواكبي | JAWDA

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s