لماذا لا تتبع مصر النموذج الصيني في التنميه؟

تجري القصه كالتالي: لقد صدعتونا بالحديث عن الديمقراطيه. لماذا لا تتبع مصر نموذج الصين و هي دوله غير ديمقراطيه و لكن تنمو بمعدلات عاليه. أعطنا دكتاتورا مثل السيسي طالما سيصل بنا لمعدلات رفاهيه و تنميه مثل الصين.

هذه هي الأسباب:

اولا: لا نعتقد ان الشعب المصري سيتقبل نمودج الصين في التنميه إطلاقا. يوجد مقياس عالمي يسمي مقياس جيني و هو يقيس توزيع الدخل بين المواطنين. هذا المقياس يتراوح بين واحد و صفر. عندما يساوي صفر معني ذلك ان كل مواطني الدوله يحصلون بالضبط علي ذات الدخل. عندما يساوي مقياس جيني = ١، معني ذلك ان هناك مواطن واحد يحصل علي كل الدخل بينما لا يحصل اي مواطن اخر علي اي شيئ. مقياس جيني في مصر هو حوالي ٣٣, و هو تقريبا نفس القيمه في الهند. مقياس جيني في الصين حوالي ٤٥,. اي اعلي من مصر تقريبا ٥٠٪. ماذا يعني ان تتبع مصر ذات نمط التنميه في الصين إذن؟ معناه ان يصبح فقراء مصر اكثر فقرا بمقدار ٥٠٪ و يصبح أغنياء مصر اكثر غنا بمقدار ٥٠٪. السؤال؟ اذا كان المصريون يشتكون الان من انعدام العداله في التوزيع فما بالنا اذا ازداد الامر سوءا؟

ثانيا. يجب ان نلتفت الي التوزيع الجغرافي في الصين. الصوره المرفقه تظهر توزيع الدخل في الصين و نلاحظ فيها الفقر الشديد في مقاطعات الغرب الصيني (متوسط دخل مثل مصر و دول افريقيا مثلا) مقارنه بالثراء الفاحش في مقاطعات الشرق الصيني المتقدم (من اعلي متوسطات الدخل في العالم). قد تتساءل اذا لماذا لا يهاجر الفقراء نحو المناطق الغنيه في شانغهاي او بيجين او داليان او هونج كونج؟ الاجابه هي ان الصين تتبع نظام يسمي هوجو و فيه فان كل مولود يسجل باسم عائلته و مكان أقامتها و لا يستطيع هذا المواطن الصيني ان يقيم في اي منطقه غير منطقته الا بتصريح من الحكومه الصينية. لذلك لا يستطيع اي مواطن صيني ان يهاجر الي شانغهاي مثلا الا اذا حصل علي تصريح أقامه هناك. و هذا التصريح يتطلب الحصول علي عمل في شانغهاي مثلا. بهذه الطريقه تستطيع الصين ابقاء الشرق الصناعي منفصلا عن الغرب الريفي الفقير. احد قراء جوده ممن أتيحت له زياره الصين اخذ يتحاكي عن عداله توزيع الثروه في الصين. المشكله انه زار مناطق الشرق الصناعي فقط.

ثالثا. ليست هذه فقط التكلفة الاجتماعيه الوحيده في الصين فظروف العمل في الصين هي من ضمن الاسوء في العالم. و قضيه فوكسكون معروفه و هي شركه تايوانيه توظف حوالي مليون عامل في الصين ذاتها و تورد مكونات الآي فون لشركه أبل الأمريكيه و قد تم اكتشاف ان الشركه توظف العمال في ظروف عمل لا ينقطع و بدون قسط كاف من النوم لساعات لا تنتهي.

رابعا. الحقيقه كذلك ان الصين لا يحكمها ديكتاتور. هي ليست دوله ديمقراطيه بمعني انه لا تعقد فيها انتخابات شعبيه بالنمط الغربي. و لكن لا يوجد ديكتاتور في الصين. اخر ديكتاتور حكم الصين هو ماوتسي تونج الذي تسبب في مأساه انسانيه ضخمه في الصين نتيجه سياسات الثوره الثقافية و الديكتاتوريه و الفساد الذي انتشر في عهده. بنهايه حكم ماوتسي تونج تمت محاكمه زوجته فيما وصف بمحاكمه الاربعه الكبار و منذ ذلك الوقت اتبع الحزب الشيوعي نظام فريد للقضاء علي الفساد: كل عشر سنوات يتم تغيير كل القيادات الحاكمه في الصين بدءا من رئيس الوزراء و سكرتير الحزب وصولا لكل القيادات الوسيطة و يتم ذلك عبر انتخابات من كل أعضاء الحزب الشيوعي الصيني. يودي ذلك الي عدم تواتر الفساد في الدوله و عدم نشوء شلليه.

لذلك لا تصف المؤسسات الغربيه الصين انها دوله ديكتاتوريه و لكن لا توصف كذلك بالديمقراطيه. الأهم ان الحزب الشيوعي الصيني هو في الحقيقي حزب بدون ايدلوجيه كما تصفه الكتابات الغربيه. فالنظام في الصين رأسمالي بشكل شبه كامل. أسواق المال في الصين تشابه تماماً مثيلتها في الغرب و حقوق العمال في الصين (الشيوعيه) اقل كثيراً من الغرب. الحقيقه ان الحزب الشيوعي الصيني هو اسم فقط لجهاز الدوله الذي يضم البيروقراطيه الصينية التي تدير الدوله.

تتجلي براجماتيه الحزب الشيوعي الصيني في استفادتها من المهاجرين الصينيين في الغرب. أطلقت الصين برنامجا يقضي باعاده توطين الآلاف من المهاجرين كل عام في الصين و الذين حصلوا علي شهادات و درجات علميه عليا في دول الغرب. يقضي البرنامج بمنحهم وظائف مريحه و منح ماليه لاستمرار أبحاثهم و أعمالهم في الصين. السؤال هنا هل تسمح الثقافه المصريه بذلك؟ و لنا فيما حدث لدكتور احمد زويل العديد من العبر التي استلهمها اي مصري يعيش في الخارج ليعرف تماماً انه غير مرحب به في مصر. و كلنا يعرف ان المصري العائد من امريكا و كندا بعد غربه طويله سيعامل معامله سيئه و سيتطاول البعض عليه مثل “انت جاي تتم نظر علينا. احنا هنا مش امريكا. اللي غائب من عشرين سنه و عمل فلوس قد كده كمان يجئ ياخد اكثر مننا ليه. احنا اللي قعدنا في البلد دي. الخ”.

خامسا. لا يتدخل الجيش الصيني إطلاقا في السياسه او الاقتصاد. لا توجد مثلا للجيش الصيني مشاريع اقتصاديه كما انه لا يتدخل في توجيه أمور الدوله و يعتبر الصينيون هذا احد اهم إنجازاتهم. و كما واضح في المصادر المرفقه فان قيادات الحزب أبعدت الجيش عن الاقتصاد حتي لا يتسلط و لا يستقل و من ثم لا ينقلب علي القياده المدنيه الصينية. تم هذا في التسعينات و من ذلك الوقت انطلقت الصين اقتصاديا كما هو معروف.

لذلك من الواضح تماماً ان من يقول ان الصين ديكتاتوريه لذلك دعونا نقلدها، في الواقع لا يعرف شيئا عن الصين الحديثه. فمصر تحت حكم عسكري ديكتاتوري يمجد شخصا واحدا و لا يوجد تداول سلمي للسلطه. فارق شاسع مع الصين الحديثه. في الحقيقه يقارب تاريخ الصين قبل التطور في التسعينات و بعدها كما سنشرح الان.

سادسا. قد يتساءل قارئ لماذا يرضي مثلا سكان الريف في الصين بهذه المعامله و التمييز و لا يثورون؟ الاجابه هي في معرفه تاريخ الصين الحديث. لقد تعرضت الصين تحت حكم الديكتاتور ماوتسي تونج لما اطلق عليه الثوره الثقافية التي استمرت من ١٩٦٦ حتي ١٩٨١.

اطلق ماوتسي تونج الثوره الثقافية بهدف ان جيل من الصينيين يجب ان يعاني من اجل الأجيال القادمه! و ان الأغنياء و البورجوازيين و المتعلمين يجب ان يضحوا (لاحظ التشابه مع دعوات مشابهه في مصر). تم إجبار الملايين من المتعلمين ان يتركوا جامعاتهم و وظائفهم حتي يعيشوا عيشه الفقراء في معسكرات عمل جماعي في الريف الصيني. أدت تلك السياسه لتوقف نظام التعليم و الجامعات في الصين تماماً. كما أدت الي شيوع الاعتداء علي كل من كان ذكاؤه اعلي من المتوسط مثلا! مما ادي لمقتل الكثيرين. ادي ذلك لانهيار نظام الرعايه الصحيه و توقف الخدمات بالرغم ان الدعايه الصينيه ادعت العكس تماماً. في ذات الوقت كانت عصابه الاربعه (بما فيهم زوجه ماوتسي تونج) يعيشون في رفاه.

أدت الثوره الثقافية الصينيه الي القضاء فعلا علي جيل بأكمله في الصين. من الطبيعي ان نري في الشركات الصينيه ان كل المدراء هم دون الخمسين بسبب انه لا يوجد جيل متعلم اكبر من ذلك الا فيما ندر. استقر ذلك في الذاكره الجمعيه الصينيه بحيث ان اي تحسن يعتبر افضل حالا بكثير من الثوره الثقافية. لاحظ ان ماوتسي تونج كان ديكتاتورا و لاحظ انه كان قائد جيش التحرير الشعبي الصيني خلال الحرب الآهليه الصينيه.

المصادر:

——-

مقياس جيني في العالم:

http://en.m.wikipedia.org/wiki/List_of_countries_by_income_equality

نظام هوجو لمنع الهجرات الداخليه في الصين:

http://en.m.wikipedia.org/wiki/Hukou_system

ظروف العمل في الصين:

http://m.us.wsj.com/articles/BL-CJB-16532

آليات عمل الحزب الشيوعي الصيني:

http://en.m.wikipedia.org/wiki/Communist_Party_of_China

دور الجيش الصيني في الاقتصاد:

http://en.m.wikipedia.org/wiki/People’s_Liberation_Army

الثوره الثقافية الصينيه و تأثيراتها :

http://en.m.wikipedia.org/wiki/Cultural_Revolution

برنامج أعاده توطين الكفاءات المهاجرة في الصين:

http://m.theglobeandmail.com/news/national/time-to-lead/china-lures-back-its-best/article4178736/?service=mobile

الصين: ديكتاتوريه بدون ديكتاتور:

http://m.newyorker.com/online/blogs/evanosnos/2011/01/a-dictatorship-without-a-dictator.html

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s